02-05-2023 | 22:37

رشيد الضّعيف يُعيد للطّبيعة صوتها المقموع... روائياً

هل الموضوع هنا هو المرأة؟ نظرة المجتمع للمرأة؟ رسالة الطبيعة للإنسان الذي عليه أن يسمعها من الداخل وليس من الخارج؟ هل هي الحرية، العبودية، السلطة، جهل المفسّرين؟ الخوف من الاستماع إلى صوت الذات؟ نعم هي هذا كلّه يمكن أن نقرأه في رواية "الوجه الآخر للظلّ" للروائي رشيد الضعيف الصادرة أخيراً عن دار الساقي. محاولة جديدة لفهمِ أسرار هذا الكون، والرسائل التي تصلنا من الأرض، والتي لا يفهمها المفسّرون، ولا يؤمن بها العلماء، ولا يجرؤ على تبنّيها السّلاطين. غضب الطبيعة على الإنسان بسبب كل ما يقوم به، لأنّ الأرض "دارية بما تحتضنه". بدءاً من الصفحة الأولى، نقرأ عن تكوّن "البحر الأحمر"، حيث تشقّقت الأرض فجأة، وتدفق ماء المحيط، وفصل بين قارّتَي آسيا وإفريقيا، وصولاً حتى الصفحة الأخيرة والحديث عن توقّف حركة دوران الأرض حول نفسها حزنًا على الملكة وغضبًا من تصرّفات البشر. وما بينهما، فصول تشير كلّها إلى رسائل ترسلها الأرض للإنسان، لكنّه لا يتلقّاها، بل على العكس، يحاول مستميتًا أن يخالف رغبة القدر، لكنّه عبثاً يحاول. يتسم أسلوب رشيد الضعيف عادةً بالأناقة والسلاسة والدقة في اختيار المفردات والتنوّع الهادئ الذي ينساب بين الصفحات، وهذا ما يتجلى في روايته الجديدة التي ظهر فيها تأثر الكاتب بمزيج من كتب الدين والعلم والفلسفة والأساطير، ومنها تفسير حلم الفرعون في قصّة النبي يوسف، وقصص ولادات خارجة عن المألوف، مثل قصّة مريم العذراء الى حد ما، كما ذكّرتنا بمحاولات فهم ما وراء هذا الوجود والحياة كما اختبرها علماء ومفكرون وكتّاب مثل ميخائيل نعيمة في "مذكرات الأرقش"، ولا نغفل الأساطير القديمة والحديثة وحكاياتها عن الآلهة سواء اتّجهنا غربًا أو شرقًا. وهي محاولات جذابة جداً ومطمئنة جداً، حين ينشغل عقل الإنسان بما هو أبعد من الظاهر، فمن غير المنطق أن تستمر حياتنا: ولادة، تعلّم، عمل، زواج، إنجاب، تربية، موت...
رشيد الضّعيف يُعيد للطّبيعة صوتها المقموع... روائياً
Smaller Bigger
هل الموضوع هنا هو المرأة؟ نظرة المجتمع للمرأة؟ رسالة الطبيعة للإنسان الذي عليه أن يسمعها من الداخل وليس من الخارج؟ هل هي الحرية، العبودية، السلطة، جهل المفسّرين؟ الخوف من الاستماع إلى صوت الذات؟ نعم هي هذا كلّه يمكن أن نقرأه في رواية "الوجه الآخر للظلّ" للروائي رشيد الضعيف الصادرة أخيراً عن دار الساقي. 
محاولة جديدة لفهمِ أسرار هذا الكون، والرسائل التي تصلنا من الأرض، والتي لا يفهمها المفسّرون، ولا يؤمن بها العلماء، ولا يجرؤ على تبنّيها السّلاطين. غضب الطبيعة على الإنسان بسبب كل ما يقوم به، لأنّ الأرض "دارية بما تحتضنه". 
