الياباني هاروكي موراكامي يُصفّي حسابه مع الماضي!
لعل الدرس الذي يخرج به قارئ رواية "تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجّه" للروائي الياباني هاروكي موراكامي، الصادرة حديثاً عن دار الآداب في بيروت (تعريب أحمد حسن المعيني)، هو أن تصفية الحسابات العالقة مع الماضي شرط ضروري للاستمرار في المستقبل.
وهذا الدرس نستخلصه من الأحداث التي تتمحور حول شخصية تسورو تازاكي والشخوص الأخرى المتعالقة معه، بزمالة أو صداقة أو حب أو سواها من العلاقات الإنسانية، ممّا نقع عليها في مجرى الأحداث، ونقف على تحوّلاتها الجارية.
علاقة جدلية
تشكّل اللقاءات المتعاقبة التي تُعقَد بين مهندس محطّات القطار تسوكورو ومصمّمة الرحلات السياحية سارا في: إبيسو، آوياما، شيبوبا، غينزا، هيرو، وسواها من الأحياء اليابانية، الإطار الذي يحتوي على حكاية الأوّل، بحيث تتمّ استعادتها على دفعات، في تلك اللقاءات المعقودة في مقهى أو مطعم أو حانة أو سواها من الأماكن المدينية.
وخلال هذه العملية، تنشأ علاقة جدلية بين الإطار والمحتوى، فتنمو الأحداث في كل منهما حتى تبلغ نهايتها المرسومة.
وينجم عن هذا التجادل بينهما أن تتزامن النهايتان، وأن يؤول كلٌّ من الحيّزين إلى نهايته السعيدة المرجوة.
وعليه، ما إن يتحرّر تسوكورو من عقدته المزمنة المستعصية وينجح في تصفية الحساب العالق مع الماضي، بتشجيع من سارا ومساعدتها، حتى يتّصل بها معلناً حبّه لها ورغبته في الارتباط بها، فتبادله بالمثل.
ولعل موراكامي أراد أن يقول، من خلال هذا التزامن بين نهايتي الإطار والمحتوى، أن التحرّر من عقد الماضي ورواسبه شرط لازب للانخراط في المستقبل. وهذا ما يجعل النهايتين، على المستوى النصّي، ترهصان ببدايتين، على المستوى الوقائعي.
أطوار مختلفة
في الإطار، تعرف العلاقة بين الشخصيتين أطواراً مختلفة؛ تبدأ بالتعارف، وتمرّ بالرفقة والصحبة والصداقة والتواصل الجسدي، وتنتهي بالحب.
وفي غمرة هذه العلاقة، وخلال قيامهما بتطارح الغرام، تشعر سارا أن ثمّة ما يحول دون تدفّق مشاعر تسوكورو، وأن ثمة مسافة تفصل بينهما تقف حجر عثرة دون بلوغ العلاقة خواتيمها المنشودة، فتصارحه بالأمر.
وإذ يسرّ لها بأنه وحده يتحمّل مسؤولية فشل علاقاته النسائية القليلة السابقة، تتأكد من صحة شعورها، وتطلب منه مواجهة الماضي شرطاً للدخول في علاقة جدية، وتعلن استعدادها للمساعدة، وهو ما يحصل بالفعل، ما يشكّل المحتوى الحكائي للرواية، مع الإشارة إلى أن المدة الفاصلة بين بدايتي الإطار والمحتوى هي ستة عشر عاماً، وإن تزامنت نهايتاهما.

قرار الإقصاء
في المحتوى، يشكّل القرار المفاجئ للأصدقاء الخمسة الذين تزامل معهم تسوكورو في المدرسة الثانوية في ضواحي ناغويا، وشكّلوا معاً مجموعة متناغمة، في السرّاء والضراء، بإقصائه عن المجموعة دون إبلاغه السبب، وهو الأشجع بينهم والأهدأ والأقل عاطفية والأقدر على المغامرة، الواقعة الزلزالية المحرّكة للأحداث التي يترتب عليها تردّدات مدمّرة على صاحبها والآخرين؛ ذلك أن أعضاء المجموعة الخمسة، تسوكورو الوسيم المهذب، وأُو الرياضي المرح، وأكّا المثقف الذكي، وشيرو الفتاة الحلوة، وكورو خفيفة الظل المضحكة، ينخرطون في علاقة تكاملية في ما بينهم.
يُسهم انتماؤهم إلى الطبقة الوسطى، وتَحَدّرهم من ضواحي المدن، وانخراطهم في العمل التطوعي، وقضاؤهم العطلات معاً، وممارستهم الرياضة، وتحضيرهم للامتحان، واشتراكهم في الأحلام، ومواجهتهم المشكلات، في توثيق عرى تلك العلاقة التي لم تكن ترهص بأي تحوّل دراماتيكي، ولم يكن أحد ليظن أنها قابلة للانفصام.
