الحبيب السالمي في معرض بيروت للكتاب: التفاصيل الصغيرة تفتح أسئلة الحياة
لا يحتاج الحبيب السالمي إلى حدث صاخب كي يفتح نافذة على المجتمع. علاقة بين جارتين، ارتباك رجل أمام امرأة، أو نقاش يتسلّل إلى الحياة اليومية، تكفي لتبدأ الرواية طرح أسئلتها. في ندوة "كتابة التفاصيل الصغيرة: حوار مع الحبيب السالمي"، ضمن معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته السابعة والستين، أضاء الروائي التونسي طريقته في بناء عوالمه، خلال حوار أدارته الروائية رُوى بو حمدان.
المعنى يتراكم مثل الغبار
لم يتخذ السالمي قراراً مسبقاً بأن يصبح روائي التفاصيل الصغيرة. التسمية جاءت من قراءات النقاد لأعماله. فالتفصيل يستمدّ قيمته من علاقته بالتفاصيل الأخرى، ومن امتداداته داخل الشخصيات والأحداث. وقد يبدو المشهد بسيطاً، لكن تراكمه يتيح ظهور معنى لم يكن واضحاً عند البداية.
ولشرح هذه العملية، استحضر صورة الغبار الذي يتساقط من دون أن نراه، حتى نكتشف طبقة تكوّنت فوق الأشياء. هكذا تنمو الرواية عنده: فكرة تتجسّد في حكاية، وشخصيات تمنحها حياة، وتفاصيل تتجاور وتتفاعل. الكتابة هنا عمل دقيق، يتقدّم تدريجاً، فيما يتشكّل المعنى داخل النسيج السردي.
الثورة في العلاقات اليومية
من هذا المنظور، تناول السالمي الصلة بين "نساء البساتين" و"عطلة في حي النور". رفض اعتبار الرواية الأولى نبوءة بالثورة التونسية، وردّ ما التقطته إلى الإصغاء لحركة الواقع. وفي الثانية، عاد إلى فضاء اجتماعي قريب ليتأمّل ما أحدثته الثورة في حياة الناس.

ما يشغله هو أثر التحوّل في علاقة الأب بابنه، والجار بجاره، وفي النقاش الذي دخل مجتمعاً اعتاد الصمت. تتحوّل السياسة، بهذا المعنى، إلى سلوك يومي يمكن رصده، ويصبح السؤال عن الثورة سؤالاً عمّا تغيّر في الإنسان وطريقته في التعامل مع الآخرين.
وتشغل العلاقة بين الرجل والمرأة موقعاً مركزياً في هذا العالم، لأنها تكشف المسافة بين الرغبات وما يسمح المجتمع بإعلانه. وفي حديثه عن "بكارة"، نقل الاهتمام من الجسد إلى الذهنية التي تختزل شرف العائلة في جسد المرأة، متأمّلاً النفاق الاجتماعي وقدرته على التغلغل في العلاقات والثقافة والسياسة.
لغة دقيقة وحياة تتّسع للشيخوخة
في الكتابة، يدافع السالمي عن الاقتصاد والدقة. جمال العربية وتراثها الشعري يضعان الكاتب أمام مسؤولية اختيار الكلمات وضبط اندفاعها، حتى تظلّ قادرة على التعبير عمّا يريد. البساطة ثمرة اشتغال، والأسلوب صوت يتكوّن بالابتعاد عن الإنشاء واستعراض البلاغة.
والحكاية، في تصوّره، تفتح الطريق إلى ما تولّده من أفكار وأحاسيس ورؤى وأسئلة. من هنا تبدو الرواية شكلاً من التأمّل في الحياة، وتظهر الشيخوخة مرحلة تحتفظ بإمكان الفرح والرغبة والخيال، حتى مع حضور الموت في أفقها.
وفي ختام الحوار، عاد إلى طفولته الريفية وإقامته في باريس. اتّسعت تجربته، وبقيت سنواته الأولى حاضرة في نظرته. بين المكانين، تتكوّن عين تلتقط ما يمرّ أمام الآخرين عابراً، وتمنحه وقتاً كي يكشف معناه. ولعلّ تلك هي قوة التفاصيل في عالمه: أن تقرّب القارئ من حياة يعرفها، ثم تتركه أمام أسئلة لم ينتبه إليها.
نبض