ثقافة
31-10-2026 | 09:19
اليقين بين عبورٍ وعبور
كتاب "البحث عن اليقين"، هو درسٌ في أنسنة واقعنا، نسيره في طريق مظلمة عوثاء، نروم على قارعتها الانعتاق من صمتنا الرهيب...
الغلاف.
تمرّ لحظة الحقيقة بمعادلات صعبة تتجرّد فيها الأفكار، وينغلق العلم عاجزاً عن ادراك الحلول وتبيان طرائق العلاج. ويبقى اليقين رؤى تستنطق خواء الإيمان على كثير من الادّعاءات الكبيرة. فلحظة الاقرار بقدرة الله عند المؤمنين بوجوده، تظلّ خبيئة السؤال الذي يقرع أدمغتنا بشدّة: لماذا لا يقف الخالق في وجه الكوارث وموت الصغار والشباب و... لكن عندما نصل إلى اليقين نفقه هذا السرّ العظيم الذي يصحبنا في حلّنا وترحالنا، ويصبغ حضورنا الغائب عنه. فيصبح إيماننا بصمة ذاتنا، ومدخلاً إلى سلامنا الداخلي. ومن دونه نظلّ في قلق الوجود، نمارس طقوساً فارغة من دون أن ندري أننا نذوي من الداخل.
يتوّج كتاب "البحث عن اليقين" لأنطوان بديع مظلوم، أرق وألم ووجدان مكلوم الروح الذي يفتّش عن فعل الخالق عند كلّ بليّة تحدث، ولا يجد الجواب. ومن هذه العتبة بين الإيمان والشكّ، يفتح آفاق التأمّل في كيفيّة مقاومة ومقاربة تحديّلات الحياة التي تُثقل كاهل المؤمن الذي ينتظر فعلاً إلهياً، ويزداد حمله ومقارعته لقدره وحيداً في ظروف قاسية.
هذا الكتاب، هو سيرة ذاتيّة فلسفيّة، لرجلٍ عاديٍّ مع الفقدان، والموت، والحرب والهجران. يُخبر صراع الإنسان مع الحياة على ضفافٍ بين اليقين والالحاد، في عالمٍ جُبل بالألم والرحمة، وعصرته زفرات وجع الأمّهات. فكلّ كاتب يعيش العاصفة في داخله مرّات عديدة. فمظلوم شعر بهبوبها قبل الهبوب، وكان بداخلها عند اندلاعها، وعاشها عندما كتب عنها. فتضاعف ألمه مرّات عديدة عند سرد كلّ حادثة، وجاءت عباراته الفلسفيّة منمّة عن الاعتراف بوجود إله لا لزوم له، وعن إيمان راسخ بعد تيقنه بوجود الله في كلّ شاردة وواردة من الحياة. يقول في الصفحة 28 من الكتاب: "كنّا ندرس، نحلم، نخطّط لمستقبل يبدو لنا أبديّاً... حتّى جاء العام 1975؛ عامٌ انشطر فيه الزمان إلى ما قبله، وما بعده، كأنّ لعنةً ما انفجرت من تحت الأرض، وبدأت تسحبنا، واحداً تلو الآخر، إلى عالمٍ لم نكن نعرفه."
الأخوّة تنحني لها القلوب، قوامها فضيلة حبّ تغتني بها الأرواح، ومشعل صدقٍ ينير الدروب. فالكتاب سيرة ذاتيّة فلسفيّة، يُخبر كيف انكسرت الأخوّة على ركبة الجهل، عندما سقط أخ الكاتب صريعاً برصاص الفرح. فكان للكتاب عطراً فاح عبر مطحنة التجارب، وتأجّج إثر اصطدام صمت الله بثورة الروح عند أخ القتيل. فلا واعظ في الأرض يهديك السلام الروحي، ولا يُصنع يقيناً في معبد بديلاً عن رائحة الإيمان الذي ينبع عطره من دواخل النفوس، لينتشر في فضاءات الحياة. فعن تعريف الموت يقول مظلوم في الصفحة 56 تحت عنوان "الموت ـ صمتٌ يربك الحياة"، حين غادر أخيه هذه الفانية: "الموت ليس حدثاً. الموت هو انقطاع النفس عن جهّة واحدة ، ليعلَق في الجهة الأخرى. هو فجوةٌ في النسق ـ ثقبٌ أسود في نسيج العائلة ـ كأنّ الزمن بأكمله انكمش فجأة، ثمّ انفجر صامتاً."