من هنا، يشكّل قرار الإقصاء المفاجئ دون ذكر السبب صدمة للمَقصي، يعاني مضاعفاتها طيلة ستة عشر عاماً، وتتراوح تمظهراتها بين: سيطرة فكرة الانتحار عليه، والشعور بالألم والوحدة والاغتراب، والتشكيك في الذات، والفشل في إقامة علاقات طبيعية مع الجنس الآخر. ويشكّل القرار عينه مقدّمة لتقطّع السبل بين أعضاء المجموعة وانصرام حبلها.


تهمة ملفّقة
بالعودة إلى الإطار، وإذ يفضي تسوكورو لسارا تفاصيل الواقعة الزلزالية التي تركت تردّداتها القاسية على حياته، تدفعه إلى البحث عن رفاق الأمس وسؤالهم عن سبب إقصائه، وتقدّم له المعلومات التي تساعده في العثور على ثلاثة منهم، باعتبار أن الرابعة شيرو لم تعد على قيد الحياة، حتى إذا ما فعل، وهنا نعود إلى المحتوى مرة ثانية، يكتشف أن السبب يكمن في أن الأخيرة اتهمته باغتصابها، وأن قرار الإقصاء جاء على خلفية التضامن معها، لا سيما أن صحتها النفسية لم تكن على ما يرام.
وفي مواجهة هذا الاكتشاف المتأخر ستة عشر عاماً عن موعده، لا يجد تسوكورو صعوبة في إقناع أكا وأو وكورو ببراءته من التهمة المنسوبة إليه، ويعلم من الأخيرة أن شيرو أقدمت على فعلتها بدافع الغيرة منها، هي التي كانت تحبه ويبادلها الشعور نفسه دون أن يمتلك أي منهما الجرأة بالاعتراف الصريح بحقيقة مشاعره إزاء الآخر.
وهنا نعود إلى الإطار مرة أخرى، فينجح تسوكورو في تصفية حسابه العالق مع الماضي، ويبادر إلى الاتصال بسارا معترفاً بحبه إياها، مبدياً رغبته في الارتباط بها.
وعليه، إن المسافة الزمنية الطويلة بين بدايتي الإطار والمحتوى يتم ردمها بتزامن النهايتين. وكأن موراكامي أراد أن يقول، من خلال روايته، إن تصفية الحسابات العالقة مع الماضي شرط لاجتراح حسابات جديدة في المستقبل.
نتيجة مثمرة
في بناء الشخصيات، وعلى الرغم من حرص الكاتب على تقديم رواية رشيقة متماسكة، وهو ما ينجح فيه بالفعل، ثمة وقائع تنتقص من سلامة بناء كلٍّ منها؛ فتخلّي تسوكورو عن حقّه في معرفة سبب إقصائه من المجموعة طيلة ستة عشر عاماً، وتشكيكه بنفسه إلى حد تصديق ما يُنسبُ إليه زوراً، وخشيته من الالتقاء برفاق الأمس بعد مرور زمن طويل على واقعة الإقصاء، هي وقائع تنتقص من محوريّة الشخصية.
وقيام كورو بالتواطؤ مع صديقتها شيرو والتظاهر بتصديقها في التهمة الملفقة، وهي تعلم أنها أقدمت على ذلك بفعل الغيرة واضطراب صحتها النفسية، وعدم انتصارها للحقيقة رغم مشاعر الحب التي تكنّها للمتهم، هي وقائع مجافية لمنطق الأمور التي تقتضي تقديم الحب على الصداقة في حال استحالة الجمع بينهما.
أمّا صمت أُو وأكّا عمّا لحق بصديقهما رغم شكّهما في إمكانية ارتكابه ما نُسِب إليه، وعدم المبادرة إلى تصحيح الخطأ الذي ارتُكب بحقّه، فيشكّل طعناً في صدقية الصداقة بين أفراد المجموعة، وخدشاً للصورة المثالية التي حاولت الرواية تقديمها عن العلاقة بين الأصدقاء الخمسة. على أي حال، إن شفاء بطل الرواية من ماضيه الثقيل، وانخراطه في علاقة حب مع صديقته سارا، ممّا يتمظهر في الإطار، يثبت أن سلامة الإطار مرهونة بتصحيح المحتوى، والعكس صحيح، فالتجادل بين الصحيحين لا بد أن يتمخّض عن نتيجة مثمرة.
نبض