لص؟ رمز جنسي؟ خطر على المجتمع؟ بطل؟ مدمن مخدرات؟ أم الملك؟
إلفيس بريسلي هو شخصية واحدة بكلّ هذه الأوجه المتعددة.
المغني صاحب الحركات الجذابة والابتسامة الساحرة غيّر المشهد الموسيقي في خمسينات القرن الماضي وما تلاها، الى الأبد.
لم يكن إلفيس بريسلي مجرد ملك الروك آند رول، بل كان رمزاً متناقضاً يعكس نجاحاً مذهلاً وانحداراً مأسوياً في الوقت نفسه. وبحسب ما يصفه النقاد، هو ثوريّ من غير قصد، ظاهرة ثقافية غيّرت معايير الشهرة والموسيقى.
حقق ألفيس مبيعات تقدر بـ500 مليون نسخة عالمياً، حصل على ثلاث جوائز غرامي، وجائزة لإنجاز العمر في سن 36، ودخل قاعات مشاهير الموسيقى، ويعد منزله "غريسلاند" ثاني أكثر منزل زيارة في أميركا بعد البيت الأبيض.
بريسلي المولود في 8 يناير/ كانون الثاني 1935، في منزل عائلته المتواضع المكون من غرفتين في إيست توبيلو، ميسيسيبي، بعد 35 دقيقة من ولادة توأمه المطابق جيسي جارون، الذي وُلد ميتًا. دفن جيسي في قبر غير معلم في مقبرة برايسفيل القريبة.
نشأ إلفيس طفلاً وحيداً في أسرة فقيرة. عمل والده، فيرنون، في وظائف متعددة، لكنه سُجن عام 1938 بتهمة تزوير شيك بقيمة 4 دولارات، وقضى أقل من عام خلف القضبان عام 1948.
انتقلت العائلة إلى ممفيس بحثاً عن فرص أفضل. هناك، التحق إلفيس بمدرسة "هامز" الثانوية، وكان طالباً هادئاً و للطرافة فاشلاً في مادة الموسيقى، وأحياناً يتعرض للسخرية والتنمر. عمل في مصنع ميكانيكي وقاد شاحنة قبل أن يبدأ مسيرته الموسيقية في يوليو 1954 بتسجيل أغنيته الأولى "That’s All Right".
بدأت رحلة إلفيس عام 1956، عندما كان شاباً في الحادية والعشرين من عمره. حينها، سجل أغنيته الشهيرة Heartbreak Hotel، التي لا تزال تُعتبر من أعظم كلاسيكيات الموسيقى.

"مرض" الروك أند رول
في تلك المرحلة المبكرة، لم يكن نجاح إلفيس أمراً مضموناً. رغم موهبته، قوبل ظهوره بعداء واضح في بعض وسائل الإعلام الإنكليزية. وصفته صحيفة "الديلي ميل" بأنه "معبود المراهقين البالغ من العمر 21 عاماً"، وانتقدت تأثير موسيقى الروك آند رول التي اعتبرتها مرضاً معدياً يفسد الشباب.
انتشر "المرض" رغم الانتقادات، وفقاً لوصف الصحيفة البريطانية الشهيرة والذي تحدثت عنه الصحف ليُثبت أنه ظاهرة عالمية. بحلول خريف عام 1956، أصبح اسم إلفيس مألوفاً في كل منزل. وظهر في برنامج إيد سوليفان الشهير"The Ed Sullivan Show" ، حيث اجتذب عرضه التلفزيوني الحي 60 مليون مشاهد، وهو رقم قياسي في ذلك الوقت.
ثورة ثقافية موسيقية
كان إلفيس بريسلي أكثر من مجرد فنان، كان رمزاً للجرأة والتجديد، بإبداعه وروحه الثائرة، فـ"إلفيس لم يكن مجرد ملك الروك، بل كان الشرارة التي أضاءت طريقنا". كما يقول المغني والموسيقي الإنكليزي بول مكارتني عنه.
كان هناك شيئان على وجه الخصوص-كما يقول نقاد الموسيقى- جعلا إلفيس بريسلي يبرز في الثقافة الأميركية: موسيقاه وحضوره على المسرح. تعكس الكلمات التي قالها إلتون جون عن ألفيس بريسلي تقديره العميق لدور الأخير في تطور الموسيقى الأميركية والعالمية.
كان ألفيس بريسلي بالفعل فناناً مبدعاً وفريداً من نوعه. أحدث تأثيراً هائلاً في دمج الأنماط الموسيقية المختلفة، سواء كانت موسيقى الكونتري أو البلوز أو الروك، التي كانت غالباً موجهة إلى مجموعات ثقافية أو عرقية معينة:"أسألوا الجميع من حولكم، لو لم يكن ألفيس موجوداً لا أعلم ماذا كان سيحل بموسيقى الروك اليوم.. فهو أول من نجح في التوفيق بين موسيقى الكونتري الخاصة بالبيض والبلوز الخاصة بالسود، فكسر التمييز داخل أميركا المحافظة العنصرية في هذا الوقت".
