"حائكات الأزل" لبسمة الخطيب… هل ترث النساء الحياة أم واجب احتمالها؟

ثقافة 23-10-2026 | 09:53

"حائكات الأزل" لبسمة الخطيب… هل ترث النساء الحياة أم واجب احتمالها؟

في "حائكات الأزل"، تقتفي بسمة الخطيب أوجاعاً تعبر من أمّ إلى ابنتها، وتتركنا أمام سؤال موجع: هل يحقّ للحفيدة أن تضع هذا التعب جانباً، وتعيش الحياة التي لم تستطع جدّاتها عيشها؟
"حائكات الأزل" لبسمة الخطيب… هل ترث النساء الحياة أم واجب احتمالها؟
غلاف الرواية
Smaller Bigger

ماذا يبقى للمرأة من حياتها حين تقضيها في إصلاح ما كسره الآخرون؟ ومتى تصبح قدرتها على الاحتمال عبئاً إضافياً، كأنّ النجاة التي اجترحتها بيديها تُلزمها بمواصلة النجاة إلى ما لا نهاية؟ من هذا القلق يمكن الدخول إلى "حائكات الأزل" للروائية بسمة الخطيب، الصادرة عن دار الآداب. وراء امتداد النساء في الرواية، وتعاقب أسمائهنّ ومحنهنّ، سؤال موجع عن الميراث نفسه: أيكون الوفاء لمن سبقننا بحمل أوجاعهنّ، أم بإيقاف انتقالها إلينا؟

تعود ندى من دفن أمّها، لتجد نفسها أمام أمانة لم تكن تعرف بوجودها. الموت الذي يفترض أن يقفل حياةً يفتح حيوات أخرى. وما تركته الأمّ يتجاوز مقتنياتها إلى مسؤولية لم توافق الابنة عليها بعد. هنا تتخذ زيارة المرأة الغريبة معنى يتعدّى تحريك الحكاية: الماضي يطالب الحاضر بشيء، وعلى امرأة مفجوعة، بالكاد تستطيع احتمال خسارتها، أن تستقبل خسارات لم تعشها.

 

ابن عربي… الشكّ في الاسم

 

 

يفتح الاستشهاد بابن عربي عند عتبة الرواية باب التساؤل عن معنى الأزل وحدود فهمنا له. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الكلمة في العنوان بوصفها سؤالاً عن الزمن، وعن حضور الماضي في حياة النساء وقدرتهنّ على تغيير ما توارثنه من مصائر.

من هنا يمكن اقتراح قراءة للأزل في الرواية بوصفه مشكلة، قبل اعتباره مفتاحاً جاهزاً. كم تحتاج الحكاية من الرجوع إلى الوراء حتى تعثر على أوّل الألم؟ وهل القدم برهان على أنّ ما حدث كان ينبغي أن يحدث؟

 

 

الروائية بسمة الخطيب
الروائية بسمة الخطيب

 

 

ينشأ توتر خصب بين العنوان وهذا السؤال. فمنح النساء أفقاً أزلياً يخرجهنّ من ضيق الأعمار المنفردة، ويمنح وجودهنّ ثقلاً يتجاوز ما اعترف به المجتمع لهنّ. لكنّه يضع القراءة أيضاً أمام خطر تحويل معاناتهنّ إلى صفة ملازمة للوجود. إذا كانت المرأة تتألّم منذ الأزل، فكيف نتخيّل زمناً تستطيع فيه أن تحيا من دون أن تكون مطالبة بإثبات قدرتها على الصبر؟

تكتسب الرواية عمقها حين نقرأ امتدادها النسائي تحت ضغط هذا الاعتراض. فالماضي الذي يعود لا يحمل البركة وحدها، يحمل تكليفاً ثقيلاً أيضاً. وندى، في هذه القراءة، تواجه امتحان التمييز بين ما يستحقّ الحفظ وما يستحقّ أن ينتهي.

