صراع الخاسرين: هل تخسر الأرثوذكسية وحدتها؟

ثقافة 14-10-2026 | 12:46

صراع الخاسرين: هل تخسر الأرثوذكسية وحدتها؟

عندما انعقد مجمع كريت سنة ٢٠١٦، كان الأمل أن يشكل بداية مرحلة جديدة من العمل الأرثوذكسي المشترك.
صراع الخاسرين: هل تخسر الأرثوذكسية وحدتها؟
صراع الخاسرين.
Smaller Bigger

جورج غندور

 

لم تعد الأزمة الأوكرانية مجرد خلاف حول استقلال كنيسة محلية، ولا نزاعًا قانونيًا حول حدود الصلاحيات بين موسكو والقسطنطينية. لقد تحولت، خلال أقل من عقد، إلى مرآة لأزمة أعمق تطال العالم الأرثوذكسي كله، وتطرح أسئلة لم يعد ممكنًا تأجيلها حول معنى الوحدة، وحدود الأولية، ودور المجمعية، وعلاقة الكنيسة بالسياسة والقومية، ومستقبل العلاقات بين الكنائس المحلية.

 

عندما انعقد مجمع كريت سنة ٢٠١٦، كان الأمل أن يشكل بداية مرحلة جديدة من العمل الأرثوذكسي المشترك. لكن ما عجزت الكنائس عن معالجته آنذاك عاد ليظهر بصورة أكثر حدة في أوكرانيا. وخلال سنوات قليلة، انتقلت الأرثوذكسية من أزمة عدم القدرة على الاجتماع إلى أزمة عدم القدرة على البقاء معًا.

 

بدأت القضية الأوكرانية باسم الوحدة. فقد قُدِّم منح طرس الاستقلال بوصفه محاولة لإنهاء انشقاق طويل وإعادة توحيد الأرثوذكس في أوكرانيا. لكن النتائج جاءت مختلفة عما كان مأمولًا. فبدل أن تتقلص الانقسامات، اتسعت؛ وبدل أن تتعزز الشركة بين الكنائس، شهد العالم الأرثوذكسي قطعًا للشركة وانقسامًا متزايدًا حول مفاهيم السلطة والشرعية والحدود الكنسية.

 

أخطر ما في هذه الأزمة أنها حوّلت الجميع إلى خاسرين.

 

فالقسطنطينية نجحت في تثبيت واقع كنسي جديد في أوكرانيا، لكنها دفعت ثمن ذلك جدلًا غير مسبوق حول حدود أوليتها وصلاحياتها، وواجهت تحفظات واعتراضات من عدد من الكنائس الأرثوذكسية.

 

وفي المقابل، لم تخرج موسكو منتصرة. فقد خسرت جزءًا مهمًا من حضورها التاريخي في أوكرانيا، ودخلت في قطيعة كنسية مع القسطنطينية، ثم جاءت الحرب لتزيد الأزمة تعقيدًا، ولتفتح نقاشًا أوسع حول علاقة الكنيسة بالدولة والمشروع السياسي والقومي.

 

أما أوكرانيا نفسها، التي كان يفترض أن تكون المستفيد الأول من الاستقلال الكنسي، فما زالت تعيش انقسامًا كنسيًا عميقًا، زادته الحرب تعقيدًا، وجعلته جزءًا من صراع سياسي وقومي ودولي يتجاوز بكثير حدود الشأن الكنسي.

 

ولم تبقَ الكنائس الأخرى خارج الأزمة. فالحياد لم يمنع انتقال تداعياتها إليها، والصمت لم يعفها من الأسئلة التي فرضتها أوكرانيا حول الأولية والمجمعية والاستقلال والولاية الكنسية. وما شهدته إستونيا وليتوانيا ومولدوفا وأفريقيا وغيرها يؤكد أن ما بدأ في أوكرانيا لم يبقَ محصورًا داخل حدودها.