كان إلفيس معروفاً أيضاً بحركات الرقص التي كان يشتهر بها، وأهمها الطريقة التي كان يهز بها وركاه. وقد ظهر بريسلي لأول مرة في حركاته الحوضية الشهيرة أثناء أدائه لأغنية "Hound Dog" في برنامج "The Milton Berle Show"، مما جعل الفتيات يغمى عليهن.
وجد كثيرون أن أداءه كان مبالغاً فيه جنسياً ووقحاً. وعلى رغم منتقديه الذين وصفوه بأنه تجسيد "خطير" لموسيقى الروك آند رول والتمرد، فإن شعبية بريسلي فاقت الكراهية.

منحدرات وصعود جديد
على رغم نجاحاته، عانى إلفيس من فترات ركود فني، خصوصاً في منتصف الستينات عندما ركّز على أفلام موسيقية لم تلقَ قبولاً كبيراً. لكنه عاد بقوة عام 1968 من خلال "عرض العودة"، إذ استبدل أغاني الأعياد بمزيج من كلاسيكياته الشهيرة. ظهر مرتديًاً بذلة جلدية سوداء، مقدماً أداءً حميمياً ومؤثراً جذب ملايين المشاهدين وأعاد تعريف مكانته ملكاً للروك أند رول.
في العام التالي، بدأ بريسلي مرحلة جديدة من حياته الفنية مع سلسلة حفلات حية في لاس فيغاس بفندق إنترناشيونال. قدم عروضاً مذهلة حققت نجاحاً كبيراً، وجعلت الحفلات الحية جزءاً أساسياً من حياته المهنية.
قدم إلفيس حفلًا أسطورياً بعنوان Aloha from Hawaii، في 14 يناير/كانون الثاني 1973، تم بثه عبر الأقمار الصناعية ليصل إلى أكثر من مليار مشاهد حول العالم. ضم الحفل مزيجاً من أغانيه الكلاسيكية والجديدة، ليؤكد مكانته رمزاً عالمياً للموسيقى. وحقق الألبوم المرافق للحفل نجاحاً كبيراً، مما أعاد بريقه كفنان عالمي مؤثر.
لكنّ الجزء الثاني من حياة برسلي كان مأسوياً، وعانى من الإدمان على المخدرات، الأمر الذي أدى إلى وفاته في 16 أغسطس/آب 1977 عن عمر يناهز 42 عاماً. وعُثر عليه ميتاً نتيجة جرعة زائدة، بعد آخر حفلاته في إنديانا بوليس في يونيو/حزيران 1977.
تحول منزل إلفيس في غريسلاند بولاية تينيسي إلى مزار عالمي يستقطب أكثر من نصف مليون زائر سنوياً، حيث تعرض مقتنياته الشخصية ويُبقي أسطورته حيّة. في عام 1993، أصدرت الولايات المتحدة طابع بريد يحمل صورته تكريماً لإرثه الفني.
لم يتوقف الهوس بشخصية إلفيس بعد وفاته. فقد أُطلق اسمه على مئات الأطفال الأميركيين بعد وفاته، وارتبط اسمه بالعديد من الفنادق والمطاعم، ما يعكس استمرار تأثيره الثقافي.
قامت شركات تصنيع ألعاب الأطفال ايضاً بإطلاق دمى تجسد إلفيس وزوجته بريسيلا بملابس الزفاف، في خطوة تعكس استمرار الهوس الجماهيري بشخصيته.
كذلك لا تزال تُستخدم تقنيات حديثة لدمج صوته مع أصوات مطربي الكونتري المعاصرين مثل مارتينا مَكبرايد وسارا إيفانز، لإعادة تقديم أغانيه الكلاسيكية، بما في ذلك ألبومه الشهير "أغاني الميلاد" الصادر عام 1957.
لا يزال إرث إلفيس يدرّ عوائد مالية ضخمة وفقاً لإحصائيات حديثة، وتحقق ألبوماته الغنائية ملايين الدولارات سنوياً، بينما يساهم قصره في ممفيس، واسمه المرتبط بالترويج للمنتجات، في تحقيق أرباح هائلة. أدرجته مجلة "فوربس" ضمن قائمة المشاهير الأكثر تحقيقًا للدخل بعد وفاتهم، ليظل واحداً من أعظم الأيقونات الفنية على مرّ العصور.
نبض