 

حين تكون اليد صاحبة معرفة

 

 

تسبق الحكايةَ عتبةٌ معجمية تصل فعل "حاك" بنظم الشعر، وبلوغ أثره القلب، وإنماء المطر نبات الأرض. هذه المجاورة تفتح علاقة أوسع من التشابه بين النسيج والكتابة. فالفعل الواحد يتحرّك بين الصنعة والأثر والنموّ، ويمنح ما تصنعه اليد قدرة على تغيير ما يلامسه.

عند هذا الموضع يمكن وصل الرواية بالموروث اللغوي والأدبي العربي: الألفاظ تحتفظ بصلات قد يفصل بينها استعمالنا اليومي. الشعر والمطر والحياكة تلتقي في فعل يُحدث شيئاً: قصيدة تُنظَم، وأرض تُزهر، وقماش يتكوّن. وبذلك تستعيد الحائكات موقعاً في إنتاج المعنى، بعد أن حُصرت أعمالهنّ طويلاً في تلبية الحاجة.

غير أنّ مساواة الحياكة بالشعر لا تكفي لإنصافهنّ. ينبغي النظر إلى شروط العمل أيضاً: من يملك الوقت؟ من ينتفع بالمنسوج؟ ومن يستهلك عمره في صنعه؟ هنا تصبح ماكينة الخياطة، بما تستنزفه من سنوات، عنصراً ضرورياً في مواجهة فتنة الرمز. فما يبدو للقارئ صورة جميلة قد يكون بالنسبة إلى المرأة التي تصنعه ظهراً يؤلمها ووقتاً لا يعود.

قيمة هذه المفارقة أنّها تمنع اليد من التحوّل إلى أيقونة مطمئنة. اليد تعرف وتبتكر، لكنها تتعب، وقد تُجبر على مواصلة العمل بعدما تفقد رغبتها فيه.

 

ما قبل شهرزاد

 

تضع إشارة الحائكات في المقدمة شرطاً يسبق الاعتقاد بقدرة الحكاية على الإنقاذ: أن يُسمح لهنّ بالكلام. بهذه الإضافة الصغيرة تُفتح مسافة نقدية مع الصورة الموروثة عن شهرزاد. فامتلاك الحكاية والقدرة على روايتها فرصة لم تُتح لكلّ النساء.

يمكن قراءة تانيس، انطلاقاً من ذلك، بوصفها سؤالاً عن مصير التجربة حين يتعذّر التلفّظ بها. لا يجوز أن نطمئن سريعاً إلى أنّ الحياكة عوّضتها عن الكلام، وفي هذا الاطمئنان شيء من التصالح مع الحرمان. تستطيع اليد أن تبتكر وسيلة للتعبير، لكنّ براعتها لا تمحو خسارة الصوت.

هذا ما يمنح الصمت ثقله: كلّ أثر باقٍ يستدعي الانتباه إلى شيء تعذّر قوله. وقد يصل الرداء إلى الحفيدة، فيما تضيع إلى الأبد نبرة امرأة صنعته، أو أمنية لم تجد لها شكلاً. بقاء الأثر عزاء ناقص، وتلك إحدى أكثر المساحات إيلاماً في علاقة الأحياء بمن سبقوهم.

 

أيّ حياة يحقّ لنا استهلاكها؟

 

 

تضيء واقعة إنقاذ أميرة فراشات القزّ من القتل جانباً يتجاوز الشفقة. فصناعة الحرير تضع الجمال أمام كلفته: هل يحقّ لنا أن نمنع كائناً من إكمال تحوّله لكي نحصل على نسيج أجمل؟

يمتدّ هذا السؤال إلى النساء العاملات أنفسهنّ. كم من الأشياء الناعمة استلزم إنتاجها حياة قاسية؟ وكم من بيت بدا مرتباً لأنّ امرأة أخفت تعبها كي يستقيم مظهره؟

