06-08-2023 | 05:55

"الاقتصاد المؤسّساتي"... وصفة ستيفن فويت لإنقاذ عالم مأزوم

ثمَّة إجابات قيّمة يقدّمها الاقتصادي الألماني ستيفن فويت، في كتابه "الاقتصاد المؤسساتي"، الذي نقله للعربية مصطفى سرور، عن دار المتوسط عام 2017، والذي عاد للواجهة، أخيراً، بسبب الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها دول عدة.
"الاقتصاد المؤسّساتي"... وصفة ستيفن فويت لإنقاذ عالم مأزوم
Smaller Bigger

غالباً ما يدور كل شيء في عالمنا حول المال، فإذا أردت إدراك ما وراء الاضطرابات السياسية، وتفشي الأمراض الاجتماعية، من الفقر، إلى تردي جودة التعليم، وتراجع مستويات الصحة، إلخ... تجد الإجابة حاضرة دائماً في أروقة المؤسسات الاقتصادية.

 

ومع الأزمات المتلاحقة، ثمّة تساؤلات يفرضها الواقع، عن سبب فشل كثير من برامج التنمية في بلداننا النامية، ولماذا تفشل الدساتير المستوردة من دول ديموقراطية مستقرة في تحقيق النتائج المرجوّة منها؟ ثم لماذا يحصل عدد محدود من البشر على عوائد مالية مرتفعة، فيما لا يصل الأغلبية سوى الفتات؟!

 

هل من حلول ناجعة يمكنها إسكات التساؤلات الملحة هذه؟ ثمَّة إجابات قيّمة يقدّمها الاقتصادي الألماني ستيفن فويت، في كتابه "الاقتصاد المؤسساتي"، الذي نقله للعربية مصطفى سرور، عن دار المتوسط عام 2017، والذي عاد للواجهة، أخيراً، بسبب الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها دول عدة.

 

تكمن أهمية كتاب فويت في أنه يتناول الإشكالات الاقتصادية التي نعيشها اليوم، من زاوية الاقتصاد المؤسّساتي، الذي يهتم بالتفاعلات بين المؤسسات والاقتصاد: كيف تؤثر المؤسسات على أداء الاقتصاد وتطوّره؟ وتالياً كيف تؤثر التغييرات في الاقتصاد على المؤسسات؟

 

يجيب فويت عن التساؤلات المحيرة، إذ تفسر أجوبته أسباب فشل الدول النامية في إقامة مؤسسات حديثة تعزز الرفاهية. وعبر التوضيحات والشرح المفصل، يُقدّم الاقتصادي الألماني مساراً اقتصادياً، ربما يمثل مخرجاً من مأزق خطط الإصلاح الاقتصادي المتعثرة، في العديد من البلدان.

 

الطبعة العربية من كتاب "الاقتصاد المؤسساتي"

 

تعديلات

يركّز الاقتصاد المؤسّساتي (Institutional Economics) على فهم دور التطور العملي ودور المؤسسات في تشكيل السلوك الاقتصادي. واستهل فويت كتابه بتوضيح الفارق بين مدرستين تعبران عن الاقتصاد المؤسّساتي، الأولى "المدرسة الكلاسيكية الجديدة"، والثانية تعرف بـ"الاقتصاد المؤسساتي الجديد"، وفي المدرستين، ثمَّة حاجة إلى استخدام نموذج للسلوك الاقتصادي، من أجل التنبؤ وتفسير السلوك البشري.

 

وقد اعتمدت المدرسة الكلاسيكية على نموذج سلوك اقتصادي، يقول إنّ جميع الأطراف تسعى لتعظيم منفعتها، من منطلق أن الأفراد يتصرفون بعقلانية، وهو المفهوم الذي يشار إليه بمصطلح "الإنسان الاقتصادي". يرى كثيرون أنّ هذا النموذج يتسم بالبساطة الشديدة، ولا ينتج تحليلاً دقيقاً للسلوك البشري.

 

وفي هذا الصدد، يشير فويت إلى أنّ الاقتصاد المؤسساتي الجديد أدخل بعض التعديلات على نموذج السلوك الاقتصادي، إذ افترض أنّ الأفراد لا يتصرفون بعقلانية مطلقة لتعظيم المنافع، مرجحاً مفهوم "العقلانية المحدودة".

 

وقد أشار المؤلف إلى افتراض عالم الاقتصاد هربر تسايمن الذي يقول بـ"عدم جدوى فرضية العقلانية الكاملة في الاقتصاد"، مستبدلاً فرضية تعظيم المنفعة الفردانية بما يُعرف بالإرضاء، وفيه يقوم الأشخاص بتكوين مستويات من التطلعات تبدو واقعية.

 

تعديل آخر أضافه الاقتصاد المؤسساتي الجديد، الذي افترض أن المعاملات تنشأ عنها تكاليف معلوماتية، وبحثية، وتفاوضية، وتنفيذية، ويكون تقدير هذه التكلفة مرتبطاً دائماً بالمؤسسة المعنية، وهو ما يخالف المدرسة الكلاسيكية الجديدة، التي تبنّت مفهوم "مجانية المعاملات"، بمعنى أنّ تكاليف المعاملات تساوي صفراً.

