ريم نصور تفوز في أسبوع دبي للتصميم 2026 بمشروع "ثلاث حدائق وغرفة"
المشروع الذي فاز بجائزة ضمن برنامج الأشغال المدنية في أسبوع دبي للتصميم عام 2026، قدّمت فيه المهندسة اللبنانية الإماراتية ريم نصور رؤية للعمارة تتجاوز المباني الجميلة والصالحة للسكن.
"ثلاث حدائق وغرفة"، عنوان صغير من 3 كلمات قد لا يفهمه الكثيرون، لكنه يعبّر عن علاقة الإنسان بالطبيعة في دبي. المشروع الذي فاز بجائزة ضمن برنامج الأشغال المدنية في أسبوع دبي للتصميم عام 2026، قدّمت فيه المهندسة اللبنانية الإماراتية ريم نصور رؤية للعمارة تتجاوز المباني الجميلة والصالحة للسكن، في خطوة تهدف إلى إعادة النقاش في دور المساحات العامة وعلاقتها بالناس والحياة اليومية.
نشأت ريم نصور في دولة الإمارات، وسط تنوّع الثقافات واللغات وأنماط الحياة، في بيئة تتغير باستمرار بفعل الأشخاص الذين يعيشون فيها. وترى أن هذه التجربة عززت فضولها تجاه الاختلاف، وعمّقت فهمها لكيفية نشوء الشعور بالانتماء من خلال التجارب المشتركة والعلاقات التي يبنيها الناس مع الأماكن. وفي المقابل، كان لبنان حاضراً في طفولتها، إذ كانت تقضي فيه فصل الصيف، قبل أن تنتقل إلى بيروت حيث عاشت ودرست الهندسة المعمارية، وهي تجربة تركت أثراً عميقاً في رؤيتها المهنية وإحساسها بهويتها.
وتصف نصور، في حديث إلى "النهار"، بيروت بأنها مدينة تتداخل فيها طبقات التاريخ والصراعات والذاكرة والحياة اليومية، وتظهر فيها التحولات بوضوح من خلال مبانيها التي تحمل آثار مراحل زمنية مختلفة، ومن خلال سكانها الذين يعيدون استخدام المساحات وتكييفها وفق احتياجاتهم. وقد دفعتها هذه التجربة إلى الاهتمام بالأماكن البينية والعفوية التي لا تحظى دائماً بالاهتمام، لكنها تكشف عن الحياة الحقيقية للمدينة، وعن علاقة سكانها بالمكان وشعورهم بالانتماء إليه.
وينعكس هذا التأثير في فهمها للعمارة اللبنانية والمشرقية التي ترى أنها متجذرة في سرد القصص، من خلال المواد المستخدمة وطريقة تشكيلها والعناية بها، وعلاقة البناء بالأرض والبيئة المحيطة.
وتجد نصور في دبي بيئة تتيح لهذه الرؤية أن تتطور، إذ أعادت المدينة ابتكار نفسها باستمرار من خلال عمارتها والثقافات والأشخاص الذين يسهمون في تشكيل هويتها. وترى أن الإيمان بالإمكانيات المتاحة والعمل على تحقيق مستقبل أفضل يشكلان جزءاً من شخصية المدينة، كما يتيحان للمهندسين المعماريين والمصممين من خلفيات مختلفة تبادل الأفكار وتحويلها إلى مشاريع ملموسة.
وفي هذا السياق، تؤكد أهمية المبادرات التي تفتح المجال أمام المواهب الجديدة، ومنها أسبوع دبي للتصميم، الذي يتيح للمصممين، بمن فيهم الممارسون العرب الناشئون، المشاركة في تشكيل المشهد العمراني والثقافي. لكنها ترى أيضاً أن المرحلة المقبلة من تطور دبي المعماري لا ينبغي أن تقتصر على المباني الضخمة والطموحة التي أسهمت في رسم صورة المدينة، بل يجب أن تشمل الحياة التي تدور بينها؛ من الشوارع المظللة وحدائق الأحياء السكنية إلى المساحات الصغيرة التي تتيح اللقاء والتفاعل. فمستقبل المدينة، في رأيها، "يرتبط بما نبنيه، وبكيفية استخدامنا للموجود بالفعل، وبقدرتنا على إفساح المجال أمام التجارب غير المتوقعة والعلاقات الإنسانية العفوية".