عندما تسمح الطفلة للفراشات بالخروج، تختار حياةً لن تتحكّم في شكلها الأخير. وهذا الفعل يمنحنا مدخلاً إلى الأمومة أيضاً، وخصوصاً في علاقة ندى بآدم. فالرعاية تكتسب معناها من الاعتراف بحياة الآخر، بما فيها استقلاله ونموّه خارج رغبات من يرعاه. وفي مقابل هذا الاعتراف، يكشف توتر الزوج مع الطفل مقدار ما قد يختلط في مفهوم الأبوّة من حبّ وامتلاك وطلبٍ لإثبات الذات.

وجود آدم يفتح، كذلك، احتمالاً يتجاوز استمرار السلالة بالإنجاب. يمكن للعلاقة أن تؤسّس قرابة، وللعناية أن تحمل ما يعجز الدم وحده عن ضمانه. عندها يصبح انقطاع التوالد فرصة لسؤال آخر عن الاستمرار: ماذا نمنح لمن نحبّ، وكيف نجنّبه أن يرث خوفنا؟

 

حقّ الحفيدة في ترك الخيط

 

 

يبقى التحدّي الجمالي في هذا البناء الكثيف أن تحتفظ كلّ امرأة بحقّها في الاختلاف. فكلّما اشتدّت وحدة المصير، يخشى أن تصير الشخصيات شواهد متعاقبة على فكرة واحدة، وأن يسبق معناها الرمزي تفاصيل عيشها. يحتاج القارئ إلى رغباتهنّ الصغيرة وتناقضاتهنّ، إلى ما يجعلهنّ أفراداً يتعذّر اختزالهم في تمثيل الأنوثة أو الألم.

والامتحان نفسه يطاول النجاة. فإذا ظلّت معلّقة بموت الزوج أو تدخّل العجيب، فإنّ حدود الممكن المتاح للمرأة تبقى موضع مساءلة، مهما اتّسع الفضاء الأسطوري حولها.

لهذا تبدو ندى أشدّ إثارة للاهتمام حين نتخيّلها قادرة على مراجعة الأمانة التي وصلت إليها. لها أن تحبّ أمّها وجدّاتها، وأن تتألّم لهنّ، ثم تسأل عمّا تستطيع تركه وراءها. فالوفاء للموتى لا يستوجب إعادة حياتهم في أجسادنا.

ربّما يكون الإنصاف الأعمق للحائكات أن تصل إحداهنّ، أخيراً، إلى يوم لا تضطرّ فيه إلى رتق شيء، أن تضع القماش جانباً وتخرج. وراءها تاريخ كامل من الأيدي المتعبة، وأمامها وقت تستطيع أن تسمّيه حياتها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/20/2026 3:10:00 PM
استأنف مطار الملك خالد الدولي عمله، فيما حدّثت شركات طيران دولية مواعيد رحلاتها إلى وجهات سعودية، وأعادت الخطوط الماليزية تشغيل رحلات جدة والمدينة المنورة.
كتاب النهار 10/21/2026 3:55:00 PM
لمجرّد أنه كاهن، غابت عن وسائل التواصل الاجتماعي عبارات الرحمة وترددت كثيراً عبارة "الحمدلله على نعمة الإسلام"
لبنان 10/22/2026 1:50:00 PM
حينما نشر معهد "ألما" الإسرائيلي هذه الدراسة، سَرَت اعتقادات مغلوطة مفادها أن المواقع المزعومة تندرج ضمن بنك أهداف إسرائيل في أي حرب مقبلة ضد "حزب الله".
لبنان 10/22/2026 9:55:00 AM
أعلنت طيران الشرق الأوسط تعديل مواعيد رحلاتها إلى جدة والدمام، مع إتاحة تغيير الحجوزات أو استرداد قيمة التذاكر من دون رسوم، واستمرار تعليق رحلات الرياض.