 

ما هي المؤسّسات؟

باعتبار أنّ الاقتصاد المؤسّساتي من العلوم البحثية الناشئة، فلم يُتفق - حتى الآن - على تعريف عام للمؤسسات، ويشير فويت إلى اتجاهين في هذا الصدد: الأول، يفترض أن المؤسسة هي نتاج سلوك أفراد المجتمع، وقد تُفرض عليهم من قوة خارجية، والاتجاه الثاني ينظر للمؤسسة باعتبارها قواعد ينظمها ويضع أطرها المجتمع نفسه.

 

لكن الكتاب الذي بين أيدينا، يقدم تعريفاً آخر للمؤسسات، معتبراً أن لها مكونين، الأول: القواعد. والآخر: العقوبات. إذ يمكن تعريفها - بحسب فويت - على أنها "قواعد عامة ومعروفة، يمكن بمساعدتها تنسيق مواقف التعامل المتكررة، وتتبعها آليات التنفيذ، التي تحمي  - بدورها - أو تهدد بعقاب المخالفين".

 

يرى فويت أن تلك القواعد العامة هي نتاج سلوكيات الجهات الفاعلة، دون رغبة أو سعي من فرد بعينه، مثل تشكُّل القواعد اللغوية كنتاج للسلوك البشري، ويستفيض في شرح آليات الرقابة على تطبيق القواعد، والعقاب الذي يلحق بالمخالف، فيرى أن ثمَّة دوافع ضمنية تجعل الرقابة ذاتية، لأن مخالفة تلك القواعد تضع المخالف في جانب سلبي، بعكس الملتزم بالقاعدة.

 

كما أن هناك ما يُعرف بـ"حتمية الالتزام الشخصي" بهذه القواعد، والتي لا تخضع لحسابات عقلانية، بقدر ما يكون المحرك فيها قواعد أخلاقية تمثل دافعاً معنوياً، حتى لو كان الالتزام بها يصطدم بالمصلحة الشخصية المباشرة.

 

يجيب فويت في كتابه على تساؤلات ملحة

 

أنواع المؤسسات

حتى نستطيع الدخول إلى عالم الاقتصاد المؤسّساتي، لا مناص من التعرف إلى أنواع المؤسسات في هذا المبحث الاقتصادي المهم، ويُقسم فويت المؤسسات إلى داخلية وخارجية، إذ يعرِّف المؤسسة الداخلية بتلك التي يتم تطبيقها من دون الرجوع إلى الحكومة، ويتم معاقبة المخالفين فيها داخل المجتمع نفسه (الأعراف والتقاليد)، بينما المؤسسات التي يتم معاقبة مخالفيها عن طريق الدولة، تسمى المؤسسات الخارجية.

 

وقَسَم المؤسسات إلى خمسة أنواع، أربعة منها داخلية، يمكن التعرف إليها كالآتي: النوع الأول: يحكمه العرف، وتكون الرقابة فيه ذاتية. والنوع الثاني: تحكمه القواعد الأخلاقية، ويرتبط بنمط من الرقابة يعتمد على "التزام ذاتي حتمي"، بمعنى أن يكون نابعاً من التزام أخلاقي أو ديني.

 

النوع الثالث: يخضع لقاعدة العادات، وتحكمه رقابة عشوائية، تتوزع على مشاركين آخرين. أمّا النوع الرابع فيخضع لقواعد رسمية خاصة، ويراقب هذا النوع منظمات خاصة مستقلة. والنوع الأخير هو المؤسسة الخارجية التي تحكمها قواعد قانونية، وتخضع لرقابة حكومية منظمة.

 

وتبعاً لما يقول فويت، تتداخل العلاقة بين المؤسسات الداخلية والخارجية بصورة كبيرة، ففي أحيان كثيرة يكون تأثير المؤسسة الخارجية مستمداً بالأساس من المؤسسة الداخلية، كما أن لهذه العلاقة أوجهاً عديدة، فأحياناً تكون علاقة حيادية، أو متكاملة، أو استبدالية، وفي بعض الأوقات تكون متعارضة.

 

ولتوضيح العلاقة بين المؤسسات الداخلية والخارجية بصورة عملية، يشير فويت إلى قطاع الاقتصاد غير الرسمي، الذي يتم خارج الأنشطة المنظمة رسمياً، حيث يعتبر أنّ القطاع غير الرسمي ينشط دائماً عندما تكون المؤسسات الخارجية الموضوعة بمعرفة الدولة غير متكافئة مع المؤسسات الداخلية للأفراد، ولتجنب نشأة قطاع كبير غير رسمي، يجب تحقيق التكافؤ.