"ثلاث حدائق وغرفة".. الطبيعة بوصفها عمارة
تتجسد هذه الأفكار في مشروع "ثلاث حدائق وغرفة"، الذي انطلقت فكرته من ملاحظة سلوك يومي مألوف، يتمثل في بحث الناس تلقائياً عن شجرة يستظلون بها، أو يتوقفون تحت أغصانها لبعض الوقت. فالشجرة، بحسب نصور، تستطيع تحديد مساحة من دون الحاجة إلى جدران، وتمنح شعوراً بالانتماء من دون حدود، كما تجمع الناس من دون أن تفرض عليهم طريقة محددة لاستخدام المكان.
من هنا، تعامل المشروع مع الحديقة بوصفها شكلاً معمارياً قائماً بذاته، لا مجرد مساحة طبيعية تحيط بالمباني. ويضم سلسلة من الحدائق التي تعيد تفسير ثلاثة عناصر معمارية أساسية هي السقف والتلّة والموقد، وتتصل هذه العناصر بمساحة رابعة تتمثل في غرفة مغلقة في المركز. ومن خلال النباتات والألوان والمواد وتغيّرات الضوء، تقدم كل مساحة تجربة مختلفة تتراوح بين الاحتماء والانكشاف والتجمّع والعزلة.
وفي محيط حيّ دبي للتصميم، الذي يتميّز بكثافة العناصر المبنيّة، يسعى المشروع إلى إدخال عنصر أكثر هدوءاً ونعومة، يمنح الزوار فرصة للتوقف والتمهل واختبار المكان بطريقة مختلفة. وترى نصور أن العمارة لا تستطيع التحكم بالكامل بما يحدث داخل المساحات التي تصمّمها، إذ يضيف الناس إليها تجارب وعلاقات ولحظات لا يمكن توقعها مسبقاً. لذلك، لا يُقدَّم المشروع بوصفه عملاً مكتملاً وثابتاً بقدر ما هو مساحة تتيح للحياة أن تتشكل وتتطور من حولها.
ويرتبط هذا التوجه بموضوع برنامج الأشغال المدنية لهذا العام، "مناخات المكان"، الذي يستكشف تأثير الضوء والمواد ودرجات الحرارة والعناصر الحسية في تجربة الإنسان للمساحة. وتوضح نصور أن "علاقتنا بالعمارة تبدأ غالباً من الحواس قبل فهم تكوين المكان؛ فدفء الشمس على الجدار، وحركة أوراق الأشجار مع الرياح، والشعور بالراحة عند الانتقال إلى الظل، كلها تفاصيل قادرة على تشكيل ارتباطنا العاطفي بالمحيط".
وفي "ثلاث حدائق وغرفة"، يتحول الضوء واللون والطبيعة إلى مواد معمارية. فقد صُممت المساحة بحيث تتغير ملامحها خلال اليوم، مع مرور أشعة الشمس عبر الأسطح المثقبة والجدران الملونة والنباتات، فتتحرك الظلال وتتعمق الألوان وتتبدل الأجواء. وتؤدي الأشجار دوراً يتجاوز توفير الظل، إذ تلطّف الضوء وتستقطب أشكالاً أخرى من الحياة، فيما تضيف حركة الأوراق وأصوات الطيور ومرور الوقت عناصر لا يمكن التحكم بها بالكامل.
حلول مناخية تستلهم العمارة التقليدية
ولا تنفصل هذه الرؤية عن التحديات المناخية التي تواجه تصميم المساحات الخارجية في منطقة الخليج. فبحسب نصور، تختزن العمارة الإقليمية معرفة تراكمت على مدى آلاف السنين، عندما طوّر الناس أساليب بناء تستجيب مباشرة للبيئة المحيطة، قبل ظهور أنظمة التبريد الميكانيكية. وقد أسهمت المواد المتاحة وأشعة الشمس واتجاهات الرياح والتضاريس في تشكيل طرق البناء، لتصبح الأفنية الداخلية والممرات المظللة وأبراج الرياح والمشربيات والحدائق جزءاً من لغة معمارية تعكس فهماً عميقاً للمناخ.