 

الخاسر الأكبر قد يكون المؤمن الأرثوذكسي العادي.

فهو الذي وجد نفسه أمام كنائس تتنازع الشرعية وتقطع الشركة، وقرارات متعارضة، وخطابات تتحدث جميعها باسم الوحدة فيما يتعمق الانقسام. وبينما ينتظر من الكنيسة أن تكون علامة للمصالحة والرجاء، يراها أحيانًا أسيرة الصراعات نفسها التي كان يفترض أن تساعد العالم على تجاوزها. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الأزمة: اهتزاز الثقة بقدرة المؤسسات الكنسية على معالجة خلافاتها بروح الإنجيل ومنطق الشركة.

 

لقد كشفت السنوات الأخيرة أن المشكلة ليست أوكرانيا وحدها. ثمة غياب لرؤية أرثوذكسية مشتركة لإدارة الخلافات الكبرى. فالكنائس لا تزال تختلف حول مفهوم الأولية، وحدود السلطة، وآليات منح الاستقلال، وكيفية معالجة الانشقاقات، ولا يوجد حتى اليوم إطار مجمعي فاعل قادر على إنتاج حلول تحظى بقبول أرثوذكسي واسع.

 

لكن الأزمة كشفت شيئًا أكثر عمقًا من ضعف الآليات، وهو ضعف الإرادة المجمعية نفسها.

فالمجمعية ليست اجتماعًا عند الضرورة، ولا مجرد آلية لتوزيع الصلاحيات، ولا وثيقة توافقية يجري التفاوض على عباراتها. إنها قبل كل شيء ثقافة كنسية، تقوم على الاستعداد للإصغاء، والقبول بأن الآخر شريك لا خصم، والاستعداد لتقييد ممارسة السلطة من أجل الشركة، وتقديم وحدة الكنيسة على الاعتبارات القومية وحسابات النفوذ.

 

وهذا يضع الكنيسة كلها أمام سؤال أكثر جذرية من الأسئلة القانونية والتاريخية التي استهلكت العالم الأرثوذكسي طوال السنوات الماضية.

المشكلة ليست أن يكون للكنيسة موقف من قضايا شعوبها، ولا أن تنعزل عن التاريخ والسياسة والمجتمع. فالكنيسة تعيش في العالم ولا تستطيع أن تكون غريبة عن آلامه وتحولاته. المشكلة تبدأ عندما تنجح السياسة في إقناع الكنيسة بأن معارك الدول والقوميات ومناطق النفوذ هي معاركها هي، وأن انتصار هذا المحور أو ذاك انتصار لها، وأن الجغرافيا السياسية يمكن أن تصبح معيارًا لرسم الجغرافيا الكنسية.

 

عندها يصبح السؤال أكثر إيلامًا، هو ماذا لو كان الجميع، وهم يدافعون عن حقوق كنسية حقيقية أو مفترضة، قد سمحوا تدريجيًا للسياسة بأن تعيد تعريف القضية نفسها؟ ماذا لو أصبح الانتصار في النزاع أهم من استعادة الأخ، وتثبيت الصلاحية أهم من حفظ الشركة، وإثبات الحق التاريخي أهم من البحث عن الطريق الذي يبقي الكنيسة واحدة؟

 

المعنى الأعمق لـ"صراع الخاسرين"

القسطنطينية قد تثبت صلاحية، وموسكو قد تحافظ على نفوذ، وكنيسة قد توسع حضورها وأخرى قد تدافع عن حدودها التاريخية. لكن كل هذه المكاسب تصبح صغيرة إذا كان الثمن أن تفقد الأرثوذكسية قدرتها على الاجتماع والصلاة والحوار واتخاذ القرار معًا.

الخسارة الحقيقية لا تبدأ عندما تخسر كنيسة أرضًا أو ولاية أو نفوذًا، بل عندما يصبح الآخر الأرثوذكسي خصمًا ينبغي الانتصار عليه بدل أن يكون أخًا ينبغي استعادة الشركة معه.