 

ومن أمثلة عدم التكافؤ، عندما يضع النظام التشريعي (مؤسسة خارجية) قوانين تتعدى إطار القواعد المقبولة مجتمعياً (مؤسسة داخلية)، وكذلك عندما لا تملك الدولة السلطة الكافية لتنفيذ القوانين.

 

النسخة الأصلية من الكتاب باللغة الألمانية

 

شروط التّنمية

بعدما وضع فويت الأسس النظرية لأطروحته، مضى يشرح ويستعرض أثر المؤسسات وعلاقتها بالتنمية، وكيفية تطوّرها، فيشير في الجزء الثاني إلى أهمية المؤسسات الخارجية والداخلية على تحقيق النمو.

 

يقول إنّه يمكن تفسير معدل النمو للدولة - على الأقل جزئياً - من خلال جودة المؤسسات القائمة في تلك الدولة وكفاءتها، من جهة أن المؤسسات تحدّ من مساحة عدم اليقين (التشكك والحيرة وعدم الثقة)، التي قد تنتاب الأفراد في ظل عدم وجود المؤسسات، ما يجعل الفرد أكثر قدرة على التفكير والتعامل على الأجل الطويل.

 

ويستعرض في هذا الجزء آليات قياس كفاءة المؤسسات وجودتها، ومدى ارتباط هذا الأمر بارتفاع مستوى الدخل، مستخدماً مجموعة من المنهجيات والمؤشرات التي جُربت في خلال السنوات الأخيرة، في هذا المجال.

 

كما لا يمكن إغفال إشارة ستيفن فويت إلى العلاقة بين الحريات الفردية ونصيب الفرد من الدخل، فالكاتب لم يكتفِ فقط بالقول إن ثمَّة ارتباطاً بينهما، لكنه أشار إلى أن بعض الدراسات أثبتت أنّ هناك علاقة سببية بين هذين المتغيرين (الحريات الفردية ونصيب الفرد).

 

وعن مدى إصلاح المجتمعات الاشتراكية سابقاً من طريق الخصخصة السريعة، لم يقدم الكتاب إجابة حاسمة عن هذا التساؤل، لكن فويت لمّح ضمناً إلى حتمية طرح تساؤل عن مدى توافق المؤسسات الداخلية في هذه البلدان مع سيادة القانون والديموقراطية، واقتصاد السوق، أي مع الأهداف المرجوة من عمليات التحوّل.

 

إجابات موجزة

في النهاية، يقدّم الاقتصادي الألماني في الفصل العاشر بعنوان "رؤية مستقبلية" إطلالة بانورامية على أطروحته، مقدماً إجابات موجزة عن الأسئلة التي طرحها في المقدمة، مثل أسباب إخفاق تطبيق مؤسسات تدعم التقدم في البلدان النامية، فيشير إلى أنّ الأمر يرجع عادة إلى مقاومة أصحاب مصالح يستفيدون من الأوضاع القائمة، ويخشون من تردّي أوضاعهم عند تطبيق المؤسسات المحفزة للرفاهة.

 

وعن فشل الدساتير المستوردة من دول ديموقراطية في تحقيق الرخاء والاستقرار المنشود، يعزو فويت هذا الفشل إلى عدم التناسق بين المؤسسات الداخلية والخارجية، فإذا كانت الدساتير المستوردة غير متوافقة مع العادات والتقاليد، أي المؤسسات الداخلية في المجتمع، تتحول هذه الدساتير إلى مجرد ورق مطبوع، ونوع من أنواع التجمل الخارجي فقط.

 

في الأخير، يُعد الكتاب مدخلاً جيداً لتوسيع المدارك، والإلمام بالأسس النظرية، لكنّ ثمَّة آفاقاً أكثر رحابة تنتظر من يقرر دراسة "الاقتصاد المؤسّساتي".

 

يشار إلى أنّ ستيفن فويت يعمل مديراً مشاركاً في معهد القانون والاقتصاد في جامعة هامبورغ، منذ عام 2009، وتتركز أبحاثه العلمية على الاقتصاد المؤسساتي والاقتصاد الدستوري.

 

حصد فويت عدداً من الجوائز، لعل أبرزها جائزتا "هربت كواندت"، و"والتر أوكن"، وله العديد من المؤلفات، إلا أنّ كتاب "الاقتصاد المؤسساتي" كان صاحب الحظ الأوفر، مع شهرة عالمية واسعة.

 

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
كتاب النهار 5/30/2026 12:05:00 PM
الدوائر المعنية في الحزب تدرس باهتمام كبير الرسالة الجنبلاطية واحتمالاتها وتعدّ لردّ قريب عليها
لبنان 5/30/2026 1:32:00 PM
أفادت معلومات لـ"النهار" بأنّ "القافلة تابعة للكتيبة الإندونيسية، وتقوم بعملية تبديل روتيني، لكنّها تسلك طريق البقاع الغربي لأسباب أمنية، بسبب التصعيد الإسرائيلي في منطقة النبطية في جنوب لبنان".
سياسة 5/29/2026 8:03:00 PM

تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية