آري جان في أوبرا دمشق... هل تتّسع سوريا لأغنية كردية؟
هل يكفي أن تُقدّم دمشق مسرحها لصوت كردي كي تفتح صفحة جديدة من علاقتها بالتعددية؟ وهل تستطيع الموسيقى أن تعبُر ما عجزت السياسة عن عبوره، وأن تهدم في الوجدان جدراناً أقامتها عقود من الإقصاء والخوف؟ أم أنّ السؤال الأعمق ليس عمّن يحقّ له الغناء في العاصمة، بل عمّن يملك حقّ تعريف الهوية السورية؟
ليست المسألة أن يغنّي كردي في دمشق، بل أن نعيد التفكير في معنى دمشق نفسها. تلك المدينة التي لم تصنع عظمتها من نقاء هوية واحدة، بل من تعاقب الحضارات وتفاعل اللغات والثقافات، تجد نفسها أمام امتحان يتجاوز السياسة والفن: كيف يصون وطن وحدته من دون أن يطلب من أبنائه التخلّي عن اختلافاتهم؟
في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، يستعدّ الفنان الكردي آري جان لإحياء حفل غنائيّ على خشبة دار الأوبرا في دمشق، بتنظيم من UGAR Events، تحت عنوان "آري جان في أوبرا دمشق". موعد فني يفتح نافذة على سؤال سوري لم يُحسم بعد: هل يمكن للثقافة أن تستعيد ما بدّدته السياسة من ثقة، وأن تعيد إلى مفهوم الوطن معناه الإنساني، بعدما أثقلته الصراعات والهويات المتنازعة؟
الكردي في دمشق... تاريخ لا تختصره أغنية
لم تكن المسألة الكردية في سوريا مجرد اختلاف لغويّ أو خصوصية فولكلورية، بل ارتبطت بتاريخ معقّد من المطالب الثقافية والسياسية، وبأسئلة الجنسية والتمثيل والعلاقة بين المركز والأطراف.
فمن الإحصاء الاستثنائي في الحسكة عام 1962، الذي حُرمت على أثره أعداد من الأكراد الجنسية السورية، إلى القيود التي طاولت التعبير عن اللغة والهوية، تراكمت إشكاليات لا تمحوها المناسبات الفنية، وإن استطاعت أن تفتح نوافذ للحوار.

ومع التحولات السورية، عادت هذه الأسئلة في سياقات جديدة، متصلة باللامركزية وشكل الدولة ومستقبل العلاقة بين دمشق والمناطق ذات الحضور الكردي. وهي قضايا لا يمكن اختزالها في حفل موسيقي، ولا يجوز تحميل فنان مسؤولية الإجابة عنها.
لكنّ حضور آري جان يكتسب دلالة رمزية، لأنّ الثقافة تستطيع أحياناً أن تطرح، بلغة أقل صدامية، أسئلة تعجز السياسة عن مقاربتها خارج حسابات القوة والمصالح. فالاعتراف بالآخر لا يبدأ حين نسمح له بأن يشبهنا، بل حين نقبل أن يبقى مختلفاً عنا، من دون أن يصبح اختلافه سبباً للانتقاص من حقوقه.
الهوية السورية... وطن أم قالب؟
في عمق هذه الإشكالية يقيم سؤال فلسفي وسياسي: هل باتت الهوية الوطنية قالب يُطلب من الجميع الانصهار فيه، أم فضاء تاريخي تتجاور في طيّاته الذاكرات والانتماءات؟
ليست سوريا ابنة ثقافة واحدة. ففي نسيجها العربي والكردي والسرياني والآشوري والأرمني والتركماني والشركسي، وفي تنوّعها الديني والمذهبي، تتجلّى طبقات حضارية لا يمكن اختزالها في سردية أحادية.
لكنّ التعددية ليست واجهة ثقافية تُستحضر في المهرجانات، بل مبدأ يرتبط بفكرة المواطنة نفسها. وهي لا تتحقق بالاحتفاء بالاختلاف فحسب، بل بضمان ألّا يتحوّل هذا الاختلاف إلى سبب للتمييز أو الإقصاء.
وهنا يكمن الفارق بين دولة تسمح بالاختلاف ودولة تحميه. ففي الأولى، تبقى حرية التعبير عن الهوية رهناً بإرادة السلطة، أما في الثانية، فتصبح حقاً تصونه المواطنة ويكفله القانون. فالأوطان لا تُبنى على ما تمنحه السلطة لأبنائها من تسامح، بل على ما تضمنه لهم من حقوق.
ولعلّ المعضلة تظهر في الخلط بين الوحدة والتجانس، كأنّ الانتماء إلى وطن واحد يستوجب امتلاك ذاكرة واحدة ولغة واحدة ورؤية واحدة للتاريخ. لكنّ الوحدة التي تخشى الاختلاف ليست وحدة راسخة، بل هشاشة تتخفّى في ظلّ شعارات الانسجام.

