ريوكو سيكيغوتشي لـ"النهار": المطبخ اللبناني يعكس رغبة السكان في الحياة
من سطح أحد المباني القديمة في بيروت، تحدّثت الكاتبة اليابانية ريوكو سيكيغوتشي لـ "النهار" عن شغفها بالمطبخ اللبناني وتعلّقها بالعاصمة. وبعد زيارتها الأولى عام 2018، تعود هذا الأسبوع للمشاركة في أسبوع "بيروت كتب"، حيث تقدّم كتابها "961 ساعة في بيروت"، الذي تستكشف فيه المدينة من خلال نكهاتها وأطباقها والمشاعر التي تثيرها، جاعلةً من فنّ الطهو مدخلاً إلى الهوية اللبنانية.
بالنسبة إليها، لا يقتصر المطبخ على المكوّنات والوصفات فحسب، بل يروي حكاية مجتمع، ويعبّر عن الروابط بين الأفراد، ويكشف عن أسلوب حياة. وفي بيروت، ترك هذا البعد الإنساني أثراً خاصاً فيها.
تقول: "اكتشفت في بيروت مطبخاً يتميّز بإنسانيّة وعاطفة استثنائيتين، قلّما أجد مثلهما في أماكن أخرى". ومن خلال الأطباق، تلمس "حيويّة الحياة واندفاعها في المدينة"، وخصوصاً رغبة سكانها في الحياة.
المطبخ في مواجهة الكوارث
لماذا اختارت المطبخ، بدلاً من زاوية أخرى، للحديث عن هذا البلد الذي ترك أثراً فيها؟ بالنسبة إلى ريوكو سيكيغوتشي، يرتبط هذا الخيار أيضاً برغبتها في عدم اختزال لبنان في الأزمات التي طبعت تاريخه الحديث.
توضح: "لم أرد أن أقدّم الكارثة كأنها قدر محتومط. فالمطبخ يتيح لها رؤية مختلفة، إذ إن الإنسان يصنع شيئاً جديداً كل يوم، ويحضّره ويتشاركه مع الآخرين. وتضيف: "لذلك، هناك أمل".
في هذه الممارسة اليومية، تجد الكاتبة شكلاً من الاستمرارية. فعلى رغم الصعوبات، يتيح إعداد طبق وتقاسم وجبة إنتاج شيء جديد والحفاظ على الروابط مع الآخرين. وهكذا، يصبح فنّ الطهو وسيلة لرواية حكاية البلد من منظور مختلف، من دون إنكار محنه أو السماح لها بأن تحدّد هويته وحدها.
ومن خلال كتابها "961 ساعة في بيروت"، تتكشّف المدينة عبر ممارساتها اليومية وعاداتها ومشاعر سكانها. ويتيح المطبخ الاقتراب من واقع لا يقتصر على الأحداث السياسية وصور الدمار، بل يظهر أيضاً في التفاصيل العادية والعلاقات الإنسانية.

مدينة غيّر رحيلُ أبنائها ملامحَها
منذ زيارة ريوكو سيكيغوتشي إلى بيروت عام 2018، شهد لبنان تحوّلات كبرى، من انتفاضة عام 2019 إلى انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وصولاً إلى الحروب التي شهدها البلد منذ ذلك الحين.
واليوم، تعود إلى العاصمة لتتأمّل التغيّرات التي طرأت عليها خلال هذه السنوات.
في رأيها، لا تظهر التحوّلات بالضرورة في المشهد العمراني وحده، بل تتجلّى بصورة أكبر في الناس وفي تأثير الأزمات على مسارات حياتهم.
تقول: "أعتقد أن التغيّرات تظهر بصورة أكبر لدى الناس. لقد غادر كثيرون من أبناء بيروت، ولا سيما الشباب منهم". وترى أن هذه الهجرة تركت بصمتها على المدينة، مضيفةً: "نلاحظ الحزن الذي يخيّم على العاصمة، وأعتقد أن هذه المدينة حزينة لرؤية سكانها يغادرونها".
وبذلك، يتجاوز نظرها المباني ليركّز على الأشخاص الذين يمنحون بيروت الحياة. فالمباني يمكن إعادة تشييدها، لكن الجروح الإنسانية يصعب محوها بالسهولة نفسها. وتشدّد على أن "الناس لن ينسوا آثار هذه الأزمات عليهم".
ويمثّل هذا التمييز بين إعادة الإعمار المادي والآثار التي تتركها الأزمات في حياة الأفراد امتداداً، بطريقة ما، لنظرتها إلى المطبخ. فخلف الأماكن والأطباق، تختبئ حكايات وذكريات وروابط قد تضعفها الأزمات، من دون أن تنجح بالضرورة في محوها.

بين اليابان ولبنان... التعلّق لغة مشتركة
ترى ريوكو سيكيغوتشي، التي تتقاطع في تجربتها تأثيرات يابانية وفرنسية، إلى جانب تعلّقها بلبنان، تقارباً خاصاً بين المجتمعين الياباني واللبناني. وعندما سُئلت عن أوجه الشبه بين البلدين، أجابت بحماسة: "نعم، نعم، نعم! أعتقد أن اللبنانيين واليابانيين يتشابهون أكثر مما يتشابه اللبنانيون والفرنسيون".
وبحسب رأيها، يستند هذا التقارب إلى مفهوم أساسي هو التعلّق. وتوضح: "لدينا نحن الاثنين هذا التعلّق بالأشياء، وبالناس، وبالوطن... وبمشاعر الآخرين".
وعلى رغم الاختلافات الثقافية، ترى الكاتبة حساسية مشتركة بين المجتمعين، وأهمية خاصة للروابط العاطفية والعلاقات مع الآخرين. وهذا البعد هو أيضاً ما يغذّي علاقتها بلبنان، ويفسّر المشاعر التي تربطها باكتشاف المدينة.
وتقول: "لهذا السبب، أنتم اللبنانيين تؤثّرون فيّ كثيراً!".
في كتابها "961 ساعة في بيروت"، يتحوّل المطبخ، إذن، إلى ما هو أبعد من موضوعٍ مرتبط بفنّ الطهو. فمن خلال ما تحضّره المدينة وما تتشاركه وما تنقله من جيل إلى آخر، تروي ريوكو سيكيغوتشي حكايتها. وبين النكهات ورحيل السكان والروابط التي تستمر رغم الأزمات، تذكّرنا نظرتها بأن هوية المكان تتشكّل أيضاً من تفاصيل الحياة اليومية ومن تعلّق الأشخاص الذين يعيشون فيه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.
نبض