"الفيلق المصري" يفتح صفحات مجهولة في تاريخ مصر
ثمة صفحات متوارية من التاريخ المصري الحديث، وبينها "الفيلق المصري"، الذي يُعدّ من الحوادث التاريخية المجهولة، والتي لم يُسلّط عليها الضوء بشكلٍ كافٍ، ربما لوقوعها في فترة زمنية زاخرة بالأحداث، ومنها اندلاع الحرب العالمية الأولى، بجانب وقوع هذه الحادثة قبيل تأجج ثورة 1919.
جاء كتاب "الفيلق المصري"، الصادر حديثاً عن "دار الشروق"، ليسلّط الضوء على جريمة تاريخية توارت في زحام أحداث تلك الفترة، إذ يستعرض اختطاف بريطانيا لنحو أكثر من نصف مليون مصري بالتجنيد القسري، في وقت كان تعداد مصر نحو 12 مليون نسمة فقط، وقُتل منهم حوالى 50 ألف فلاّح، أي 10 % من فلاّحي مصر. وهذا لا يشمل أعداد العمالة الموسمية في الجيش البريطاني، والتي بلغت نحو 100 ألف شخص، وكان هؤلاء العمّال المصريون ضمن فيلق آخر كبير من عمّال يُطلق عليهم "الملونين".
محتوى وفصول الكتاب
يكشف كتاب محمد أبو الغار تاريخ هذا الفيلق وكيفية تجنيد المصريين، كاشفاً محاولة بريطانيا الإيهام أنّ تجنيد العمال تطوعياً؛ لتجميل قسوتها في التجنيد، مستخدمةً في ذلك الحكومة المصرية، بما فيها الحكمداريون ومآمير مراكز البوليس والمديريات الأمنية والعمد وشيوخ الخفر، حيث كان يتمّ غزو القرى وخطف الرجال من البيوت والأسواق والطرق والحقول بالإكراه، ويُساقون مكبّلين بالحبال حتى يتسلّمهم الضابط الإنكليزي وشحنهم إلى مواقع العمل وسط ميادين الحرب، وعلى هذا النحو ساقوا صبياناً من سن 14 وشيوخاً حتى الـ 70، تحت وابل من السياط ومعاملة قاسية جداً، ولم يكتفوا بخطف الرجال، بل سطوا أيضاً على الحمير والإبل، لاستخدامها في نقلهم.
رُحّل الفلاحون إما للجبهة الغربية في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا، أو الجبهة الشرقية في اليونان وتركيا وسوريا والعراق وفلسطين وسيناء؛ لأداء الأعمال المدنية الشاقة في الحرب، مثل تعبئة السفن وتفريغها وبناء سكك الحديد وتمهيد الطرق وسط ميادين القتال.

في ساحة الحرب
يستعرض الفصل الثالث الذي عُنون بـ "الفيلق المصري في ساحة الحرب"، ما حدث للعمال في الغربة وحجم المأساة التي عاشوها، في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وفي ظلّ ظروف مأسوية، تحت وابل القذائف والرصاص، وفي أحوال جوية أوروبية سيئة، حيث الصقيع الذي لم يعتادوه، فمات منهم الكثير، وهو ما لم تسجّله الوثائق البريطانية، وهناك إحصاء لوفيات المستشفيات، بينما لا يوجد توثيق للوفيات في ساحات القتال.
حول فكرة هذا الكتاب وكيف واتته، كشف مؤلف الكتاب محمد أبو الغار "للنهار العربي" قائلاً: أنا مهتم بالعمل على تاريخ مصر الحديث، وألّفت أربعة كتب في هذا الشأن، بينها كتاب عن ثورة 1919، وآخر حول الأوبئة المتفشية في تلك الفترة، وأثناء بحثي صادفتني بعض المعلومات التي منحتني فكرة "الفيلق المصري"، أثناء العمل على كتاب "الوباء الذي قتل 150 ألف مصري" عن الإنفلونزا الإسبانية، حيث انتشر مع الجيش الإنكليزي ضمن الفيلق المصري وعادوا العام 1918، وهو ما ساهم في زيادة تفشي الوباء، مما جعلني أتقصّى عنهم، فتوصلت لحكاية الفيلق.
كانت مهمّة الحصول على الوثائق الخاصة بالفيلق شاقة وعسيرة. توصل أبو الغار إلى أنّ الوثائق المبتغاة موجودة في المتحف الإمبريالي البريطاني، فلديهم جزء من الوثائق خاص بالحرب العالمية الأولى. وأشار إلى أنّ:" وثائق تلك الفترة التاريخية، وتلك المتعلقة بالفيلق، كان مستحيلاً الإطلاع عليها في مصر، لكنها يسيرة جداً في الخارج، وخصوصا إنكلترا، إذ راسلت "المتحف الإمبريالي"، وأبدوا موافقتهم من دون طلب أي بيانات أو مستندات ولا حتى الباسبور، وذهبت إليهم وصوّرت كل الوثائق التي رغبت فيها بمنتهى البساطة والسهولة ومجاناً، ولم يكلّفني الأمر سوى 10 جنيهات استرليني لتصوير هذه الوثائق، وكانت هناك بعض الوثائق الناقصة فقاموا بإرسالها لاحقاً".
قدّم أبو الغار طلباً لدار الوثائق المصرية للإطلاع على وثائق تلك الفترة، إلاً أنّه لم يتلق أي ردّ، سواء بالإيجاب أو السلب، رغم الاستعلام من وقت لآخر، حتى أنّه أنهى الكتاب من دون الحصول على هذه الموافقة.
واعتبر أبو الغار ذلك موقفاً سلبياً، كاشفاً عن الفروقات في التعاطي بين المؤسسات في عالمنا العربي ونظيرتها في أوروبا. وأبدى استنكاره قائلاً: "هذا شيء غير مفهوم، وإذا كانت هناك وثائق سرّية، فيمكن أن يتمّ تجنيبها في ملفات مغلقة، ومن يريد البحث في تاريخ مصر الحديث ينبغي أن يمنحوه الفرصة ويشجعوه على ذلك، فلا بدّ من الاهتمام بفتح باب دار الوثائق للباحثين المصريين؛ لبحث هذه الأمور التاريخية التى تعدّت المئة عام، وإزالة العوائق غير المفهومة وغير الموجودة في العالم".

