من صقيع الطوائف إلى دفء المواطنة: تشريح في مخاضات الكيان اللبناني

ثقافة 27-10-2026 | 11:47

من صقيع الطوائف إلى دفء المواطنة: تشريح في مخاضات الكيان اللبناني

تتجلى قيمة هذا الكتاب في كونه "مانيفستو" مكثف يجمع بين التبسيط المعرفي والتأسيس الفكري.
من صقيع الطوائف إلى دفء المواطنة: تشريح في مخاضات الكيان اللبناني
صورة فوتوغرافية واقعية لمجموعة من الشباب والشابات اللبنانيين يرتدون ملابس عصرية متنوعة ويقفون بابتسامة وفرح في وسط بيروت، رافعين العلم اللبناني عالياً، مع خلفية تظهر المعالم العمرانية الحديثة والأثرية للعاصمة
Smaller Bigger

يُعد كتاب "من الطوائف إلى المواطنة" للكاتب يوسف مرتضى وثيقة نقدية تشرح أسباب تعثر قيام الدولة الحديثة في لبنان عبر تفكيك محطات تاريخية وسياسية مأزومة. ويستند الكتاب إلى وثائق ووقائع علمية لتشخيص عيوب البنية اللبنانية التي انحدرت نحو مصاف "الدول الفاشلة" بسبب طغيان المحاصصة وتعطيل الدستور. كما يستشرف المؤلف خريطة طريق للخروج من هذا النفق، ترتكز على التطبيق الكامل لاتفاق الطائف، وإلغاء الطائفية السياسية، واعتماد "قانون المجلسين". وتكمن قيمة العمل في تقديم دليل معرفي ووطني للجيل الصاعد والنخب السياسية لبناء دولة المواطنة والمؤسسات المدنية العادلة.

السير فوق حقل ألغام التاريخ

لم يكن خروج كتاب "من الطوائف إلى المواطنة: لبنان في رحلة البحث عن الدولة" للكاتب والباحث اللبناني يوسف مرتضى مجرد إضافة عابرة إلى المكتبة السياسية اللبنانية، بل جاء كوثيقة نقدية مكثفة وقراءة تشريحية عميقة تجرأت على ملامسة الأسباب الثاوية خلف الفشل المتكرر للكيان اللبناني. الكتاب ليس مجرد سردٍ لتاريخ السياسة في لبنان، بل مشرط جراحٍ يفكك بنية "دولة المزرعة"، ويقرأ بوعي عميق أسباب التعثر التاريخي في إرساء مداميك الدولة الحديثة. 

ينطلق مرتضى في عمله الفكري من تجربة نضالية وميدانية طويلة، يمتزج فيها الوعي الأكاديمي بالحس الصحافي والسياسي السليم، ليتجاوز التوثيق التاريخي الروتيني نحو بناء رؤية تحليلية تفكك بنية "دولة المزرعة" ومحاصصاتها المقيتة.

يقدم الكاتب نصاً رصيناً، متخففاً من الحشو والبلاغة المفرطة، ليعتمد بدلاً من ذلك جملةً قصيرةً، بليغةً، وموجهةً بالدرجة الأولى إلى الجيل الصاعد الذي عاصر انفجار الساحات في ثورة 17 تشرين الأول 2019، متسائلاً عن الجذور التي تحول دون قيام دولة قانون ومؤسسات عادلة.

الأحداث والحبكة التاريخية: العود الأبدي للمأساة اللبنانية

تنساب حبكة الكتاب عبر مسار كرونولوجي دقيق، يتتبع فيه الباحث مخاض الولادة اللبنانية منذ الإرهاصات الأولى لتأسيس الإمارة على يد فخر الدين المعني الثاني، الذي حاول وضع لبنة لكيان جامع يتجاوز الصغائر الطائفية، مروراً بانكفاء العهد الشهابي وانفجار الفتن الطائفية التي أدت إلى ابتدع صيغ هجينة كـ "القائمقاميتين" و"المتصرفية".

تتصاعد الدراما التاريخية مع إعلان "دولة لبنان الكبير" عام 1920 برعاية فرنسية، وما تلاه من الميثاق الوطني لعام 1943 الذي قام على معادلة "لا شرق ولا غرب". لكن الحبكة التي يكشفها مرتضى تُظهر كيف أن كل صياغة سياسية كانت تحمل في طياتها بذور فنائها، نتيجة غياب مفهوم المواطنة الكاملة المتساوية.

