31-03-2024 | 02:20

"رسائل إلى معذّبي"... سيرة هوشنغ أسدي رفيق الزنزانة مع خامنئي

يسترجع أسدي في مذكراته ذكريات الثورة الإيرانية، وما تبعها من تقلبات في معترك السياسة الإيرانية؛ حيث زُجّ برفاق الثورة من حزب توده الشيوعي إلى السجن، ثم بعد سنوات صعد الرفاق ومعهم زهاء 5 آلاف معارض إيراني إلى منصات الإعدام.
"رسائل إلى معذّبي"... سيرة هوشنغ أسدي رفيق الزنزانة مع خامنئي
Smaller Bigger

"هَو هَو"... صوت كان هوشنغ أسدي يضطر لإصداره قبل أن يتحدّث إلى جلاده، يتبعه سيل من اعترافات خيالية، أو توسلات باكية ترجو "الأخ حميد" قطع وصلة التعذيب مؤقتاً، والسماح له بالذهاب إلى المرحاض.

 

هذا المشهد ليس جزءاً من حكاية أسطورية نبتت في خيال كاتب روائي، لكنه غيض من فيض مشاهد مروّعة استدعاها الصحافي والمترجم الإيراني هوشنغ أسدي في مذكراته المعنوّنة بـ"رسائل إلى معذبي"؛ إذ خرجت نسختها العربية إلى النور مطلع هذا العام عن دار المحروسة بالقاهرة، من ترجمة الصحافيّ المصري ماجد عاطف.

 

يسترجع أسدي في مذكراته ذكريات الثورة الإيرانية، وما تبعها من تقلبات في معترك السياسة الإيرانية؛ حيث زُجّ برفاق الثورة من حزب توده الشيوعي إلى السجن، ثم بعد سنوات صعد الرفاق ومعهم زهاء 5 آلاف معارض إيراني إلى منصات الإعدام.

 

المفارقة أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي رفيق زنزانة أسدي في سجون الشاه - هو الذي أنقذ أسدي حينها من الموت المحقق، ليخرج من السجن في عفو عام 1988 برفقة نحو 500 معارض، وفي عام 2003 فرَّ المعارض الإيراني إلى باريس؛ حيث كتب هذه المذكرات، ونشرت أول مرة بالإنكليزية عام 2010، تحت عنوان Letters to My Torturer- Love, Revolution, and Imprisonment in Iran.

 

غلاف كتاب "رسائل إلى معذبي" في نسخته الإنكليزية

 

رسائل إلى الأخ حميد

في 26 رسالة خاطب هوشنغ أسدي جلاده السابق الذي غدا دبلوماسياً مرموقاً. لم يكن حميد سوى أحد المؤمنين حدَّ الثمالة بالثورة الإسلامية في إيران، وكان أسدي في عينيه مجرد جاسوس سوفياتي مارق، وعميل للسافاك يستحق ما حاق به من عذاب، وربما يتقرب بإذلاله إلى الله.

 

وضع حميد قواعد اللعبة مع أول صفعة بادر بها ضيفه في سجن مشترك، أخبره أن عليه أن ينبح مثل الكلب قبل أن يتحدث إليه، فيقول أسدي: "هو هو" أريد كذا. علّمه أيضاً كيف يكون التعذيب الطريق الوحيد للاعتراف بأشياء حدثت، أو لم تحدث.

 

تحت وطأة الألم البدني والنفسي، أتقن أسدي فنون تلبية رغبات جلاده في صياغة اعترافات تُرضي السيناريو الأمني المفترض، فكان خياله وحده القادر على وقف التعذيب، بتأليف خطة انقلاب أعدّ لها حزب توده، أو ابتكار هيكل تنظيمي بالأسماء والمهام للتنظيم السري، أو حتى يعترف بأنه جاسوس سوفياتي وبريطاني في الوقت نفسه.

 

كل هذه الحيل الدفاعية كانت تخفف من سرعة ماكينة التعذيب، فيلتقط أنفاسه برهة من الوقت، وأحياناً لم يجد ما يؤلفه فيسحقه الجلاد حتى ينهار، وهنا حاول أسدي الانتحار غير مرة، وفي إحدى المرات كسر عدسة نظارته الطبية، وقطع شرايين ساعده الأيسر، وابتلع البقية، لكن الأطباء والجلاد أنقذوه.

