عندما يسأل العالم العربي: لماذا نكتب في زمن الآلة؟
زاهي وهبي
بيروت تجربة حياة، تجربة حرية، ومختبر إبداع. رغم كل ما أصابها لاتزال تحتفل بالجديد وتحتفي به، وتحفظ للقديم حقه ومقامه، لكنها لا تحوّله طوطماً. تكرّس الرواد والمؤسسين والرموز ولا تقدسهم كي لا ينأى أحد منهم عن النقد والسجال والمساءلة. كتابها دائماً في يمينها ترفعه إلى أعلى، على رؤوس الأشهاد وأسنّة الرماح، شهادة لها وعليها، وها هو الدكتور غسان مراد يهديها ويهدينا (وربما يَهدينا) كتاباً جديداً، كتاباً يقدّم نفسه رحلةً فكرية في قلب التحول الرقمي، لكنه لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يدعونا إلى شيء أكثر إزعاجاً وإثارة: أن نفكّر، وأن نشكّ، وأن نسأل. والسؤال الذي يقف خلف الكتاب كله هو: لماذا نكتب في زمن الآلة؟
أول ما يلفت النظر في هذا الكتاب أن المؤلف يعترف في مقدمته بأن ما بين أيدينا مقدمة من نوع آخر، وخاتمة من نوع آخر. إنها لفتة ذكية تكسر توقعات القارئ من الصفحات الأولى. فالدكتور غسان مراد، أستاذ حوسبة اللغة والذكاء الاصطناعي في الجامعة اللبنانية، يكتب من موقع المتمرس الذي يعرف التقنية من داخلها، ويحتفظ في الوقت نفسه بمسافة نقدية منها. وهذه المسافة هي ما يمنح كتابه قيمته.
المفارقة الكبرى التي يبني عليها المؤلف موقفه هي أن رجلاً يعمل في قلب الذكاء الاصطناعي يكتب كتاباً يدافع فيه عن الكتابة البشرية، وعن اللغة العربية، وعن الوعي الذي يقاوم الاختزال في خوارزمية. هو يرفض الاستقالة الفكرية أمام التقنية، وهذا موقف يستحق التأمل في زمن يراوح فيه الخطاب العربي بين الانبهار الأعمى والخوف المطلق. وبهذا يضعنا الكتاب أمام سؤال لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل بما نفعله نحن بها، وبما تفعله هي بنا: كيف نبقى أصحاب أصوات لها ذاكرة، في زمن يتكاثر فيه الضجيج، وتختفي فيه المسافة بين المعرفة والمعلومة؟
الأسئلة التي تزعج أكثر مما تطمئن
يطرح الكتاب أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تهزّ يقينياتنا. هل ما زالت المعرفة بناءً متراكماً، أم تحوّلت إلى معلومة جاهزة؟ وهل يهمّنا بعد الآن إن كان ما نراه حقيقياً؟ ولماذا نكتب في زمن باتت فيه التطبيقات تولّد لنا ما نشاء؟
هذه الأسئلة تمسّ صميم حياتنا اليومية، حين نبحث عن إجابة سريعة على محرك بحث، وحين نقرأ خبراً لا نعرف إن كان حقيقياً أم ملفقاً، وحين نشعر أن انتباهنا يتشتت بين آلاف المنبهات الرقمية. والمفارقة أن الدكتور مراد يقدّم أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات، وهذا في ذاته موقف معرفي، ففي زمن الإجابات الخالصة، يصبح طرح السؤال فعلاً ثورياً.
اللغة: النواة التي تجعلنا بشراً
من أعمق ما في الكتاب تأكيده أن اللغة تشكّل وعينا وهويتنا، وأنها تتجاوز كونها أداة للتواصل. فحين نخضع اللغة للمعالجة الآلية، نغيّر طريقة كتابتنا، ونعيد في الوقت نفسه تشكيل وعينا من خلالها.
وهذه الفكرة تستدعي تأملاً طويلاً؛ فكم منا يلاحظ اليوم كيف تغيّرت لغته العربية في المراسلات الرقمية؟ وكيف تستبدل الكلمات بصور ورموز؟ وكيف يتراجع التفكير العميق بفعل الاتكال على التطبيقات التي تقدّم الإجابة قبل أن نكمل السؤال؟
يذهب المؤلف إلى ما هو أبعد، فيرى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يميل إلى "إزالة التفرّدات والتناقضات والشذوذ"، أي إلى إنتاج نصوص نمطية متشابهة. وهذا يعني أن الخطر يتجاوز الكمّ الهائل من المحتوى المولّد، ليصل إلى تآكل ذلك "الانحراف الإبداعي" الذي هو مصدر حداثة العمل الفني والفكري. فالتاريخ، كما يقول، لم يحفظ إلا المحتوى الجيد، والباقي يزول مهما تضاعفت الإعجابات.
