31-10-2023 | 22:57

شعر العامية... إبداع يقاوم التهميش ​

يُهدي أستاذ النقد الأدبي في كلية الآداب، في جامعة عين شمس، أحمد مجاهد كتابه "جماليات شعر العامية بين الإبداع والتلقّي" إلى أستاذه عز الدين اسماعيل.
شعر العامية... إبداع يقاوم التهميش ​
Smaller Bigger

يُهدي أستاذ النقد الأدبي في كلية الآداب، في جامعة عين شمس، أحمد مجاهد كتابه "جماليات شعر العامية بين الإبداع والتلقّي" إلى أستاذه عز الدين اسماعيل.

ويبرّر ذلك بأنّ اسماعيل "دفَعَه دفْعًا" إلى ميدان نقد شعر العامية، منذ أن كان مدرّسًا مساعدًا في الجامعة. وأهمية ما فعله عز الدين اسماعيل مع تلميذه أحمد مجاهد ترجع إلى أنّ شعر العامية كان مهمّشًا على المستويين النقدي والأكاديمي، ومن ثم كان لا بدّ من سدّ الفراغ الشاسع الناجم عن ذلك التهميش، بغض النظر عمّا إذا كان متعمّدًا، أو جاء نتيجة تقصير غير مقصود.

والغريب أنّ الأمر لا يزال على حاله، على الرغم من إنجاز شعر العامية الإبداعي الذي يلامس في نماذجه العليا "ضفاف الشعرية العالمية الحديثة"، كما يرى مجاهد، وهو رأي يمكن التحفّظ بشأنه، كما سنوضح بعد قليل.

يتألّف هذا الكتاب الصادر حديثًا ضمن سلسلة "كتابات نقدية" (عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة) من تسعة فصول، بينها فصل يتحدث عمّا كتبه "أمير شعراء الفصحى" أحمد شوقي من شعر عامي، وفصل آخر عن "أمير شعراء العامية" بيرم التونسي وما كتبه من شعر فصيح.

يرى مجاهد أنّ أحد أسباب تهميش شعر العامية نقديًا وأكاديميًا ربما يرجع إلى أنّ روّاد الموجة الأولى والثانية على الأقل من شعرائه ينتمون جميعًا تقريبًا، إلى اليسار السياسي، وأنّ أغلبهم كان معتقلًا سياسيًا لبعض الوقت، وكأنّ مؤسسات النشر الرسمية والمجلات الثقافية والمؤسسات الأكاديمية، قد تبنّت موقف الدولة السياسي منهم.

 
 

يقول أحمد مجاهد: "لقد حرصتُ على أن تكون دراستي الأولى في هذا الكتاب دراسة أكاديمية تلتزم قواعد الكتابة العلمية من جهة، وتتبع أحدث مناهج نقد الشعر من جهة أخرى، لإثبات أنّ شعر العامية جدير بأن يكون محورًا لدراسات أكاديمية معتبرة". وجاءت الدراسة المشار إليها آنفًا تحت عنوان "حوار الأيديولوجيا والفن: آليات التداعي في ديوان "صفحة من كتاب النيل" للشاعر زين العابدين فؤاد".

 

 

الأيديولوجي والجمالي

حاول الكاتب العمل على محورين؛ الأول: رصد البنية الفنية للنصوص الشعرية، وتوضيح أثر أيديولوجيا الشاعر على تشكيلها الجمالي. والثاني: التركيز على دراسة الخصائص الجمالية الخاصة بشعر العامية، وعلى رأسها ظاهرة التداعي التي حاول تأصيلها نظريًا ورصْد أشكالها المختلفة كما تجلّت في ديوان "صفحة من كتاب النيل"، بحيث تصلح نتائجها لأن تكون مدخلًا لقراءة أعمال أخرى من شعر العامية. أما بقية دراسات الكتاب عن رواد شعراء العامية، فهي أيضًا تتبع المنهج العلمي في كتابتها، وتهدف إلى محاولة اكتشاف جماليات الإبداع في خصوصيته العامية لدى كل شاعر منهم.