 

جرّب أسدي كل أشكال التعذيب في السجون الإيرانية؛ من الجلد إلى التعليق في سقف الغرفة، والصفع والركل وصولاً إلى الإجبار على أكل البراز، لكن أي ذنبٍ هوشنغ أسدي اقترف حتى يلقى هذا المصير المروّع؟!

 

يعيش هوشنغ أسدي في باريس إلى اليوم بعد فراره من إيران عام 2003

 

صداقة خامنئي

اشتغل أسدي (74 عاماً) بالصحافة؛ والتهمته الأيديولوجيا مبكراً فانتظم في حزب توده الشيوعي، الذي تأسس في عام 1941، وفي عهد الشاه دخل السجن عام 1974، ووجد نفسه وقتذاك يتقاسم الزنزانة مع رجل الدين الشاب علي خامنئي، الذي أصبح في ما بعد رئيس الجمهورية، ثم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية وحتى الآن.

 

وعمل أسدي قبل الثورة الإسلامية لسنوات عديدة نائباً لرئيس تحرير صحيفة كيهان، أكبر صحيفة يومية في إيران، وقضى 12 عاماً رئيساً لتحرير مجلة غوزاريش”، أكبر مجلة سينمائية في البلاد. كتب عدداً من الروايات والمسرحيات وسيناريوهات الأفلام، كما ترجم إلى الفارسية أعمالاً مهمة لغابريال غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وتي إس إليوت.

 

شكّلت علاقة الصحافيّ الإيراني بخامنئي جانباً مهماً في حياته، فيحكي عن صفاته الشخصية التي تلمسها في رفقة تسعة أشهر في الزنزانة نفسها، إذ يقول عنه إنه كان دائماً مبتهجاً ومستعدّاً للمزاح، وقد أعطى كلَّ واحد من الحراس لقباً ساخراً.

 

ويشار إلى أن خامنئي هو المرشد الثاني للجمهورية الإسلامية، وقبل هذا المنصب شغل منصب رئيس الجمهورية من عام 1981 حتى عام 1989 الذي تقلد فيه منصب المرشد الأعلى خلفاً لروح الله الخميني.

 

ويصف أسدي خامنئي في السجن: "كان يتوضَّأ بتفانٍ شديدٍ، ويقضي أغلب وقته واقفاً بجوار النافذة. يقرأ القرآن بهدوء، ويصلي، ثم يبكي بصوتٍ عالٍ. وتشعر وكأنه يفقد نفسه تماماً في حضرة الله. كان هناك شيء ما في تلك الطقوس الروحانية يجذب القلب".

 

بعد الثورة الإسلامية تمتّنت عرى الصداقة بين الرجلين، فكان أسدي همزة الوصل بين حزب توده ورجال السلطة الجدد، وكان هوشنغ المتبني لقيم الدولة العلمانية مدافعاً عن الثورة الإسلاميّة في المحافل الدولية، حتى أنه رفع كأسه مكايداً حشداً من الصحافيين الأجانب في موسكو قائلاً: "يحيا الخُميني".

 

تبدّل الحال سريعاً وأكلت الثورة أبناءها، وصار رفاق الأمس أعداء اليوم؛ إذ اعتبرت الثورة الإسلامية حزب توده الشيوعي حزباً خائناً، واتهمته بالتحضير لانقلاب في عام 1983.

 

سُجن أسدي مع أبناء حزبه وذاقوا جميعاً كل الأهوال، لكن صداقة خامنئي منحته الحياة يوم عُلق أصدقاؤه بجوار أعضاء حركة "مجاهدي خلق" على المشانق في صيف عام 1988.

 

خامنئي في عام 1979 بعد أربع سنوات من لقاء أسدي

 

الموت على بعد خطوة

في مذكراته، يستعيد أسدي صوت خامنئي المرتعش الذي ما زال يَرِنُّ في أذنه. قال المرشد الأعلى عندما كان سجيناً لدى الشاه بعينين دامعتين: "في ظل حكومة إسلامية، لن تُذرَف دَمعةٌ واحدة من الأبرياء".

