مذكّرات طفل مخطوف يكتبها الأميركي شاين ماكراي
يعد شاين ماكراي من أبرز الشعراء الأميركيين راهناً والأكثر شهرة في جيله. في "مذكراته" الصادرة حديثاً بعنوان: "سحب عربة الشمس"، يتضح أن نثره لا يقل روعة.
مستعيناً بالشاعر الذي يسكن روحه، يقارب ماكراي برهافة حسه طفولة قاسية وغير اعتيادية، متكئاً على ما تبقى في ذاكرته من أحداث.
عن ذلك يقول: "أنا أكتب في ذكرى ذاكرتي... أكتب وأنا أعلم أن بعض ما أكتبه لن يكون دقيقاً". لكنّ دقته في نقل الأحداث والشخصيات ورسمها للقارئ مع تبيان خلفيتها وخطوطها مهما تعقدت، تُظهر تميز كتاباته.
في الكتاب، يعرض ماكراي تفاصيل اختطافه عندما كان في الثالثة من عمره، على يد جدّيه البيض العنصريين لإبعاده عن والده أسود البشرة؛ ومحاولاتهما المستميتة منذ ذلك الحين، محو والده وعرقه المختلط من عقله وحياته.
أصرّ جدّاه على أن يتخذا صفة والديه عنوة، ليس محبة به بل رغبة بعقاب ابنتهما على غلطتها الفاحشة رغم انفصالها عن والد ابنها.
استبعادها تماماً من حياة طفلها مع تهديد شديد اللهجة بأنها إن حاولت البحث عنه أو استرجاعه فسيذهبان به إلى المكسيك إلى غير رجعة.
انتقلا مع الطفل إلى عنوان جديد، فيما بحث الوالد مطولاً عن ابنه من دون جدوى. وهكذا أصبح الطفل الصغير عالقاً بين يدي جدّين معتوهين ينظران إليه على أنه لعنة لا بد منها.
خلال تنشئته، لطالما تلفظ الجد المسيء والمتنمر بالصفات العنصرية أمام الطفل، ومع مرور السنوات، بالكاد كان يتحدث إلى الشاب ماكراي سوى لإهانته والتقليل من شأنه. حتى أن جدته قالت له لاحقاً: "اعتقدت أن جدك سيقتلك في وقت من الأوقات".
يقوم ماكراي بتشريح عملية الاختطاف نفسها برباطة جأش مثيرة للإعجاب. من بعض الأفكار المأثورة لديه أن "الاختطاف هو محادثة بين بالغين يصرخ في وسطها طفل"؛ وأن "عملية الاختطاف الحقيقية تحدث فعلياً بعد اختطاف الطفل!".

ينطلق من هذه الفكرة، ليتحدث عن تواطؤ الضحية مع خاطفيه في حياته الجديدة، مهما كانت وهمية، لا بل استعداده لحماية الخاطفين، على الأرجح مخافة منهم، وعدم التحدث علناً عن ارتكاباتهم المؤذية.
يتذكر ماكراي أن جدّيه علماه أن "يشيد" بهتلر، وأخبراه أن السود أدنى مرتبة من البيض. وزعما أن والده قد انتقل إلى مكان آخر، وأنشأ عائلة جديدة في البرازيل، وهي قصص مصممة لمنع ماكراي من طرح الكثير من الأسئلة حول والديه.
هكذا، نشأ ماكراي بين أكاذيب جدّيه، وصوّر طفولته على أنها جزء من العالم الزائف. في أحد المقاطع في الكتاب، يتحدث عن الكراهية الموروثة للطفل المختطف الذي يشعر كما لو أنه "يقود عربة الشمس"، بحيث "يعتقد أنه يهرب من الشيء الذي يسحبه".
وفي ذلك إشارة إلى الميثولوجيا الإغريقية، حين طلب فيتون من والده إله الشمس هيليوس أن يقود العربة التي تحمل الشمس يومياً وتجول بها في الأرض، فقط ليوم واحد، ليثبت لزملائه أنه ابن شرعيّ لإله الشمس. سرعان ما أدرك فيتون بعدما أقلع أن المهمة ليست سهلة ووجد نفسه عاجزاً تماماً عن السيطرة على الخيول النارية. بدورها عندما أدركت الخيول ضعف القائد وقلة خبرته، شرعت في مسار عنيف وخطير لتحدث شرخاً في السماء وتحرق الأرض.
إيجاد والده
رغم معاناته وتعثره أثناء قيادتها، لم تحترق عربة ماكراي. مع مرور السنين، تمكن من الهبوط بسلام.