تصل الأحداث إلى ذروتها الانفجارية مع اندلاع الحرب الأهلية (1975-1989)، والتي يراها مرتضى نتيجة حتمية لانسداد أفق الإصلاح السياسي وانخراط الأفرقاء المحليين في محاور الصراع الإقليمي والدولي على حساب سيادة الوطن. ولم يكن اتفاق الطائف عام 1989 سوى محاولة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي. لكنه سرعان ما وقع في أسْر "الوصاية السورية" وتواطؤ المنظومة المحلية، مما أحال الدستور إلى نص استنسابي، وتسبب في الوصول إلى لحظة الانهيار المالي والاجتماعي الكامل.

الشخصيات والزعامات: بين حلم الدولة وجشع السلطة

يعيد الكتاب تقييم الأشخاص والزعامات السياسية التي طبعت تاريخ لبنان بمشرط نقدي لا يراعي الموروثات التقديسية. فخر الدين الثاني يظهر في النص كحاكم استشراقي مبكر حاول بناء اقتصاد مستقلّ وقومية لبنانية جامعة، لكن طموحه تصادم مع التوازنات السلطوية للسلطنة العثمانية. أما بالنسبة إلى الأمير بشير الثاني، فيُحلل الكاتب تجربته كدليل على تحالف السلطة والإقطاع، وكيف أدت سياساته الضريبية والتعسفية إلى اندلاع عاميات الفلاحين وشحن النفوس طائفياً. وكذلك يحظى

الرئيس فؤاد شهاب بمكانة خاصة واستثنائية في التحليل النظري لمرتضى، إذ يُعتبر "شهاب" الرمز الوحيد الذي أدرك أن بناء الوطن يمر عبر التنمية الإدارية والاجتماعية والعدالة وتأسيس المؤسسات (مجلس الخدمة المدنية، الضمان الاجتماعي، مصرف لبنان). لكن مشروع شهاب اصطدم بمكائد الحلف الثلاثي وتدخلات الأجهزة الأمنية.

يفكك مرتضى أدوار أمراء الحرب والمنظومة الحاكمة الذين تولوا مشهدية القيادات المتعاقبة في مرحلة ما بعد الطائف، مشيراً إلى أن هاجس معظمهم كان ينحصر في التحاصص الغنائمي، واختطاف قرار السلم والحرب، وتفريخ النقابات والمؤسسات الطائفية الموازية للهياكل الشرعية.

 

التفكيك القائم على الواقعة والوثيقة

تكمن القوة العلمية للنقد الذي يقدمه الكتاب في ابتعاده عن الانطباعية والمواقف الإيديولوجية المسبقة، إذ يبني مرتضى تحليلاته على الواقعة التاريخية والوثيقة المكتوبة. يتجلى ذلك واضحاً حين يفكك النصوص الدستورية، أو عند قراءته محاضر الاجتماعات الحاسمة في تاريخ لبنان، مثل الوثيقة المرفقة في الكتاب التي تتضمن تفاصيل محضر الجلسة الموسعة بين بشير الجميل ومناحيم بيغن عام 1982، ليكشف كيف تصادمت الحسابات الميدانية للميليشيات مع منطق رياسة الدولة.

كما يستعين مرتضى بأدبيات علم الاجتماع السياسي (من أمثال كاري دي وليبر، وجوزيف فوشيه، وكارل ماركس، وأرسطو) ليتطرق إلى مفاهيم أساسية: الفرق بين "الشعب" و"الأمة"، الفرق بين "النظام" و"المنظومة"، وكيف أن المشكلة اللبنانية ليست في "النظام" بحد ذاته بل في امتناع المنظومة عن تطبيق الدستور وتجاوزها لأركان الدولة الثلاثة: الإقليم الموحد، الشعب المتساوي، والسلطة الاحتكارية للقوة الشرعية.