كما تحاول أن تتلقّى نصوصهم تلقيًا إبداعيًا يفسّر أحيانًا ويضيف حينًا، وفقا لرؤى القارئ / الناقد وثقافته، ووفقًا لديناميكية النصوص وكثافتها وقدرتها على تعدد الدلالة، كما يقول المؤلف.  

وتلك الدراسات تختلف عن الدراسة الأولى من حيث محاولة تسهيل الأمر على القارئ غير الأكاديمي. ويقول مجاهد في هذا السياق: "عندما أستعين بمرجع أذكر اسم صاحبه، وأضع ما اقتبسته منه بين علامتي تنصيص داخل المتن للأمانة العلمية، لكنني لا أضع ثبتاً بالمصادر والمراجع وأرقام الصفحات في آخر الدراسة؛ لأنّ هذا أمر يخصّ الباحث المتخصص وليس القارئ العام الذي أتوجّه له بالخطاب" (ص8). 

حرص مجاهد في مقدمة الكتاب على أن يذكر أنّ علاقته بشعر العامية إبداعًا ونقدًا، انطلقت من كونه ابن شقيقة الشاعر فؤاد قاعود، الملقّب بـ "أمير شعراء الرفض"، والذي كان قريبًا من روحه بحكم أنّه كان يزوره أسبوعيًا ويستمع إلى قصائده فور كتابتها، وتضافر ذلك مع الاستفادة من مكتبته وخبراته الثقافية في تكوين شخصيتي الثقافية والفنية أيضًا، حيث تربت ذائقتي على الاستماع لأغاني الشيخ إمام والموسيقى الكلاسيك والتراث الموسيقي العربي".

يكشف مجاهد في هذا السياق، أنّ له تجارب في كتابة شعر العامية؛ "قبل أن تعصرني مفرمة النقد الذي أظن أنّه لا يفتح أبوابه على مصراعيها إلاّ لمن مارس الإبداع أولاً".

 
 

تقديرًا وعرفانًا

وعلى صعيد الممارسة النقدية، شارك أحمد مجاهد لفترة طويلة في مناقشة دواوين شعر العامية في سياق ندوات جمعية النقد الأدبي التي كانت تستضيفها جمعية محبي الفنون الجميلة في القاهرة.

وفي تلك الفترة كلّفه أستاذه عز الدين إسماعيل بالمشاركة في مشروع بحثي لمعهد البحوث والدراسات العربية، وطلب منه أن يكتب تحديدًا في محور "الهوية القومية في شعر العاميات العربية". ومن هنا يمكن تفسير إقدام مجاهد على إهداء كتابه الذي نتناوله هنا إلى روح عز الدين إسماعيل؛ "تقديراً وعرفاناً ببعض فضله" (ص 10). 

 وما يطرحه أحمد مجاهد في ما يتعلق على الأقل بجهده الشخصي الذي حظي بدعم أحد أهم نقاد الأدب في مصر الحديثة وهو الدكتور عز الدين إسماعيل، يؤكّد أنّه لا ينبغي التسليم بما أورده هو عن تهميش إبداع شعر العامية ونقده، من دون أي تحفظ.

فهذا الشعر الذي ترجع ريادته إلى عبد الله النديم وبيرم التونسي، قبل أن تتجلّى معالمه الإبداعية المتسامية إلى حدّ بعيد على الطبيعة الزجلية لبواكير منجزه، لم يهمّش، على الرغم من كل محاولات تهميشه. فحتى الاستعلاء عليه من جانب المتشيّعين للفصحى، كان شكليًا أكثر منه موضوعيًا، بدليل أنّ أحمد شوقي نفسه كتب شعر العامية، وهو الملقّب بـ "أمير الشعراء"، من جانب أنصار اللسان الفصيح في الأدب بالطبع.