 

ورغم هذه الرومانسية الثورية، جرت دموع ودماء الآلاف أنهاراً في سجون الثورة الإسلامية، يقول الكاتب الذي تنقّل فيها، حيث بدأها بسجن مشترك سيئ السمعة، والذي تغير اسمه إلى سجن التوحيد بعد الثورة، وأصبح متحفاً يستعرض جرائم جهاز السافاك، الذي كان بمثابة الشرطة السرية والأمن الداخلي في عهد الشاه.

 

بعد سجن مشترك نُقل أسدي في صيف 1985 إلى سجن إيفين الذي شهد عمليات إعدام عام 1988، و"كان يعدّ أكبرَ مركز تعذيب يُحتجز فيه سجناء سياسيُّون في إيران في عهد الحكومة الإسلامية؛ حيث تمَّ اختيار الحرَّاس فيه من رجال العصابات والقَتَلة في طهران، لينفذوا الأوامر المتشددة الصادرة لهم، من دون تفكير أو مناقشة.

 

في خريف عام 1985، انتقل هوشنغ إلى سجن قزل حصار الذي يقع بين الجبال والصحاري شمالي إيران، وبعد عام نُقل مرة أخرى إلى سجن رجائي شَهر. وفي عام 1988 استقر به المقام في سجن إيفين مجدداً؛ حيث بدأت عمليات الإعدام في صيف ذلك العام.

 

كان أغلب من نفذ بهم حكم الإعدام من أتباع منظمة "مجاهدي خلق"، إلى جانب بعض الشيوعيين. اقتيد أسدي في أحد أيّام أيلول (سبتمبر) مع الجمع إلى المشانق، وأمر الجلادون المعتقلين بالتشمير عن سواعدهم، وكتابة أسمائهم وأسماء مجموعاتهم بأقلام "ماركر" على معاصمهم.

 

وبعدما بدأت المشانق في حصد الأرواح، باغت أحد الحراس أسدي، وسحبه من وسط طوابير الإعدام، ثم اقتاده إلى سيارة انتظر فيها كيانوري، السكرتير الأول لحزب توده، والذي كان سجيناً هو الآخر. وهكذا نجا الرجل بأعجوبة من حبل المشنقة الذي كان على بعد خطوة واحدة منه، فقد خُفّف الحكم بالموت إلى خمسة عشر عاماً، ثم شمله العفو العام.

 

يقول أسدي عن كواليس نجاته: "⁠‫لاحقاً، عرفتُ من زوجتي أنها ذهبت إلى مكتب خامنئي. وأخبَرَت سكرتيره أني سأُشنَق بحجة التَّسلُّل إلى مكتب خامنئي!"، و⁠‫في اليوم التالي أرسل لها مكتب خامنئي صورةً من خطابه إلى السِّجن مُدوَّن فيه جملة واحدة… "بسم الله، كنت بالفعل على دراية بآرائه".

 

هذه الجملة القصيرة كانت طوق نجاة هوشنغ أسدي، الذي فرّ في ما بعد إلى فرنسا ليكتب هذه المذكرات، كاشفاً معها أهوالاً عاشها المعارضون الإيرانيون في سجون الثورة الإسلامية، بعدما شاركوا فيها بوجدانهم حالمين بوطنٍ مستقل تسوده العدالة والمساواة، بعد سنوات طويلة من حكم الشاه الاستبداديّ، لكنّها السياسة التي لا تعرف الأحلام.

 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
اقتصاد وأعمال 4/11/2026 12:45:00 PM
قوة الدولار وارتفاع الذهب معاً "دليل على قلق عالمي".
ايران 4/12/2026 6:50:00 AM
وزير الخارجية الباكستاني يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار
تحقيقات 4/12/2026 9:22:00 AM
تتعامل وزارة الصحة مع هذا الملف بتكتم شديد وعدم الإفصاح عن أرقام الجثث المجهولة الهوية. فالقضية معقّدة، تتداخل فيها صلاحيات جهات عدة.