نايلة تويني مع جورج خباز وأمير فخر الدين... حين تصنع الكيمياء الإبداعية السينما
في لقاء جمع الفنان جورج خباز والمخرج أمير فخر الدين، وأدارته نايلة تويني ضمن فعاليات الدورة العشرين من مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة، تحوّلت قاعة "سينما متروبوليس" في بيروت إلى مساحة للحديث عن السينما وما وراءها، من كواليس فيلم "يونان" إلى الغربة والوحدة والأسئلة الوجودية التي يطرحها العمل.
الجلسة، التي أُقيمت مساء الثلاثاء 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بعد يومين من تكريم خباز في افتتاح المهرجان بكازينو لبنان، كشفت حكايات من موقع التصوير وتفاصيل العلاقة التي نشأت بين الممثل والمخرج. وحملت أيضاً إعلاناً عن تعاون سينمائي جديد، إذ أكد فخر الدين تحضيراته لفيلم آخر يشارك فيه خباز، من المرتقب تصويره عام 2027.

لماذا "يونان"... ولماذا جورج خباز؟
استهلّت تويني الحوار بسؤال عن عنوان "يونان"، الذي استوحاه فخر الدين من قصة النبي يونس، وما تحمله من دلالات العزلة والغربة. وأوضح المخرج أن الاسم يعكس الحالة النفسية لشخصية "منير"، التي تعيش اغتراباً داخلياً يتجاوز الابتعاد عن الوطن.
وعن اختياره خباز لبطولة الفيلم، كشف فخر الدين أنه لم يكن يبحث عن ممثل من جنسية محددة، إذ أراد تقديم شخصية تحمل أبعاداً إنسانية مشتركة. وخلال بحثه، شاهد مقابلة طويلة لخباز، لفتته فيها أفكاره وطريقة تعبيره، قبل أن تحسم لحظة عابرة قراره.
وقال: "عندما رأيت عينيه لخمس ثوانٍ، أدركت أن هذا هو منير بالنسبة إليّ"، في إشارة إلى اللحظة التي خلع فيها خباز نظارته خلال المقابلة.
أما خباز، فروى تفاصيل الاتصال الأول الذي تلقّاه من المخرج عند الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، عندما عرض عليه بطولة الفيلم. وظنّ بدايةً أن أحد أصدقائه يمازحه، قبل أن يكتشف هوية المتصل بعد حديث مع شقيقه نيكولا.
وبعد مشاهدة فيلم فخر الدين السابق "الغريب"، أعرب عن إعجابه بلغته السينمائية، لافتاً إلى أنه وجد أمامه مخرجاً صاحب رؤية فنية تنطلق من الأسئلة الإنسانية العميقة.
ضياع في هامبورغ... استعداداً للدور
في معرض الحديث عن الغربة، سألت تويني عمّا إن كانت مرتبطة بمغادرة الوطن وحدها، أم هي حالة يمكن أن يعيشها الإنسان حتى في محيطه المعتاد.
وأشار فخر الدين إلى أن الفيلم يتناول الاغتراب الجغرافي والنفسي معاً، من خلال شخصية تعاني العزلة وتواجه أسئلة تتعلق بالهوية والذاكرة.
من جهته، كشف خباز أنه واجه صعوبة في الوصول إلى الحالة النفسية لشخصية "منير" بعد وصوله إلى ألمانيا. وفي محاولة لفهمها، قرّر ذات ليلة ترك هاتفه في الفندق والتجوال في شوارع هامبورغ من دون خريطة أو وجهة محددة.
وسار لساعات وسط البرد، إلى أن شعر بالخوف والضياع، وهي تجربة ساعدته، بحسب قوله، على الاقتراب من الشخصية. وعندما عاد إلى الفندق، أرسل رسالة إلى فخر الدين كتب فيها: "أنا جاهز".
وأوضح أنه اعتمد في تحضيراته على التعمّق في شخصية المخرج وأفكاره، أكثر من اعتماده على الأساليب التقليدية لدراسة الدور، في تجربة وصفها بأنها غيّرت طريقة عمله كممثل.
علاقة فنية تتجاوز حدود الأدوار
تطرّقت تويني إلى العلاقة المهنية بين الفنانين، وكيف استطاعا بناء تفاهم خلال التصوير، خصوصاً أن خباز يتمتع أيضاً بخبرة في الكتابة والإخراج.