ولا يفوتني في هذا السياق التذكير بأنّ صلاح فضل الذي تولّى في سنواته الأخيرة منصب رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، تطرّق أيضًا في كتابه "شعر العامية من السوق إلى المتحف" (الدار المصرية اللبنانية – 2019) إلى قضية الاستعلاء على هذا الشعر، وفسّر موقف أحمد شوقي من شعر بيرم التونسي بأنّه "كان في سياق التنافس على عرش الشعر بين مملكة الفصحى العريقة وجمهورية العامية الناشئة".

ولاحظ فضل في مقدمة الكتاب نفسه ما يلي: "لدينا أجيال من شعراء العامية المصرية يقفون في مستوى إبداعاتهم جنبًا إلى جنب مع كبار مبدعي الشعراء الذين يكتبون بالفصحى، بل لعلّ السلالة العامية أن تكون قد نفذت بالغناء، وتذرّعت بالموسيقى فوصلت إلى أعماق الوجدان الشعبي بأبعد مما بلغته الشعرية الفصيحة".

يتناول أحمد مجاهد في كتابه منجز بيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وأحمد فؤاد نجم، ويختتم بفصل عنوانه "شوقي بك شاعرًا"، والمقصود هو أمير الشعراء أحمد شوقي.

 
 
 

صحوة النقد والاحتفاء

 وعموماً فإنّ كتاب مجاهد يأتي في سياق ما يشبه "الصحوة" بشأن الاهتمام بما يمكن أن نستعيره من عنوان كتابه، أي بجماليات شعر العامية بين الإبداع والتلقّي. فقبل سنوات قليلة منحت الدولة المصرية أرقى جوائزها الأدبية، جائزة النيل، إلى أحد أهم فرسان شعر العامية وأشهرهم، وهو عبد الرحمن الأبنودي. وفي موازاة ذلك أُنشئت جائزة باسم فارس شهير آخر هو أحمد فؤاد نجم، لينالها سنويًا شعراء ونقاد، بما يسهم بلا شك في منح شعر العامية ما يستحق من تقدير، ويعد في الوقت نفسه بالمزيد في الاتجاه ذاته. وبالطبع يُضاف كتاب أحمد مجاهد إلى جهود بحثية ونقدية برزت في السنوات الأخيرة وموضوعها هو شعر العامية.

وبالإضافة إلى كتاب صلاح فضل المشار إليه آنفًا، هناك، على سبيل المثل لا الحصر: كتاب سيد إسماعيل ضيف الله "صورة الشعب بين الشاعر والرئيس"، والذي حصل على جائزة ساويرس لأحسن كتاب نقدي عام 2015، ويُعتبر من أهم ما كُتب نقديًا عن شعر فؤاد حداد، المصري ذي الأصول الشامية، وكتاب "خيال الضرورة ومرجعياته، قراءات في شعر العامية" للشاعر والناقد محمود الحلواني، وكتاب مسعود شومان "المؤتلف والمختلف... قراءات في شعر العامية المصرية".

ولا شك أنّ هذه الأعمال النقدية تعكس اهتمامًا متنوّعا بشعر العامية، من مثل المؤتمرات التي تُعقد له، والجوائز المخصّصة لمبدعيه، سواء التي تمنحها جهات خاصة، أو التي تمنحها الدولة ممثلة في المجلس الأعلى للثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة ومعرض القاهرة الدولي للكتاب.

وتعكس ايضاً تنامي الأمسيات المخصّصة لشعراء العامية، ومنها ما ينظّمه منتدى الشعر المصري في مقر حزب التجمع في وسط القاهرة، و "ورشة الزيتون" و "ساقية الصاوي"، و "أتيليه القاهرة"، وحتى مكتبة الإسكندرية.

 

    

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
"تبدو وكأنك تقول: يا إلهي، كنت في طائرة مقاتلة قبل دقيقتين أحلق بسرعة 800 كيلومتر في الساعة، وانفجر صاروخ للتو على بعد أربعة أمتار ونصف فقط من رأسي"
لبنان 4/4/2026 7:56:00 PM
مقتل جندي إسرائيلي في شبعا بنيران صديقة خلال عملية جنوب لبنان