بدءاً من الصفحة الأولى، نقرأ عن تكوّن "البحر الأحمر"، حيث تشقّقت الأرض فجأة، وتدفق ماء المحيط، وفصل بين قارّتَي آسيا وأفريقيا، وصولاً حتى الصفحة الأخيرة والحديث عن توقّف حركة دوران الأرض حول نفسها حزناً على الملكة وغضباً من تصرّفات البشر. 
وما بينهما، فصول تشير كلّها إلى رسائل ترسلها الأرض للإنسان، لكنّه لا يتلقّاها، بل على العكس، يحاول مستميتاً أن يخالف رغبة القدر، لكنّه عبثاً يحاول.
يتسم أسلوب رشيد الضعيف عادةً بالأناقة والسلاسة والدقة في اختيار المفردات والتنوّع الهادئ الذي ينساب بين الصفحات، وهذا ما يتجلى في روايته الجديدة التي ظهر فيها تأثر الكاتب بمزيج من كتب الدين والعلم والفلسفة والأساطير، ومنها تفسير حلم الفرعون في قصّة النبي يوسف، وقصص ولادات خارجة عن المألوف، مثل قصّة مريم العذراء إلى حد ما، كما ذكّرتنا بمحاولات فهم ما وراء هذا الوجود والحياة كما اختبرها علماء ومفكرون وكتّاب مثل ميخائيل نعيمة في "مذكرات الأرقش"، ولا نغفل الأساطير القديمة والحديثة وحكاياتها عن الآلهة، سواء اتّجهنا غرباً أو شرقاً. 
وهي محاولات جذابة جداً ومطمئنة جداً، حين ينشغل عقل الإنسان بما هو أبعد من الظاهر، فمن غير المنطقي أن تستمر حياتنا: ولادة، تعلّم، عمل، زواج، إنجاب، تربية، موت... 
من جيل إلى جيل، بل من قرن إلى آخر، لا بدّ أن يكون هناك سرّ وراء هذا كلّه. وهذا ما أراد "الضعيف" معرفته. وفي سبيل ذلك، لجأ إلى الخرافة/ الأسطورة ليتحرّر من قيود الزمان والمكان، لكنّه حمل معه أعراف هذا العالم، المرتبطة بالسّلطة، العبودية، الظلم، انعدام البصيرة... 
والأهم بل الأبرز هي نظرة المجتمع للمرأة حيث الشرف مرتبط بها، وتثور لأجل ذلك مملكة بكاملها من دون تفكير، يكفي أن نقول إنها زنَت، لتصبح مُطارَدة، ويتم الانتقام من كل بنات جنسها، أبشع انتقام، انتقام لا نوفّر فيه أختاً جاءت تدافع عن حبيب طلب يدها رسمياً للزواج، فتلقى حتفها. 
يتناول الضعيف قضية تحرير المرأة عبر تصوير الظلم الذي لحق بها على مرّ العقود، ومنها مسألة "الشرف" المرتبطة بها. وليس المطالبة بالتحرير مجرد موضوع في كتاب الضعيف، بل هو أسلوب انتهجه في كتابته عبر تحرير روايته من عنصرَي الزمان والمكان، حتى أننا نلمح شخصيات تعيش طويلاً، ويهرم بيتها قبلها... 
ومَن استطاع أن يتحرّر من عاملَي الزمان والمكان لن يعجَز عن بناء عالم يرفض كل ما سبق، والنهاية تَشي برفض الكاتب لكلّ السلوكيّات التي قام بها أبطاله، فثارت الأرض عليهم ولفظتهم جميعهم، وذلك بعدما صوّرت المرأة كأنها الحلقة الأضعف حيث يسهل الانتقام منها، وهي في الوقت نفسه الرسولة التي تصل الرسائل عبرها. كائن مبارَك من الأرض ومُضطهَد من المجتمع. كلّها عوامل نعاني منها ونحملها معنا من عصر إلى آخر، ومن شكل أدبي إلى آخر.
 