بين الوعي والذكاء الأدواتي
من أكثر الفصول إثارة للتفكير ذلك الذي يتناول ما يسميه المؤلف "السيطرة المنمّقة". فالسيطرة اليوم تتسلل إلينا على هيئة امتيازات تقدَّم لنا على أنها للجميع، خوارزميات التوصية التي تشكّل أذواقنا من دون أن ندري، وسياسات المحتوى التي تمارس رقابة ناعمة باسم السلامة الرقمية، والهوية الرقمية الموحدة التي تسهّل الوصول لكنها تراقب السلوك. وهذه بنية تتشكل من تراكم خيارات تقنية واقتصادية تبدو محايدة.
يسمي المؤلف هذا "الذكاء الأدواتي"؛ أي استخدام العقل أداةً للضبط والمنفعة. ومن هنا يبرز سؤاله الأخلاقي المركزي: كيف نشرّع لما لا نعرف حدوده؟ وكيف نضع قوانين لكائنات رقمية لا نعرف نيات من برمجها؟
هذه الأسئلة تستحق التوقف، غير أني أتساءل: هل المشكلة في التقنية ذاتها، أم في من يملكها ويسيّرها؟ يبدو أن المؤلف يميل إلى تحميل الأنظمة الرقمية مسؤولية قد تكون في جوهرها مسؤولية بشرية. فالخوارزمية تعكس اختيارات من صمّمها ومولها، وربما كان الأجدى توسيع النقاش ليشمل بنى الملكية والاقتصاد السياسي للتقنية، وهي أبعاد يشير إليها الكتاب لكنه لا يغوص فيها.
هل توقف الذكاء الاصطناعي عن النمو؟
من أكثر الطروحات إثارة للجدل حديث المؤلف عن "ركود الذكاء الاصطناعي"، وعن أن الخوارزميات توقفت عن النمو لأنها تفتقر إلى ما يغذيها من بيانات. هنا أجد نفسي مختلفاً مع المؤلف، أو على الأقل متحفظاً.
الواقع أن ما نشهده اليوم ليس ركوداً بالمعنى الدقيق، بل تحولاً في طبيعة النمو. فالنماذج اللغوية الكبيرة لا تزال تتطور، لكنها تواجه ما يسميه الباحثون "قوانين التوسع المتناقصة"، فزيادة حجم البيانات والمعاملات لم تعد تعطي القفزات النوعية نفسها التي رأيناها قبل سنين. هذا صحيح، لكنه لا يعني أن الخوارزميات "توقفت عن النمو".
هناك اتجاهات بحثية ناشطة، النماذج متعددة الوسائط، والذكاء الاصطناعي التفاعلي، والأنظمة الهجينة التي تدمج الشبكات العصبية بالمنطق الرمزي، والذكاء الاصطناعي الموجّه بالأهداف. وحتى الحديث عن الذكاء العضوي الحيوي، الذي يشير إليه المؤلف نفسه، هو إشارة إلى أن النمو يبحث عن مسارات جديدة عندما تستنفد المسارات القديمة طاقتها.
الأدق أن نقول إن الخوارزميات الحالية، بمعماريتها القائمة على الإحصاء والاحتمال، تقترب من حدود قدراتها النظرية. وهذا يفتح الباب لأطر فكرية جديدة، قد تكون حيوية أو هجينة أو شيئاً لم نتصوره بعد.
هل يمكن الجزم بأي شيء في زمن الذكاء الاصطناعي؟
هنا أصل إلى سؤال جوهري يلامس الكتاب كله: هل يمكن الجزم والحسم في أي نقاش يتعلق اليوم بالذكاء الاصطناعي وتطوره؟ جوابي: لا، ولا ينبغي أن نطمح إلى ذلك. فالذكاء الاصطناعي مجال يتغيّر بوتيرة تفوق قدرتنا على الفهم والتشريع والتنظير. وكل حكم قاطع نصدره اليوم قد يبدو متخلفاً بعد عام أو عامين، وكل توقع نبنيه على واقع راهن قد ينهار أمام مفاجأة تقنية جديدة.