وترى أن المطلوب اليوم ليس نسخ هذه العناصر التقليدية كما هي، بل فهم المبادئ التي قامت عليها وإعادة توظيفها بما يتناسب مع أنماط الحياة المعاصرة. فالفناء الداخلي، على سبيل المثال، ينظم العلاقة بين الهواء والضوء والظل والخصوصية والتجمع، ويمكن استلهام هذه المبادئ من خلال أشكال ومواد وأساليب بناء حديثة.
وفي دبي ومنطقة الخليج عموماً، حيث تتمحور جوانب كثيرة من الحياة اليومية حول المساحات الداخلية المكيّفة، تبرز فرصة لتطوير بيئات مناخية مصغّرة داخل الأماكن العامة، عبر توفير الظل ومناطق الاستراحة واستخدام النباتات وتصميم مساحات انتقالية تجعل البقاء في الخارج أكثر جاذبية خلال الفترات المناسبة من العام. ويتطلب ذلك، وفق نصور، اهتماماً أكبر بالموارد المادية والمياه والإنتاج المحلي وإعادة الاستخدام.
ويترجم مشروعها هذا التوجه من خلال التخطيط لنقل الأشجار إلى مواقع أخرى بعد انتهاء فترة عرض التركيب الفني، بما يسمح لها بمواصلة النمو خارج حدود المشروع الموقت. وهي خطوة تعكس، في رأيها، أن التصميم المستجيب للمناخ لا يتعلق بالحلول التقنية وحدها، بل ببناء علاقة أكثر وعياً مع البيئة والتعلم من المعارف التي أسهمت في تشكيل عمارة المنطقة عبر القرون.
مستقبل العمارة العربية بين الإرث والتجديد
أما في ما يتعلق بمستقبل العمارة العربية، فتعتقد نصور أن التحدي يتمثل في الحفاظ على الفضول تجاه الأماكن الموروثة، مع الانفتاح في الوقت نفسه على تخيّل ما يمكن أن تصبح عليه. فالمنطقة تمتلك إرثاً معمارياً غنياً تشكل بفعل الجغرافيا والمناخ والحرف والمواد والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب القصص والتقاليد والمعارف التي انتقلت بين الأجيال.
من البحث في الذاكرة إلى التصميم الحضري
تأسست رؤية ريم نصور المهنية عبر مسار يجمع بين العمارة والبحث والتصميم الحضري. وهي مهندسة معمارية لبنانية إماراتية تستكشف في أعمالها العلاقة بين الناس والمكان والقصص التي تشكل طريقة عيشهم معاً.
وفي عام 2023، أسست في دبي شركة "ناو للعمارة"، التي تتعامل مع التصميم بوصفه سرداً مكانياً، وتعمل على مشاريع تمتد من المساكن الخاصة إلى التدخلات في الأماكن العامة والمواقع الثقافية، مع التركيز على السياق والمناخ والمواد والطقوس اليومية التي تحدد كيفية استخدام الناس للمساحات وتشاركهم فيها.
تحمل نصور درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من الجامعة الأميركية في بيروت، ودرجة الماجستير من جامعة ييل. وركزت أبحاثها على الأبعاد الاجتماعية والسياسية للبنية التحتية، وكيف تؤثر أنظمة الطاقة والتنقل والمأوى في الحياة اليومية.
ومن خلال مشروعها الفائز ورؤيتها، تقدم نصور مقاربة تنظر إلى العمارة باعتبارها علاقة مستمرة بين الإنسان والمكان، تتشكل عبر المناخ والذاكرة والمواد والتجارب اليومية. وهي مقاربة تذكّر بأن قيمة المساحات لا تتحدد بما ترسمه المخططات وحدها، بل أيضاً بما تتيحه للناس من فرص للقاء والانتماء وصناعة حكاياتهم الخاصة.
نبض