تشخيص حالة "الدولة الفاشلة"

يستخلص مرتضى في خاتمة كتابه مكثفاً يضع الأصبع على الجرح اللبناني النازف، مؤكداً أن الكيان اللبناني لم تستكمل فيه العناصر القانونية والدولية للدولة الحديثة، إذ إن العنصر الجغرافي لا يزال منقوصاً نتيجة الحدود غير المرسّمة بالكامل، والتداخلات والاعتداءات الخارجية المستمرة على السيادة. أما عنصر الشعب، فما برح مقسماً إلى طوائف ومذاهب تعيش وعي "المجتمع الأهلي" و"القبيلة"، محاطة بشحن مذهبيّ مستمر يمنع تحولها إلى "مجتمع مدني" يضم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

وفي الخلاصة، يتبيّن كيف فقدت الدولة احتكارها الحصري لاستخدام العنف الشرعي، وسادت المحاصصة الفئوية، مما دفع ببلاد الأرز نحو مصاف "الدول الفاشلة" بموجب المؤشرات الدولية: عجز إداري، قضاء مسلوب الإرادة، فساد متغول، واقتصاد كاش مهزوم حيث يتحدث عن عنصر النظام والسلطة.

خريطة الطريق نحو العبور إلى المواطنة

لا يقف مرتضى عند حدود الجلد الذاتي والتأيين التاريخي، بل يفتح نافذة استشرافية نحو المستقبل. يرى الباحث أن العبور من ضيق الطائفة إلى رحاب المواطنة يمر حتماً عبر خريطة طريق واضحة الدوافع انطلاقاً من تطبيق اتفاق الطائف كاملاً وبلا استنسابية، والبدء بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية (المادة 95)، وإقرار قانون اللامركزية الإدارية الموسعة. يضاف إلى ذلك إصلاح التمثيل النيابي عبر اعتماد "قانون المجلسين" المذكور في المادة 22 من الدستور، عبر إيجاد مجلس نواب منتخب على أساس النسبية ولائحة خارج القيد الطائفي، مقابل مجلس للشيوخ تتمثل فيه الطوائف بالتساوي لحماية هواجسها في القضايا المصيرية. والأهم يمكن في استعادة حصرية السلاح وخضوع كافة القوى العسكرية والأمنية لسيادة السلطة المدنية الشرعية حصراً، واستعادة قرار السلم والحرب داخل أروقة المؤسسات الدستورية.

ويرى مرتضى أن أيّ عهد جديد أو حكومة إنقاذية (يراهن على خطوات إصلاحية مؤسساتية) لن يكتب لها النجاح إلا إذا جعلت من مرجعيتها الدستور، وتحرير القضاء، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي لصالح المودعين، للانتقال بلبنان من "المزرعة" إلى "دولة الحق والعدل".

الكتاب "مانيفستو" مكثّف

تتجلى قيمة هذا الكتاب في كونه "مانيفستو" مكثف يجمع بين التبسيط المعرفي والتأسيس الفكري؛ فهو يختزل مئات السنين من التاريخ المأزومي في صياغة سلسة تتيح لشباب وسائل التواصل الاجتماعي استيعاب المعضلة اللبنانية من دون الغرق في التعقيدات الأكاديمية الجافة.

هو للأجيال الشابة مرجع  أساسي لتشكيل وعي سياسي نقدي يرفض التبعية للزعيم الطائفي، ويتسلّح بآليات الفهم الدستوري. ويمكن لنخب السياسية وقوى التغيير اتخاذه دليلاً عملياً لبناء البرامج السياسية المرتكزة على إكمال عقد المواطنة وتطبيق المادتين 22 و95 من الدستور اللبناني. وبإمكان المؤسسات التعليمية والثقافية إدراج محتوى هذا العمل ضمن المناهج التثقيفية كنموذج متميز للتربية الوطنية الرشيدة التي تقرأ التاريخ بعين المستقبل لا بعين الماضي.

 

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/26/2026 7:57:00 PM
توفي يشاي زيمرمان عن 93 عاماً، بعدما ارتبط اسمه بالاستيلاء على طائرة مدنية من مطار بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في واقعة انتهت باعتراضه بمقاتلتَي "إف-16" واتهامه بالنهب.
العالم 10/25/2026 11:44:00 PM
توفي التوأمان الإكوادوريان خوسيه لويس وخوسيه أرماندو سيبايوس بعد تعرّضهما لمشكلتين قلبيتين متتاليتين.
مجتمع 10/26/2026 10:33:00 AM
كيف سيكون طقس الأيام المقبلة في لبنان؟
فن ومشاهير 10/26/2026 11:55:00 AM
شاركت النجمة نادين نسيب نجيم صوراً تكشف عن وشم جديد على ظهرها يحمل عبارات ملهمة باللغة الإنكليزية ورموزاً فلكية.