كان يبلغ من العمر 16 عاماً ويعيش في ولاية أوريغون، عندما بحث في دليل الهاتف المحلي ورأى اسم والده مدرجاً. "كان شعوراً بالصدمة لم يختف أبداً"، هكذا وصف اكتشافه أن والده يقطن في المدينة نفسها.
بعد محادثتهما على الهاتف، قاما معاً بجولة على أقارب الأب وأصدقائه، ليدرك الشاب أنه سبق أن صادف عدداً منهم في شوارع مدينته. كان يعيش غريباً لسنوات في مدينة تحتضن عائلته الحقيقية.
لم يتم توجيه أي اتهامات على الإطلاق ضد جدي ماكراي، وكلاهما ماتا. ربما لذلك قرر الكتابة عما حدث معه، لكنه شخصياً لا يطلق مسمى "المذكرات" على كتابه الأخير.
يقول: "لدي أسباب عدة. أنا لا أثق في المذكرات التي تورد الذكريات على أنها حقائق يتم تذكرها بوضوح. أنا لا أتذكر الأشياء بوضوح مطلق. أشعر بأنني لا أثق بأي من ذكريات طفولتي، مع بعض الاستثناءات. يعود ذلك جزئياً إلى حقيقة أنني بدأت في محو ذكرياتي وحجب الذكريات المؤلمة مذ كنت صغيراً جداً. فعلت ذلك طوال طفولتي وكان التزامي شديداً، فانتهى بي الأمر إلى حجب جميع أنواع الذكريات. لذلك، لا أستطيع أن أشعر بالثقة تجاه أي منها".
رغم محاولاته تمويه حدود الذاكرة والتشكيك بذكريات طفولته، تشير مقاطع عدة في كتابه إلى صعوبة نسيان ما تعرض له وإن رغب في ذلك. في منتصف مذكراته يقول: "حتى بلغت الثالثة عشرة من عمري، كنت أنام والضوء الرئيسي في غرفة نومي مضاء. في بعض الأحيان كنت أنام بملابسي التي ارتديتها خلال اليوم، وبحذائي أحياناً. في معظم سنوات طفولتي شعرت أن عليّ أن أكون مستعداً ربما أخذني أحدهم من حياتي الراهنة في أي لحظة".

في مشهد آخر، يوثّق الكاتب كيف رمى به جده بقوة على الحائط لأنه كان يبكي منادياً والده بعد أيام على اختطافه؛ كيف فقد وعيه، وكيف استمر الضرب مع نضوجه إلى أن انفصلت جدته عن الجد عندما كان ماكراي في الرابعة عشرة من عمره، وانتقل للعيش معها.
يتذكر ماكراي علاماته المدرسية المتدنية عندما كان في الصف العاشر، وإحساسه بأنه "غبي تماماً" كما وصفه جده دائماَ. ولكن لسبب ما قرر عدم الاستسلام وأكمل تعليمه، ليقع لاحقاً في غرام الشِعر.
بحلول سن التاسعة عشرة، تزوج وأصبح والداً بدوره، ورغم أن طريقه لم يتضح بعد، إلا أنه امتلك طموحاً واضحاً لكتابة الشعر.
خلال تلك الفترة، اتبع نظاماً صارماً يقضي بقراءة 200 صفحة يومياً. قرأ لشعراء من حقبات وعصور مختلفة. بمعزل عن رغبته في تأليف الشعر، كان يدرك أنه بحاجة ليعرف الكثير عنه قبل محاولاته الأولى.
وما إن تخرج من كلية الحقوق في جامعة هارفارد وحصل على درجة الدكتوراه، حتى تقدم بطلب للانضمام إلى ورشة تنظمها شاعرته المفضلة جوري غراهام، ليبدأ مشواره في كتابة الشعر انطلاقاً من الآلام التي اختبرها.
منذ عام 2009، نشر ماكراي 13 كتاباً شعرياً، وحاز جوائز عدة بجانب ثناء النقاد. عن الشعر يقول: "أميل إلى الاعتقاد أن القصائد أكثر ذكاءً من الأشخاص الذين يكتبونها، وأكثر ذكاءً من الأشخاص الذين يقرؤونها. القصيدة الناجحة هي قصيدة لا يمكنك أن تمتلكها بالكامل. سوف تقاومك دائماً بحيث لا تستطيع سبر غورها تماماً. سيكون هناك دائماً ما هو جديد في القصيدة، ليقول لك إنك لم تحصل على كل شيء بعد".
الأكثر قراءة
أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين
نبض