مصادر الكتاب
اعتمد أبو الغار على مصادر عدة، بينها أميركية وبريطانية ومصرية، وبينها دراسة لأستاذ التاريخ الأميركي أليس غولدبرغ، وكتاب لكايل أندرسن يضمّ دراسة عميقة تفصيلية عن الفيلق، وكتاب دافيد ودوارد "جحيم في الأرض المقدّسة"، وكتاب أستاذ التاريخ الاقتصادي أرون جاكس عن الاقتصاد المصري في الحرب العالمية الأولى.
ثمة جزء كبير من محتوى الكتاب حصل عليه أبو الغار عبر مراجع مصرية، بينها مذكرات سعد زغلول، كتاب المؤرخ عبدالرحمن الرافعي "ثورة 1919: تاريخ مصر القومي"، وبعض مَن عاصروا الفيلق أو كتبوا عنه، منها "مذكرات قرية" للدكتور عصمت سيف الدولة، وكتاب د. لطيفة سالم، وكتاب عباس خضر "خطى مشيناها"، و"حوليات" أحمد شفيق باشا، وكتاب "رجال ريا وسكينة" لصلاح عيسى، حيث يرى أنّ أحداً لم يربط بين العمل في الفيلق، وبين نمط الجرائم التي سادت في مصر في أعقاب الحرب، والتي اتسمت بالتوحش الذي لم يكن معروفاً في تاريخ الإجرام المصري.
كما استند "الفيلق المصري" إلى حوار أجرته مجلة "روز اليوسف" مع عضو الفيلق عبدالحميد حسين، بتاريخ 8 آذار (مارس) 1968، وهو المصدر الوحيد غير الشفهي للمصريين في الفيلق.

خطابات الملازم الإنكليزي فينابلز
تُعدّ خطابات الملازم الإنكليزي فينابلز، الضابط في الجيش البريطاني آنذاك، أحد أهم مصادر أبو الغار في هذا الكتاب، والموجودة في المتحف الإمبريالي في لندن، واستعرضها ضمن الفصل الرابع. وتتضمن الخطابات يومياته ومغامراته، وتبادل هذه الخطابات مع أصدقائه ووالدته، وتولّى فينابلز مسؤولية مجموعة من المجنّدين المصريين في الجيش البريطاني.
كان فينابلز إنكليزياً مثقفاً وليس ضابطاً رسمياً، إذ كان مكلّفاً مع المصريين وليس محارباً، ترك الجيش ودرس أربع لغات عقب الحرب ثم سافر للتدريس في إحدى الجامعات اليابانية.
وروى فينابلز كيف خاض الفلاّحون المصريون الحرب وسط ظروف قاسية وعدم إجادة اللغة، فضلاً عن عدم تدريبهم على خوض الحروب أو العمل تحت ضربات المدافع، وهم غير مؤهّلين لهذه الأعمال.
وكشف أبو الغار لـ "النهار العربي" بعض المشكلات التي واجهته في شأن هذه المذكرات، موضحاً أنّها: "مكتوبة بالحبر منذ أكثر من 100 عام، فباتت باهتة، كما أنّ الإنكليزية منذ 100 عام اختلفت عن شكلها حالياً، واضطررنا للاستعانة بقاموس لترجمة الكلمات الغريبة غير المتداولة".
الفيلق المصري وثورة 1919
يربط الكتاب بين ثورة 1919 وأحداث الفيلق، إذ تشير الوثائق إلى أنّ الفلاّحين كانوا السبّاقين للثورة ضدّ الإنكليز عندما بدأت الثورة، إذ كان غضبهم شديداً بسبب ما حدث لهم في الفيلق؛ لذا كان انتقامهم من الإنكليز والموالين لهم قاسياً. قام الفلاحون بتكسير وتحطيم جميع خطوط التليفونات والتلغرافات وإزالة قضبان سكك الحديد ومهاجمة مقرّات مراكز البوليس، وقتلوا الإنكليز بذبحهم كما حدث في ديرمواس في المنيا، وقام بذلك العائدون من الفيلق أو ذوو من لقوا حتفهم أثناء الخدمة في الفيلق، انتقاماً لما حدث لهم، وكانت انتفاضة غضب وثورة جياع بسبب انخفاض منسوب الطعام واستيلاء الإنكليز على المحاصيل.
واعتبر الكتاب، أنّ جرائم الاحتلال البريطانى بحق المصريين عموماً والفلاّحين خصوصاً، لا تسقط بالتقادم، وينبغي أن تكون هنالك مطالبات بالتعويض لهؤلاء الضحايا.
نبض