الشّاعر عبد الله الوشمي يستحضر والده الغائب شعريّاً
في ديوان "مفردات أوشكت" (دار تشكيل للنشر والتوزع)، يكتب الشاعر عبد الله الوشمي في إهدائه: "إلى حيث آباء الفتى"، ما يدلّ إلى ارتباط الشاعر ليس بأبيه وحسب، بل بالأجداد والعادات والتقاليد والمجتمع الذي ينتمي إليه.
ومثل هذه الملاحظة قد تساهم في فهم بعض العناصر التي تُشكّل إنتاجه الشعري، هو الذي يعمل في المجال الإداري، لكنّه يلجأ إلى الأدب، والشعر تحديدًا، في محاولة منه ليقول ما يريد أن يقوله، وبذلك كان حاضرًا على الساحة الأدبيّة.
صراع داخليّ
يتّسم الديوان بالصّراع الداخلي القائم بين الشاعر وذاته، السرّ والعلن، الواقع والافتراض، ما هو عليه وما يريد أن يكونه.
بدءًا من العنوان "مفردات أوشكت"، فالمفردات حاضرة وإن لم يكتمل معناها. ويتّضح الصّراع لاحقًا من خلال القصائد التي تبوح برغبة الشاعر في اكتشاف الجديد، والتخوّف، ربما، من موقف المجتمع من محاولة الاكتشاف والتغيير هذه.
ويتجسّد هذا الصراع، أسلوبيًّا، بالأضداد حينًا، والتكرار حينًا آخر، كما بتصوير الإحساس وما يخالفه. كذلك يتجسّد في عدم الاعتراف بالانتماء إلى بداية، أو محاولة تخيّل صورة واضحة للنهاية. يقول: "أنا واحد متعدّد عشوائي".
سمة أخرى هي طغيان صوت الشاعر المتسم بالثقافة، الحزن، والكثافة، ويبرزه انسجام الوزن مع الحالة، سواء في الحب أو الحزن، حيث الموسيقى مضبوطة: نغمة مختلطة، فرحة أمل وصرخة وجع، مع توافق شكل القصيدة لمضمونها... ما يمثّل، ربما، حال الشاعر الذي بدا أنه يتمتع بإحساس متجدّد بالأمل، وإن بقي يعيش في الظل المهيمن لماضيه، وأبرزه وفاة والده المفاجئ.
يتألّف الديوان من اثنتين وعشرين قصيدة، بين العمودية والنثرية. نذكر عناوين بعضها: "وطأة الضياع، الصباح الجميل، البئر، البذور، مفردات أبي، ميقات البحر. احتمالات الجد، شاهد القبر، تراب أبي..."، وتُظهِر بمجملها تأثر الشاعر بمجتمعه، فيما يصوّر بعضها الآخر حالات متعدّدة من يوميّاته: العمل، المكتب، السّفر والمطار والرحلة، الحب والعلاقات.

حالات مختلفة
إذًا، يتضمّن الديوان قصائد عديدة عن الحب، وحالاته المختلفة بين عشق وعَتَب، التماس قبلة، أو شعور بالراحة بعد الفراق. لكنّ اللافت هو قصائد من نوع آخر، ذات قفزات فكريّة عالية.
نبدأ مع قصيدة "ممرّات الطائرة" وهي على شكل ومضات، تكشف كيف يفكّر الإنسان أو ينظر إلى ما وراء الأشياء الظاهرة أمامه، والّتي اعتاد أن يراها أو يعيشها، فيعمل تفكيره ويحلّل، ويذهب إلى عالم آخر، لتظهر ميول الشاعر إلى فلسفة الأشياء تأثّرًا بثقافته المستَمَدّة من قراءاته والتي انعكست على ما يعيشه في واقعه. يقول: "الوجوه الّتي تترقّب/ والأعين المستبدّة تبحث عمّا تبقى/ من الذكريات التي قد تعود/ نبتت في الجناح القصائد/ والعشّ ما زال تجرفه/ ذكريات الورود".
قصيدة أخرى بعنوان "حوت القلق" التي تظهر تأثر الشاعر بالماضي وقلقه من الحاضر:" لا ينتهي أبدًا ينمو ويتعبني/ لو غاب في صوته ما غاب في عبقه". كذلك يسأل في قصيدة "أرفف المكتبة": عندما أخرج ويسود الظلام، ماذا يحدث في المكتبة!؟ فيتخيّل الوشمي خروج الأدباء والفلاسفة من كتبهم، يتحاورون ويتناقشون في "الغرفة المظلمة"، التي تجسّد بلا شك عقل الشاعر الذي تدور فيه هذه الأفكار ويحاول أن يحلّلها على طريقته.