هذا يضعنا أمام مفارقة معرفية، نحن مطالبون بالتفكير والتنظير والتشريع، لكننا نفتقر إلى الأرضية الثابتة التي تجعل أحكامنا موثوقة. فكيف نضع قوانين لتقنية لا نعرف حدودها؟ وكيف نعلّم أطفالنا مهارات لا نعرف إن كانت ستكون ذات قيمة بعد عشر سنين؟ وكيف نحمي لغتنا وذاكرتنا ووعينا ونحن لا نعرف ما الذي سيأتي غداً؟
هذا الالتباس ليس عيباً في الكتاب، بل هو جوهر تجربته. فالمؤلف يدرك أننا في منطقة رمادية معرفياً، ويختار أن يبقى في هذه المنطقة بدلاً من الهروب إلى يقينيات كاذبة. وهذا اختيار شجاع، لكن الشجاعة لها ثمن. فالكتاب يقدّم أسئلة أكثر مما يقدّم أطراً نظرية متماسكة، ويفتح أبواباً كثيرة لكنه لا يغلقها، ويترك القارئ مع قلقه بدلاً من أن يمنحه أدوات للتعامل معه. وهذا قد يكون مقصوداً، لكنه قد يترك القارئ العام غير المتخصص بحاجة إلى مزيد من التوجيه.
بين الغنى والتنوع
ثمة ملاحظات لا تنقص من قيمة الكتاب، بل تفتح أمام القارئ أكثر من مدخل إليه. فالمؤلف يعترف بنفسه أن كتابه يتكوّن من نصوص كُتبت في فترات مختلفة ونُشرت شذرات منها في دوريات عربية. وهذا يمنح الكتاب غنى وتنوعاً، وإن كان يجعل بعض فصوله أقرب إلى مقالات متقاطعة تجمعها وحدة الموضوع والرؤية.
وبعض الأفكار يتكرر، وهو تكرار يبدو مقصوداً لترسيخها في ذهن القارئ، وقد يراه بعض القراء إصراراً محموداً على الفكرة، بينما قد يراه آخرون مساحة كان يمكن اختصارها.
كذلك فإن العنوان الفرعي "اغتراب المعنى في ذكاء الآلة" يحمل وعداً تحليلياً عميقاً، والكتاب يلامسه في أكثر من موضع، لكن قارئاً متخصصاً قد يريد تفكيكاً أدقّ لمفهوم "المعنى" نفسه، ولكيفية "اغترابه". فهو كتاب يجذب القارئ العام بلغة واضحة وأمثلة قريبة، ويترك للمتخصص مساحة لمواصلة البحث في التفاصيل.
لماذا يهمّ هذا الكتاب القارئ العربي؟
في زمن يتحدث فيه الجميع عن الذكاء الاصطناعي، يأتي هذا الكتاب ليقول: مهلاً، لنفهم أولاً ما الذي نتنازل عنه. فنحن في العالم العربي، كما يلاحظ المؤلف، نتلقى التقنيات جاهزة غالباً، من دون أن نشارك في صنعها أو في نقاشها، وهذا يجعلنا أكثر عرضة للانقياد خلف وعودها من دون مساءلة.
وقيمة الكتاب الحقيقية أنه يكتب بالعربية، ويدافع عن العربية، ويرى فيها لغة قادرة على استيعاب العلوم والتعبير عنها. وهو لا يكتفي بالتحذير من مخاطر الرقمنة، بل يدعو إلى "ذكاء رقمي" يسمح لنا بالاحتراس من التقنيات والاحتراس بها في الوقت نفسه.
بين السؤال واليقين
"أصوات بلا ذاكرة" كتاب يمنحك شيئاً أكثر ندرة في هذا العصر: مساحة للتفكير البطيء، المتأني، الشاكّ. وحين تغلق الكتاب، قد لا تجد نفسك أكثر معرفة بالذكاء الاصطناعي، لكنك حتماً ستكون أكثر وعياً بما يفعله بنا، وبما نفعله به.
غير أن هذا الوعي يظل معلقاً على سؤال لا يملك المؤلف، ولا نحن، إجابة قاطعة عنه: إلى أين يتجه كل هذا؟ وهل نحن في لحظة انعطاف تاريخي، أم في موجة عابرة ستنكشف حدودها قريباً؟
في زمن يصعب فيه الجزم، يبدو أن أفضل ما يمكننا فعله هو أن نبقى يقظين، وأن نواصل طرح الأسئلة، وأن نرفض الاستقالة الفكرية أمام أي وعد تقني. وهذا ما يفعله الدكتور غسان مراد، وهذا ما يدعونا إليه.
نبض