حين يسبق جمالها كفاءتها… هل تُضطر المرأة إلى إثبات نفسها مرتين؟
قد تحبّ امرأة أن تبدأ نهارها بفنجان قهوة وقراءة الأخبار، وأن تقضي بعض الوقت أمام المرآة قبل الخروج. تفرح بفستان جديد كما تفرح بكتاب أحبّته، وتعرف كيف تختار ما يليق بها، كما تعرف كيف تدافع عن فكرة تؤمن بها. تفاصيل عادية في حياة امرأة لها اهتمامات كثيرة، ولا ترى في اجتماعها أيّ تناقض.
إلى أن يأتي من يُفاجأ، بعد حديث معها عن كتاب أو نقاش في العمل، ويقول بإعجاب: "جميلة ومثقّفة أيضاً!". فتبتسم، وربما تشكره، لكنّ كلمة "أيضاً" تستوقفها قليلاً. هل كان عليها أن تختار بين الأمرين؟ وهل كان سيبدو ذكاؤها أقلّ مفاجأة لو لم تكن بهذا القدر من الأناقة؟
ومن المفارقات الطريفة، والمزعجة أحياناً، أنّ:

جميلة ومثقّفة... من قال إنّهما لا تجتمعان؟
ربما لأنّنا نشأنا على صور جاهزة وزّعتها علينا الأفلام والمسلسلات والإعلانات بسخاء: الجميلة التي تحظى بالأنظار، والمثقّفة التي ترتدي النظّارات، والناجحة التي لا وقت لديها للاهتمام بنفسها.
وبين هذه الشخصيات، ضاعت حقيقة بسيطة: أنّ الإنسان قادر على الاهتمام بأكثر من شيء في حياته.
والحقيقة أنّ المرأة قد تحبّ الموضة والأدب، وتتابع أحدث صيحات الجمال كما تتابع الأخبار، وتقضي وقتاً في اختيار ملابسها من دون أن يكون ذلك على حساب طموحها أو معرفتها. ولا شيء في هذه الاهتمامات يمنحها شهادة ذكاء أو يسلبها إيّاها.
والمضحك أنّ أحداً لا يسأل رجلاً أنيقاً، في العادة، كيف وجد الوقت لتمشيط شعره وتطوير مهاراته المهنية في يوم واحد!

أناقة محاصرة بين معيارين
ثمّة تناقض خفيّ في توقّعات المجتمع من المرأة. يُنتظر منها أن تكون أنيقة، مهتمّة بمظهرها، حريصة على تفاصيل حضورها. لكنّ هذا الاهتمام نفسه قد يتحوّل، في بعض البيئات، إلى سبب للتشكيك في جدّيته.
إذا بالغت في الأناقة، قيل إنّها منشغلة بمظهرها. وإذا أهملته، فقد تواجه أحكاماً أخرى. وكأنّ المطلوب منها أن تعثر على مقدار محدّد من الجمال، يكفي لتلبية توقّعات الآخرين، ولا يزيد إلى الحدّ الذي يثير أحكامهم المسبقة.
هكذا تتحوّل تفاصيل بسيطة، كتسريحة الشعر أو المكياج أو طريقة اللباس، إلى لغة يقرأ بها البعض شخصية المرأة، حتى حين لا يكون لهذه التفاصيل أيّ صلة بقدراتها المهنية.
حين يُنسب النجاح إلى الجمال
قد يكون من أكثر أشكال الانتقاص خفاءً أن تنجح امرأة، ثم يُعاد تفسير نجاحها انطلاقاً من شكلها.
"من المؤكّد أنّ جمالها ساعدها".
جملة قصيرة قد تمحو، في لحظة، سنوات من الدراسة، وساعات من العمل، وتضحيات لا يعرف عنها قائلها شيئاً.
فما لا يظهر في الصورة هو الجهد. لا تُرى الليالي التي قضتها في التعلّم، ولا الإخفاقات التي تجاوزتها، ولا الشكوك التي واجهتها قبل الوصول إلى ما حقّقته.
وما يبدو سهلاً من الخارج قد يكون ثمرة سنوات من العمل، ومحاولات لم تنجح، وقرارات تطلّبت شجاعة لا يعرف عنها الآخرون شيئاً.
وحين يُختزل نجاحها بجمالها، تُسلب منها، ولو ضمنياً، ملكية القصة التي صنعتها بنفسها.
ولعلّ السؤال الأجدر ليس ما إذا كان جمالها قد ساعدها، وإنّما ما الذي بذلته كي تصل إلى ما هي عليه اليوم؟
جميلة وذكية... وما المشكلة؟
في النهاية، قد تحبّ المرأة أن يُقال لها إنها جميلة، وأن تسمع أيضاً أنها ذكية وبارعة في عملها. وليس في الأمر تناقض يستدعي كلّ هذا الاستغراب. يمكنها أن تمضي نصف ساعة أمام المرآة، وساعات بين الكتب، وأن تستمتع بكليهما من دون الحاجة إلى تقديم كشف حساب عن وقتها.
وربما حان الوقت لنتوقّف عن التعامل مع المرأة الجميلة والمثقّفة كأنها اكتشاف استثنائي.
فالمفاجأة الحقيقية ليست أن تكون المرأة جميلة وذكية في آن واحد، وإنما أن نكون، بعد كلّ هذا الوقت، ما زلنا نتفاجأ بذلك.
نبض