أصبحت أمّ الكاتب، ككلّ أمّهات الوطن الثكلى. مترعة بحزن الروح، أسيرة الألم الذي يزنّر تقاسيم وجهها الملائكي، حبيسة العذاب الذي يعصر عناقيد الوجع في نفسها الثكلى. فقبل موت ابنها كانت تحمل بين يديها قنديل الهداية، تضيء فيه الشفق لتحيي في أنفس أولادها منعة الحبّ الأبدي، وتزرع فيهم بزور السعادة والحبور. يقول الكاتب: "كيف تخبر أمّاً أنّ قلبها ينزف في مكان ما، أنّ أحد أضلعها سقط جريحاً، أنّ ابنها، الذي حملته، وربّته، وضمّته ألف مرّة، قد أصيب بطلقات لا تفسير لها؟ كيف تنقل لها الألم، دون أن تموت في عينيها الحياة؟" (صفحة 40)
ويبقى اليقين راسخاً بين عبورٍ وعبور. وظلّ طيف الأخ الذي رحل من هذه الحياة، حاضراً في كلّ تفصيلٍ صغيرٍ من أحداث القصة، على الرغم أنّها سيرة ذاتيّة فلسفيّة لأخيه. فعند مغادرته لوطنه، وعبوره إلى غربته، وعند خلاصه بأعجوبة ربّانية من حاث السير الذي حصل له في باريس، وعند كلّ حوار مع ربّه كان هذا الطيف حاضراً مع الكاتب ليقول له أنّ الله حاضرٌ ويمنح السلام للمؤمن في الوقت المناسب. فحبّ الوطن يقين كالحزن على من فُقد، والسلامة يقين كوعد لقاء من غادر. فقد دوّن مظلوم عن مغادرته وطنه لحظات زراعة بزور الحنين إلى الربوع والحزن العميق، كما دوّن جميع أحداث هذه السيرة بصدق الروح الذي نقله من الشكّ ليس بوجود الله بل بتغاضيه عن المآسي، إلى القين الراسخ عند ولادة فرح جديد من رحم المأساة. يقول في الصفحة 86: "عندما لامست عجلات الطائرة مدرج مطار باريس، شعرت أنّني لا أهبط على أرض، بل على عمرٍ جديد؛ كأنّ المسافة بين السماء والممّر كانت بيني وبين رجلٍ كنته، وها أنا أطؤه الآن، مثقلاً بحقيبة من وجع، وخوف، وأمل هشّ."
كتاب "البحث عن اليقين"، هو درسٌ في أنسنة واقعنا، نسيره في طريق مظلمة عوثاء، نروم على قارعتها الانعتاق من صمتنا الرهيب، نبحث لاهثين عن أمل مرتجى بين سطور الحكمة الضالة، لنجده في اليقين القابع في دواخلنا الذي يتفجّر غضباً أو حباً وسلاماً، مرددين مع أنطوان بديع مظلوم ما قاله عن الله في الصفحة 133 من سيرته الذاتيّة الفلسفيّة: " أراك أحياناً في لمعة عينيّ شخص يمرّ بجانبي، وأحياناً في نغمة طائر يغادر، لكنك... تتبخّر قبل أن ألمسك."
يتوّج كتاب "البحث عن اليقين" لأنطوان بديع مظلوم، أرق وألم ووجدان مكلوم الروح الذي يفتّش عن فعل الخالق عند كلّ بليّة تحدث، ولا يجد الجواب. ومن هذه العتبة بين الإيمان والشكّ، يفتح آفاق التأمّل في كيفيّة مقاومة ومقاربة تحديّلات الحياة التي تُثقل كاهل المؤمن الذي ينتظر فعلاً إلهياً، ويزداد حمله ومقارعته لقدره وحيداً في ظروف قاسية.
هذا الكتاب، هو سيرة ذاتيّة فلسفيّة، لرجلٍ عاديٍّ مع الفقدان، والموت، والحرب والهجران. يُخبر صراع الإنسان مع الحياة على ضفافٍ بين اليقين والالحاد، في عالمٍ جُبل بالألم والرحمة، وعصرته زفرات وجع الأمّهات. فكلّ كاتب يعيش العاصفة في داخله مرّات عديدة. فمظلوم شعر بهبوبها قبل الهبوب، وكان بداخلها عند اندلاعها، وعاشها عندما كتب عنها. فتضاعف ألمه مرّات عديدة عند سرد كلّ حادثة، وجاءت عباراته الفلسفيّة منمّة عن الاعتراف بوجود إله لا لزوم له، وعن إيمان راسخ بعد تيقنه بوجود الله في كلّ شاردة وواردة من الحياة. يقول في الصفحة 28 من الكتاب: "كنّا ندرس، نحلم، نخطّط لمستقبل يبدو لنا أبديّاً... حتّى جاء العام 1975؛ عامٌ انشطر فيه الزمان إلى ما قبله، وما بعده، كأنّ لعنةً ما انفجرت من تحت الأرض، وبدأت تسحبنا، واحداً تلو الآخر، إلى عالمٍ لم نكن نعرفه."