أوبرا دمشق... من يملك صوت العاصمة؟
لعلّ أعمق ما يثيره حضور آري جان ليس سؤالاً عن مكان الأغنية الكردية في دمشق، بل عن مكان الإنسان في وطنه. فحين يصبح الاعتراف بالاختلاف حدثاً استثنائياً، تكون المشكلة أبعد من الثقافة، وأعمق من السياسة: تكون في مفهوم الوطن نفسه، إذ لا يُقاس نضج الأوطان بقدرتها على استضافة أصوات أبنائها، بل بقدرتها على ألّا تجعل أحداً منهم يستأذن كي يكون نفسه. فالوطن الذي يضيق بلغة أحد أبنائه، إنما يضيق بجزء من روحه؛ والوطن الذي يُقصي ذاكرة من ذاكراته، إنما يقتطع صفحة من تاريخه.
ومن هذا المنطلق، يتجاوز السؤال حدود سوريا ليطرح إشكالية عربية أوسع: هل تُبنى هوية الوطن على ما يجمع أبناءه رغم اختلافاتهم، أم على ما تفرضه السلطة من صورة واحدة للانتماء؟ فالوطن لا يزداد تماسكاً بإسكات اختلافاته، بل بالاعتراف بها وصون حقوق أصحابها.
حين تعجز السياسة عن الإصغاء
للموسيقى قدرة لا تمتلكها الخطابات السياسية دائماً. إنها تصل إلى الإنسان قبل أن تسأله عن هويته. قد لا يفهم المستمع كلمات أغنية كردية، لكنه يستطيع أن يشعر بحزنها وحنينها وفرحها. وفي تلك المسافة بين اللغة والإحساس، يكتشف أن الآخر ليس غريباً بالقدر الذي تصوّره المخاوف الموروثة.
لكنّ الفن، على سموّ رسالته، لا يستطيع أن يكون بديلاً من العدالة، ولا أن يجعل من التصفيق اعترافاً بالحقوق. فالمصالحة الوطنية لا تُختصر بلحظة تأثّر عابرة، وإنما تُبنى على الثقة والكرامة والمساواة. وهنا تتجلّى رسالة الثقافة الإنسانية في أن تنتشل الإنسان من ضيق التصنيفات السياسية والقومية، فتعيد إليه وجهه وصوته وحقّه في أن يُرى كما هو، لا كما تصوّره الصراعات.
فالأغنية الكردية لا تحتاج إلى أن تفقد كرديتها كي تنتمي إلى سوريا، كما أنّ السوري لا ينبغي أن يتخلّى عن خصوصيته كي يستحقّ وطنه. فالوطن الحقّ ليس الذي يمحو الفوارق بين أبنائه، بل الذي يجعل من اختلافهم غنىً لوحدته، لا سبباً لانقسامه.
هل سيتغيّر المشهد في 30 تشرين الأول؟
في 29 تشرين الأول، سيقف آري جان على خشبة أوبرا دمشق، حاملاً بصوته ألقًا من ذاكرة شعب وثقافة ولغة. وستكون الأمسية، بما تستحضره من حنين، مناسبة فنية تفتح على سؤال أكبر من حدود المسرح: أيّ مستقبل ينتظر بلداً تتعدّد فيه الذاكرات، فيما لا تزال صيغة العيش المشترك فيه موضع بحث واختبار؟
فذاكرة السوريين ليست حكاية واحدة. إنها ذاكرة الحرب والتهجير والغياب، كما هي ذاكرة البيوت والأعراس والأغنيات التي حفظت وجهةً من الحياة في أحلك الظروف. ولكل جماعة روايتها، ولكل مدينة جراحها، غير أنّ بناء وطن مشترك لا يقتضي توحيد الروايات بقدر ما يستدعي الاعتراف بها، والانطلاق منها نحو مصير لا يكون فيه الاختلاف مدخلاً إلى الخوف أو الإقصاء.
ولعلّ التحدّي الأعمق أمام سوريا اليوم لا يكمن في إعادة إعمار ما تهدّم من مدنها فحسب، بل في ترميم ما تصدّع من ثقة بين أبنائها. فالحجر يُعاد بناؤه، أما الأوطان فلا تنهض إلا حين يشعر الإنسان بأنّ كرامته مُصانة، وأنّ انتماءه ليس موضع امتحان دائم، وأنّ الدولة تتّسع له من دون أن تطلب منه التنازل عن ذاكرته أو لغته.
ليس مطلوباً من آري جان أن يحمل على كتفيه أعباء التاريخ، ولا من أغنيته أن تصلح ما أفسدته السياسة، وإن كان بمقدورها أن تذكّر بأنّ سوريا ليست ملكاً لصوت واحد، ولا حكراً على رواية واحدة، وأنّ غناها الحضاري لا ينفصل عن تعدّد أبنائها.
وحين تنطفئ أضواء أوبرا دمشق، لن يكون السؤال ماذا غنّى آري جان، بل ماذا سمعت سوريا في صوته: لحناً كردياً عابراً، أم جزءاً من روحها التي لا تكتمل من دونه؟
نبض