"يوم العصا البيضاء"... ملف خاص من "النهار" عن المكفوفين
في "يوم العصا البيضاء"، لا نحتفي بعصا تُرشد خطوات كفيف فحسب، بل برمزٍ يختزل صراعاً إنسانياً يومياً من أجل الاستقلال والكرامة والانخراط الكامل في الحياة. فالمكفوفون لا يطلبون التعاطف، إنما يريدون فرصاً حقيقية في سوق العمل، وتقنيات تعيد لهم الأمل بتعويض غياب البصر، واعترافاً بأن الإعاقة البصرية لا تُلغي عقلهم المبدع.
يفتح هذا الملف نافذة على أربعة مسارات مترابطة: واقع فرص العمل وتحدياته أمام المكفوفين، وما وصلت إليه التكنولوجيا في وعدها باستعادة البصر، ثم نماذج من شخصيات فقدت النور لكنها تركت بصماتها في التاريخ، وصولاً إلى سؤال أعمق: كيف يرى المبصرون المكفوفين، وهل تنقصهم أحياناً "بصيرة" لا تُقاس بالعين؟
إليكم أبرز مواد الملف:
1- عبد الرحمن أياس: المكفوفون وسوق العمل: فرص وتحديات في يوم العصا البيضاء
يُعِدّ طالب وظيفة كفيف سيرته الذاتية، ويقرأ متطلبات العمل باستخدام قارئة شاشة، ثم يصل إلى خانة في طلب التوظيف لا يستطيع إكمالها. قد يجتاز المقابلة، ليكتشف أن البرنامج المستخدم في المؤسسة لا يعمل مع أدواته. هنا، يمكن أن تضيع فرصة قبل أن يُختبَر ما يستطيع طالب الوظيفة تقديمه.
خلال يوم العصا البيضاء، الواقع في 15 تشرين الأول/أكتوبر، تستحق هذه التفاصيل اهتماماً يتجاوز الاحتفاء السنوي. ترتبط المناسبة بالاستقلالية والتنقل والمشاركة لدى المكفوفين، بما في ذلك الوصول إلى العمل وممارسته.

2- وعدوا المكفوفين باستعادة البصر فأين وصلت التكنولوجيا؟
وعد إيلون ماسك بأن تقنية Neuralink قد تتيح للمكفوفين الرؤية عبر تحفيز القشرة البصرية مباشرة، وصولاً، وفق توقعاته، إلى رؤية قد تتجاوز البصر الطبيعي. إلا أن مشروع Blindsight ليس الوحيد في هذا السباق، كما أن عبارة "استعادة البصر" لا تعني النتيجة نفسها في جميع التقنيات.
بعض المشاريع وصل بالفعل إلى البشر وأنتج إدراكاً بصرياً اصطناعياً محدوداً، فيما حققت تقنيات أخرى تحسناً قابلاً للقياس لدى فئات محددة من المرضى. أما بعض الوعود الأكثر طموحاً فلا تزال تنتظر الاختبار البشري.

3- ميرا فاضل: حين تتجاوز البصيرة حدود البصر: مكفوفون تركوا بصماتهم في التاريخ
قد نقرأ صفحة من "الأيام" لطه حسين، أو نستمع إلى لحن لعمار الشريعي، أو نترك صوت أندريا بوتشيللي يأخذنا إلى عالم آخر، من دون أن نفكّر في القاسم المشترك بين أصحاب هذه الأعمال. لكلّ منهم حكايته، وموهبته، وطريقته الخاصة في اكتشاف الحياة، لكنّ فقدان البصر لم يكن يوماً كلّ ما يختصر شخصياتهم.
في الأدب والموسيقى والفكر، ترك أشخاص مكفوفون أثراً امتدّ إلى أجيال، فيما فتح آخرون أبواب المعرفة أمام الملايين. من لويس برايل الذي ابتكر نظاماً غيّر طرق القراءة والكتابة، إلى هيلين كيلر التي جعلت من تجربتها صوتاً للدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تتقاطع حكاياتهم عند حقيقة واحدة: أنّ ما يتركه الإنسان في هذا العالم لا يُقاس دائماً بما تراه عيناه، بل بما يصنعه في حياة الآخرين.

4- غاندي المهتار: العمى... بعيون المُبصرين
نعرف أن الكفيف لا يرانا، لكن هل يعرف كيف نراه؟ كيف ننظر إليه حين يدخل غرفة، أو يتقدّم إلى وظيفة، أو يقول إنه يريد أن يحبّ ويتزوّج ويؤسّس عائلة؟ قد لا يرى تعابير وجوهنا، لكنه يستطيع أن يلمس نظرتنا في الطريقة التي نعامله بها: في سؤال نوجّهه إلى مرافقه بدلاً منه، وفي دهشة مبالغ فيها لأنه يستخدم هاتفاً، وفي قرار نتّخذه نيابةً عنه، مقتنعين بأننا نعرف مصلحته أكثر مما يعرفها.
مرةً، سمعت مثلاً شعبياً في إحدى المناطق اللبنانية، مأساوياً في قسوته: "وين ما شفت الأعمى دبّه، مانك أكرم من ربّه". لا يختصر هذا القول مجتمعاً بأكمله، ولا يصحّ تحميل الناس جميعاً منطقه، لكنه يكشف إلى أين يمكن أن يصل تحويل الاختلاف إلى وصمة. يستدعي المثل الله لتبرير الأذى، كأن فقدان البصر حكمٌ على قيمة الإنسان، وكأن القسوة استكمالٌ لمشيئة إلهية. هكذا، يمنح الموروث الشعبي التمييزَ غطاءً، ويقدّمه في هيئة حكمة تتناقلها الألسنة.

5- زهير غدار: عاطف عتر... لا يرى بعينيه لكنه يُسجّل الأهداف ويسمع ما لا يسمعه الآخرون
"أنا ما بشوف، بس بقدر سجّل الطابة بالسلة". بجملة تختصر الكثير من حكايته، يقدّم عاطف عتر نفسه للعالم من زاوية مختلفة، لا تُعرّفه بما فقده، بل بما لا يزال قادراً على فعله. خلف هذه العبارة حكاية رجل فقد بصره بعد عملية ليزر، وعاش سنوات في مواجهة الصدمة، قبل أن يجد طريقه مجدداً إلى الحياة والعمل، متمسّكاً بأحلام لم تتوقف عند حدود ما تراه العين.
كان عاطف يرى قبل أن يتعرّض، بحسب روايته، لخطأ طبي خلال عملية ليزر للعين. ويشرح أنّ لديه تاريخاً عائلياً لمرض وراثي في العين، وأنّ الفحوصات التي سبقت العملية أظهرت، وفق ما قيل له، أنّ عينيه تتحمّلان أشعة الليزر. لكنّ النتيجة جاءت مختلفة تماماً عمّا توقّعه؛ إذ يقول إنّ العملية ألحقت ضرراً بشبكة الأعصاب في عينيه، فلم يعد يرى سوى شعاع الضوء.

نبض