وأشاد فخر الدين بقدرة خباز على منحه الثقة والمساحة للعمل، رغم خبرته الفنية الواسعة، مستعيداً موقفاً دفعه إلى تغيير زاوية الكاميرا خلال تصوير أحد المشاهد.
فقد أبدى خباز ملاحظة تتعلق بمدى انسجام الزاوية المختارة مع الحالة النفسية للشخصية، ما دفع المخرج إلى إعادة النظر في قراره.
وقال فخر الدين: "أدركت في تلك اللحظة أنني لا أعمل مع ممثل عظيم فحسب، بل مع مخرج وفنان عظيم أيضاً".
وأكد أن التعاون بينهما قام على تفاهم عميق، أتاح لكل منهما التعبير عن رؤيته من دون أن يتحوّل اختلاف الرأي إلى خلاف مهني.
فيضان حقيقي خلال تصوير "يونان"
من أبرز المفاجآت التي كشفها اللقاء، حادثة الفيضان الذي واجهه فريق العمل خلال تصوير الفيلم على جزيرة "لانغنيز" في بحر الشمال بألمانيا.
وأوضح فخر الدين أنه اختار الجزيرة لطبيعتها التي تتناسب مع أجواء الفيلم، وكان قد وضع خطة لتنفيذ مشهد فيضان باستخدام المؤثرات البصرية، بالتعاون مع شركة متخصصة من كندا.
غير أن رياحاً قوية هبّت فجأة خلال اليوم الرابع من التصوير، وتسببت بفيضان حقيقي، ما أتاح للفريق تصوير المشاهد المطلوبة من دون الحاجة إلى إعادة إنتاج الظاهرة رقمياً.
واستعاد خباز الموقف بطرافة، كاشفاً أن فخر الدين اضطرّ إلى حمله على ظهره لعبور المياه، حفاظاً على ملابسه في المشهد. وأقرّ بأنه شعر بالخوف خلال تلك اللحظات، فيما روى المخرج كيف مازحه خباز مقترحاً تغيير عنوان الفيلم من "يونان" إلى "نوح".
خباز: "لم أسعَ يوماً وراء الشهرة"
في جانب شخصي من الحوار، سألت تويني خباز عن علاقته بالشهرة وكيف حافظ على بساطته رغم النجاح والتكريمات ومحبة الجمهور.
وأجاب: "لم أسعَ يوماً وراء الشهرة أو المال. كنت ألاحق شغفي"، موضحاً أن الفن كان دائماً وسيلته للتعبير عن نفسه وعن المجتمع الذي ينتمي إليه.
وأشار إلى أن النجاح لم يغيّر أسلوب حياته، مستعيداً تفاصيل يومياته في البترون وعلاقته المباشرة بالناس.
وتحدّث أيضاً عن الأثر العاطفي الذي تركته تجربة "يونان" فيه، كاشفاً أن أحد المشاهد أبكاه هو وفخر الدين أثناء مشاهدته على شاشة المراقبة، وأن توديع شخصية "منير" لم يكن سهلاً بعد انتهاء التصوير.
في ختام اللقاء، استعاد فخر الدين نصيحة تلقّاها من خباز خلال نقاشاتهما الشخصية:
وعندما طلبت تويني من خباز توضيح هذه الفكرة، تحدّث عن الفن والخيال باعتبارهما وسيلتين تساعدان الإنسان على التعامل مع صعوبات الحياة، ومواجهة الواقع من دون فقدان القدرة على الحلم.
تعاون جديد بعد "يونان"
كشف فخر الدين خلال الجلسة عن تحضيراته لمشروع سينمائي جديد، مشيراً إلى أن وجوده في لبنان يرتبط أيضاً بالبحث عن مواقع تصوير للفيلم، الذي يأمل إنجازه خلال عام 2027 بمشاركة خباز.
واختُتم اللقاء بالحديث عن قدرة السينما على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، فيما شدّد خباز على أهمية وصول التجربة الفنية إلى جمهور ينتمي إلى ثقافات مختلفة، ويرى في حكاياتها شيئاً من تجاربه وأسئلته الخاصة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".
نبض