الأخوّة تنحني لها القلوب، قوامها فضيلة حبّ تغتني بها الأرواح، ومشعل صدقٍ ينير الدروب. فالكتاب سيرة ذاتيّة فلسفيّة، يُخبر كيف انكسرت الأخوّة على ركبة الجهل، عندما سقط أخ الكاتب صريعاً برصاص الفرح. فكان للكتاب عطراً فاح عبر مطحنة التجارب، وتأجّج إثر اصطدام صمت الله بثورة الروح عند أخ القتيل. فلا واعظ في الأرض يهديك السلام الروحي، ولا يُصنع يقيناً في معبد بديلاً عن رائحة الإيمان الذي ينبع عطره من دواخل النفوس، لينتشر في فضاءات الحياة. فعن تعريف الموت يقول مظلوم في الصفحة 56 تحت عنوان "الموت ـ صمتٌ يربك الحياة"، حين غادر أخيه هذه الفانية: "الموت ليس حدثاً. الموت هو انقطاع النفس عن جهّة واحدة ، ليعلَق في الجهة الأخرى. هو فجوةٌ في النسق ـ ثقبٌ أسود في نسيج العائلة ـ كأنّ الزمن بأكمله انكمش فجأة، ثمّ انفجر صامتاً."
أصبحت أمّ الكاتب، ككلّ أمّهات الوطن الثكلى. مترعة بحزن الروح، أسيرة الألم الذي يزنّر تقاسيم وجهها الملائكي، حبيسة العذاب الذي يعصر عناقيد الوجع في نفسها الثكلى. فقبل موت ابنها كانت تحمل بين يديها قنديل الهداية، تضيء فيه الشفق لتحيي في أنفس أولادها منعة الحبّ الأبدي، وتزرع فيهم بزور السعادة والحبور. يقول الكاتب: "كيف تخبر أمّاً أنّ قلبها ينزف في مكان ما، أنّ أحد أضلعها سقط جريحاً، أنّ ابنها، الذي حملته، وربّته، وضمّته ألف مرّة، قد أصيب بطلقات لا تفسير لها؟ كيف تنقل لها الألم، دون أن تموت في عينيها الحياة؟" (صفحة 40)
ويبقى اليقين راسخاً بين عبورٍ وعبور. وظلّ طيف الأخ الذي رحل من هذه الحياة، حاضراً في كلّ تفصيلٍ صغيرٍ من أحداث القصة، على الرغم أنّها سيرة ذاتيّة فلسفيّة لأخيه. فعند مغادرته لوطنه، وعبوره إلى غربته، وعند خلاصه بأعجوبة ربّانية من حاث السير الذي حصل له في باريس، وعند كلّ حوار مع ربّه كان هذا الطيف حاضراً مع الكاتب ليقول له أنّ الله حاضرٌ ويمنح السلام للمؤمن في الوقت المناسب. فحبّ الوطن يقين كالحزن على من فُقد، والسلامة يقين كوعد لقاء من غادر. فقد دوّن مظلوم عن مغادرته وطنه لحظات زراعة بزور الحنين إلى الربوع والحزن العميق، كما دوّن جميع أحداث هذه السيرة بصدق الروح الذي نقله من الشكّ ليس بوجود الله بل بتغاضيه عن المآسي، إلى القين الراسخ عند ولادة فرح جديد من رحم المأساة. يقول في الصفحة 86: "عندما لامست عجلات الطائرة مدرج مطار باريس، شعرت أنّني لا أهبط على أرض، بل على عمرٍ جديد؛ كأنّ المسافة بين السماء والممّر كانت بيني وبين رجلٍ كنته، وها أنا أطؤه الآن، مثقلاً بحقيبة من وجع، وخوف، وأمل هشّ."
كتاب "البحث عن اليقين"، هو درسٌ في أنسنة واقعنا، نسيره في طريق مظلمة عوثاء، نروم على قارعتها الانعتاق من صمتنا الرهيب، نبحث لاهثين عن أمل مرتجى بين سطور الحكمة الضالة، لنجده في اليقين القابع في دواخلنا الذي يتفجّر غضباً أو حباً وسلاماً، مرددين مع أنطوان بديع مظلوم ما قاله عن الله في الصفحة 133 من سيرته الذاتيّة الفلسفيّة: " أراك أحياناً في لمعة عينيّ شخص يمرّ بجانبي، وأحياناً في نغمة طائر يغادر، لكنك... تتبخّر قبل أن ألمسك."
الأكثر قراءة
النهار بيديا
10/29/2026 7:32:00 PM
عُيّن الأمير هاشم بن الحسين مستشاراً للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اعتباراً من 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد مسيرة عسكرية وأكاديمية.
شمال إفريقيا
10/29/2026 6:41:00 PM
صفقة سلاح روسية لإثيوبيا تتزامن مع زيارة السيسي لموسكو وتثير تساؤلات في القاهرة بشأن حسابات بوتين ومصالح روسيا بين مصر والقرن الأفريقي، ومستقبل العلاقات.
اقتصاد وأعمال
10/30/2026 9:08:00 AM
انخفاض البنزين وارتفاع المازوت... كم بلغت الأسعار؟
أوروبا
10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.
نبض