وفي قصيدته المكثفة "العتبات"، نقرأ كيف تُردّ الأشياء إلى أصلها وحقيقتها عبر أسلوب غنيّ بالتشبيهات والصور المجازية.
لكنّ الصورة الرئيسة التي ركز عليها الشاعر، وتعد الأكثر إثارة للمشاعر، هي تصوير نفسه ميتًا في قصيدة "شاهد القبر"، إذ يذكر النعي، وزيارات عائلته له، والشوق لأمّه، وتجهيز القهوة والشاي تحضيرًا لزيارة حفيده، والتفكير بالكلام الذي سيقوله عند لقاء والده الميت.
من هذا الفعل، يبدأ الانتقال، ومحاولة الشاعر العبور إلى حياة أخرى، أو رغبة عميقة في لقاء والده، ربما! وما خروجه من القبر إلا محاولة لمعرفة ما سيكون عليه موقف مجتمعه، كذلك ربما.
وبذلك يأتي حضور الأب بين قصيدة وأخرى ليؤكد حقيقة أنّ الشاعر لم يتمكّن من تخطّي غياب والده. هذا الغياب الحاضر بقوّة في الديوان: في الأثر، المكتبة، المفردات، القبر، والتراب... كذلك العائلة من أولاد وإخوة وأخوات كانت حاضرة بقوّة؛ والبيئة: الصحراء، مكة، المدينة، الزمان، السفر، أسماء الأدباء والشعراء والفلاسفة، الخوف، العتب... كلّها عناصر كوّنت هذا الديوان.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذه القصائد المذكورة أعلاه هي شعر حر، قصائد نثرية، تتجاهل أبسط القواعد والمعايير الشعرية، وهذا دليل إلى سماح الشاعر لأفكاره بالانسياب، حيث لا يتبع أي مخطط لقافية محدّدة أو نمط من المقاطع؛ ما يجعل الإيقاع العام غير منتظم وغير متوقع.
ولعلّ الشاعر فضّل استخدام هذا الشكل من القصائد استجابةً لمزاجه الخاص وطبيعة أفكاره ومشاعره المتقلّبة، وهذا ما يشير اليه مجازًا في القصائد من خلال توارد الأفكار، تاركًا لنفسه مطلق الحرية، بعيدًا من القواعد والمعايير الاجتماعية، للاسترخاء وإعادة التفكير في حياته. وعلى هذا النحو، يكون الشاعر حرًّا تمامًا مثل هيكل القصيدة.
كذلك يعتمد الشعر الحر في التعبير عن عاطفته الحقيقية تجاه عائلته وأولاده وإخوته، فتأتي قصيدته حرّة مثلها مثل مشاعره. أمّا عندما يتحدّث عن الحب، يلجأ إلى القصيدة العمودية، ربما تأثرًا بالعادات والتقاليد التي تفرضها بيئته، السعودية، والتزامًا بها، إضافة إلى اعتماد اسم ليلى وهو الاسم الكلاسيكي للحبيبة في الأدب العربي.
لذلك، قد يعيدنا التناقض في هذا الديوان إلى إعادة قراءة أعماله، ليتبيّن أنّ هذه الومضات الفكرية والجمالية الشعرية، ليست عرضيّة بل أصليّة أثبتها مسار الشاعر عبر دواوينه الأربعة: "البحر والمرأة العاصفة"، "قاب حرفين"، "شفاه الفتنة"، و"ينتظر أن". إضافة إلى مؤلفات أخرى "فتنة القول بتعليم البنات"، "وجه الشعر – مآخذ على معاني أبي تمام – والإعجاز المحرم – قراءة في الإعجاز البلاغي في غير القرآن".
في الختام، وبالعودة إلى الديوان الأخير، وقصائده ذات المعاني العلنية والسرية، نجح الشاعر في تحقيق هذا التوازن السرّي / العلني، أو المباح والمُراد. وفي العالم الحقيقي، ومع وفرة العناصر الافتراضية، ربما تكون هذه أفضل صيغة يمكن أن نصل إليها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.
نبض