 
 
 
تقوم الرواية على حلم الملك العازب بعصيان زوجته له، ولم يفقه المفسّرون الذين استنجد بهم لمعنى هذا الحلم، فينصحونه بعدم الزواج، لأنّ زوجته ستزني وتلد ولداً من غير صلبه لينقلب عليه، ويستلم الحكم من بعده. 
وبناءً على هذا التفسير الخاطئ، قامت حوادث الرواية على عكس ما أرادت الطبيعة أن توصل رسالتها. فيتزوّج الملك، ويتأخّر في إتمام زواجه بغية امتحان عروسه، لكنّ القدر لا يستطيع انتظاره، فتحمل زوجته من ندفة من طرف غيمة وحشرة. 
وتبدأ الرواية بل المطارَدة، مطارَدة الملكة الزانية التي امتدّت حتى الصفحات الأخيرة للرواية... وصراع الشرّ المتمثل بالملك وأعوانه والخير المتمثّل بالطبيعة والملكة ومولودها. 
ومن فصل إلى آخر، يسعى الكاتب إلى إثبات إيمانه بحتميّة انتصار الخير على الشر، وأنّ لهذه الأرض كلمتها التي تقولها من خلال تحريك عناصرها، سواء النهر، الغيم، الطير، الهزّات، الدوران حول نفسها... كلّها أساليب تستخدمها الأرض لإيصال رسالة فرح أو غضب إلينا. لكنّ الإنسان، وكما تصوّره الرواية، لا يستمع إلى صوته الداخلي، وهو عديم الرؤيا، لذلك لم يتمكّن من أن يعرف أسرار هذا الكون حتى الآن. حتى الملك لم يجرؤ على السير وراء إحساسه بعدما خالفه العلماء والمبصّرون، لأنّ المُلك للمملكة وليس للملك، وما زاد الأمر سوءاً حين اعتبر عامّة الشعب أنّ شرف الملك من شرف المملكة، فأرادوا أن ينتقموا منها، لكنّهم لم يحرّكوا ساكناً عندما استخدم بناتهم ونكّل بهنّ وتركهنّ عرضة للتعذيب والاغتصاب والقتل من قبل قطاع الطرق، انتقاماً من زوجته الخائنة الهاربة بجنينها. 
ومن ثم تظهر مملكة بكاملها عديمة البصيرة وشعب عبداً وذليلاً. 
وكانت الملكة التي كما تقول والدتها، ولدت لهدف معين، فجاءت ليست ككل النساء، صاحبة جسد مكتمل، قد سمعت نداء الطبيعة وسلّمت نفسها لها، لذلك باركتها وحمتها. إذ عندما سمعت والدة الملكة نداء داخلها لتحمل، أخبرت زوجها الذي طاوَعها، فأنجبت امرأة ليست ككل النساء... لكنّ الملك لم يستمع للنداء داخله، وسقط في حفرة ظواهر الأشياء، فحلّت الكارثة بالمملكة. 
كانت الطبيعة تحاول، على ما يبدو، إرسال شخص مميّز عن سائر البشر لإيصال رسالتها، ويبدّل في الأيام، لكنّ السعي للانتقام من هذا الرسول، الملكة، وحرقها، حتى وقعت الكارثة الكبرى، والخطأ الفظيع، فما كان من الزمن إلا أن عاد إلى توالي الأيام.
وفي الختام، أدرك الملك الحقيقة، وشهد هو وابنهما على وفاة الملكة. لكنّ ذلك لم يعد ينفع مع الطبيعة التي توقفت عن الدوران عندما أغمضت الملكة عينيها الإغماضة الأخيرة، وتوقّف قلبها عن النبض، فخرج لذلك كل شيء عن طوره، وثار كل شيء على طبعه. ماذا لو نسمع الصوت الذي داخلنا، كيف كانت ستتغيّر أيّامنا؟
 

الأكثر قراءة

سياسة 5/26/2026 12:00:00 AM
لعل المفارقة التي ارتسمت أمس، وسط التصعيد اللاهب الذي عرفه الجنوب وشمال إسرائيل، تمثلت في أن تداعيات الاتفاق المحتمل الذي لم يولد بعد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران
فن ومشاهير 5/21/2026 8:31:00 AM

اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.


فن ومشاهير 5/24/2026 1:31:00 PM
نشر المستشار تركي آل الشيخ مقطع فيديو ظهر فيه النجمان وهما يضحكان ويوجّهان التحية إلى الكاميرا.
فن ومشاهير 5/25/2026 9:09:00 PM

مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.