من هنا قد لا يكون السؤال الذي سيطرحه التاريخ على هذه المرحلة هو : من كان يملك الحجة القانونية الأقوى؟ ومن امتلك الوثيقة التاريخية الأقدم؟ ومن انتصر في أوكرانيا أو إستونيا أو أفريقيا؟

 

قد يكون السؤال أبسط وأقسى: أين كان المسيح في كل ذلك؟

 

إذا كان "المسيح وحده القضيّة"، تصبح الأولية والمجمعية والاستقلال والحدود الكنسية وسائل في خدمة وحدة جسده، لا غايات قائمة بذاتها تتصارع الكنائس من أجلها. ويصبح القانون الكنسي وسيلة لحفظ الشركة لا سلاحا في معركة النفوذ. وتصبح الأولية خدمة للوحدة لا امتيازا للسلطة. وتصبح المجمعية أكثر من تقنية لاتخاذ القرار. تصبح طريقة الكنيسة في رفض أن يختزل أي طرف حقيقتها في ذاته.

 

فالمسيح أكبر من كل كنيسة محلية، ووحدة الكنيسة أثمن من انتصار أي مركز كنسي، والحقيقة الكنسية لا تحتاج إلى غالب ومغلوب بقدر ما تحتاج إلى إخوة قادرين على الجلوس مجددًا حول الطاولة نفسها.

 

ولذلك، فإن الخروج من الأزمة لا يبدأ فقط بالبحث عن تسوية أوكرانية، ولا بصياغة تعريف جديد للأولية، ولا حتى بعقد مجمع جديد، على أهمية كل ذلك. إنه يبدأ باستعادة السؤال الذي ضاع وسط النزاع، أي ما القضية التي من أجلها توجد الكنيسة أصلًا؟

 

فإذا كانت القضية هي المسيح، يمكن عندها إعادة ترتيب بقية القضايا. أما إذا أصبحت السياسة والقومية والنفوذ والحدود والذاكرة التاريخية هي القضايا، فلن تكفي أفضل النصوص القانونية لإنقاذ الوحدة.

 

إن مستقبل الأرثوذكسية لن يتحدد بحجم ما تكسبه هذه البطريركية أو تلك، بل بقدرتها على استعادة ما خسرته خلال هذا العقد المضطرب. أي الثقة المتبادلة، والشركة الكنسية، والإرادة المجمعية، والشهادة المشتركة للإنجيل.

 

وهنا ربما يكمن المعنى الأخير لـ"صراع الخاسرين". أي أن ينشغل الجميع بما يعتقدون أنهم يربحونه، فيما تخسر الكنيسة شيئًا أكبر منهم جميعًا.

حين تصبح السياسة قضية الكنيسة بدل أن يبقى المسيح قضيتها، لا يعود السؤال من انتصر ومن انهزم. يكون الجميع قد خسروا.

 

(صدر للمؤلف عن دار النهار للنشر، كتاب "صراع الخاسرين: أزمة الأرثوذكسية العالمية").

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/13/2026 6:00:00 AM
بعد الهجمات على مطار الرياض، تواجه السعودية معادلة صعبة: كيف توقف صواريخ الحوثيين من دون الانجرار إلى حرب جديدة؟ وأيّ الخيارات الأربعة يتيح لها قلب المعادلة؟
دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
لبنان 10/13/2026 11:50:00 AM
دعموش: "هدف برنامجنا هو الناس والمتضرر المباشر الذي هجر من مسكنه الفعلي، ولا يملك مسكناً بديلاً"...
لبنان 10/13/2026 12:02:00 PM
أقرّ الضمان الاجتماعي زيادة تعرفة معاينات الأطباء في العيادات الخاصة للمرة الخامسة منذ حزيران/يونيو 2023، ودعا الأطباء إلى الالتزام بالأسعار الجديدة لتخفيف الأعباء عن المضمونين.