هِلِن طروادة : الحورية والأُسطورة (3 من 5)
في الميثولوجيا اليونانية، وتحديدًا في "أُوديسَّة" هوميروس، أَنَّ هِلِن ولدَت من بيضةٍ بزواج كبير الآلهة زوس من ليدا ملكة سْبارطة. نشأَت هِلِن في سْبارطة، واشتُهرت بأَنها أَجمل امرأَة في الكَون. يُعزى إِليها نُشُوب حرب طروادة الأُسطورية التاريخية بين الإِغريق (الآخيين) وشعب طروادة (حاليًّا: الأَناضول التركية).
في الحلقتَيْن السابقتَيْن مهَّدتُ للموضوع وما جرى من ظروف سبَّبَت الحرب.
في هذه الحلقة أَتوسَّع قليلًا في تفاصيل الحرب.
هِلِنْ "ساقطة" في نظر الأَغارقة
أَيًّا تكُن ملامح الغموض والتناقُض في سرديات الأَدب والفنون حول هِلِن، فاليونانيون - وخصوصًا حيال موقفهم السلبي من النساء منذ پاندور حتى ميديا - كانوا في جُلِّهم يعتبرون هِلِن وقحة ساقطة في هربها مع پارِس. في هذا السياق كتبَت المؤَرخة بابرة غْراسيوزي: "كل من في العالم القديم كان يَستهجن سلوك هِلِن، ويؤْمن أَن أَفروديت إِلهة الحب وآريس إِله الحرب وپارِس وسيم طروادة كانوا مسؤُولين عن الظروف المأْساوية التي أَدَّت إِلى حرب طروادة".

... واندلعت الحرب
المصدر الرئيس عن حرب طروادة، والأَكثر شعبيةً ورواجًا: شِعر هوميروس في ملحمته الكبرى "الإِلياذة" (24 فصلًا من 15،693 بيتًا من الشعر). كتبَها نحو القرن الثامن قبل الميلاد (ترجيحًا بين العام 750 و700)، بناءً على أَساطير تواترت شفويًّا من عهود سالفة.
وفْق نص هوميروس، أَبحرَت إِلى طروادة فلُول جيش سپارطي من ولايات إِغريقية آخية (نسبة إِلى سكانها الآخيين)، وحاصرت المدينة (طروادة) من أَجل تسليم هِلن زوجة ميليناس ملك سپارطة، والعودة بها إِلى سپارطة. جرى ذلك في القرن الثامن قبل الميلاد، عند نهاية "عصر البرونز الإِيجيّ" (الممتد بين العام 1600 والعام 1100 قبل الميلاد). يعزى في تلك الحقبة صراع بين المسينيين الآخيين والحثيين. ويُجمع علماء الآثار المعاصرون اليوم على أَن "المدينة الكبرى العالية الأَسوار الدفاعية المحصَّنة تحصينًا شديدًا في بلاد تركيا الحديثة إِنما هي ترجيحًا مدينة طروادة". ويرى أُولئك العلماء أَن لها طبقاتٍ عدةً من مراحل التاريخ، وأَن التي تُدعى طروادة (بين 1750 و1300 ق.م.) هي المرجحة ساحة الحرب كما وردَت لدى هوميروس في نصوصه عن هِلِن.
غاية الحرب: هِلِن والكُنوز
بدأَت الحرب لأَسباب تجارية بين الولايات ومحاولة اغتنام كنوزها، وهي التي، ترجيحًا، ظهرت ملامحها في قصائد ملحمة هوميروس. فحتى في أَساطير الميثولوجيا، وافق أَغاممنون على قيادة الجيش الإِغريقي لا لينقذ شرف أَخيه مينيلاس ملك سپارطة وحسب، بل ليسبي الكنوز في تلك الولايات.
يرجح المؤَرخون أَن تكون الحرب استمرت عشر سنوات على مدينة طروادة في أنطاليا (آسيا الصغرى = شبه جزيرة غربي قارة آسيا). ولأَن طروادة كانت ذات أَسوار سميكة قوية المناعة والصدود، استمرَّ طويلًا حصارُها وجرت معارك قاسية في السهول الممتدَّة خارجها.
أما هِلِن الحبيسة في المدينة، فكان پْرِيام ملك طروادة وابنه هكتور يعاملانها بالحُسنى والاحترام طوال سنوات الحرب. وكان الأَخير (هكتور) يعتبر پارِس سببًا في اندلاع تلك الحرب الشرسة التي، أَثناءَها، رُزِقَ پارس وهِلِن أَربعة أَولاد، ثلاثة صبيان: بوغونو، أَغانوس، وإِيدايوس، وابنة وحيدة هِلِن. توفي الصبيان الثلاثة يوم انهار عليهم جزء ضخم من أَحد أَسوار المدينة في فوضى السنة الأَخيرة من الحرب.
مبارزَة مينيلاس وپارس
بين الفترات الكثيرة من مراحل الحرب، يبرز مشهد مينيلاس وحدَه يبارز پارس، والشرط: لتكون هِلِن من حصة المبارز الرابح. وإِذ كاد مينيلاس السپارطيّ أَن يتغلَّب على الأَمير الطروادي پارس، سارعت أَفروديت إِلى إِنقاذه وإِبعاده عن ساحة المعركة ووضعه في مأْمن بين أَهله الطرواديين.
نتيجة الحرب كانت انتصار الأَغارقة السپارطيين بفضل حيلة دهياء بحصان طروادة الذي دخل المدينة، وهو خشبي ضخم الجثة كان الجنود السپارطيون مختبئين فيه، فخرجوا من جوفه فجأَةَ وانتشروا يفتحون أَبواب المدينة المغلقة طروادة كي يدخل منها الجيش الإِغريقي السپارطيّ. عندئذٍ، انهزم الطرواديُّون، وسيق كثيرون منهم أَسرى. وكان كل ذلك انتقامًا من العمل الخياني الذي قامت به هِلِن بهربها مع عشيقها الوسيم السپارطي پارِس.
انتهت الحرب بسقوط پارِس صريعَ سهمٍ مسمَّمٍ أَطلقه عليه فيلوكتيت، ونجاح مينيلاس في استرداد زوجته هِلِن وإِعادتها إِلى سپارطة.
الحلقة المقبلة: عودة هِلِن إِلى بيتها الزوجيّ في سپارطة
نبض