ميثاق العبور وشهادة الخلاص الأخير
سناء يحفوفي
في البدء كانت كلمة، ومن سديمها ينهض المعراج الأوّل نحو أغوار النّص. تستدعي عتبة غلاف "آخرُ المُنْجِيات" فتنة القراءة؛ إذ يغدو الرّمز فيه طقس إشرافٍ قبل حلوله، فما "العنوان" في العرف السّيميائي إلا بؤرة تتكثّف فيها المادة الأدبيّة لتبدو إشارةً أولى، أو مرآةً يتكسّر فيها الضّوء القادم من مجهول الصّفحات.
والعنوان، في اشتغاله الأصيل لدى الدّكتور محمد إقبال حرب، يُطلق إشراقته الأولى في سِفْره الصّادر حديثاً "آخر المُنجِيات"، ليأتي ميثاق عبورٍ يشهره المبدع في وجه العتمة الوجوديّة، وعتبةً حيّةً تمارس حضورها المزدوج؛ فتشيع في الأفق هيبة الدّاخل، ممارسةً غوايتها الشّعرية عبر شفرتين: الأولى تتهادى باللّغة ومجازها، والأخرى تستبدّ بالبصر وأيقونته.
تتنزّل عتبة الكتاب "آخرُ المُنْجِيات" في مدخلها الرّؤيوي، حيث تستوجب فكرة الخلاص في راهنٍ إنسانيٍّ متكسّر، مستعيدة ذاك الشّغف الذي تسكّع في أدبيّات الوجوديّة والرّوحانيّات الإنسانيّة؛ فيصبح البحث عن بذرة السّلام ممارسةً أخلاقيةً، وموقفاً جماليّاً يحاكي إشراقة "ألبير كامو" حين جعل من التّضامن الإنسانيّ الملاذ الوحيد للرّوح وسْطَ عبثيّة هذا العالم وهشاشته.

وفق هذا التّواشج البليغ، يقف المتلقّي أمام صرحين يتضافران لتشييد الدّلالة: نصٌّ لغويٌّ يتآزر بصرامة التّركيب وحمولة التّراث، ونصٌّ بصريٌّ يعيد الحفر في طين الأسطورة وذاكرة الأيادي الأولى؛ فتجيء الصورة امتداداً رؤيويّاً لما استقرّ في فكر المؤلّف وصبّه في العنوان، ليغدو مفتاحاً لما تكتنزه لوحة الغلاف من طبقات الذّاكرة والزّمن.
فكيف تغدو "عتبة الكتاب" صرخةً مشفّرة تستشرف الهاوية وتلتمس النّجاة في آن واحد؟
وكيف تتشابك العلامة النّصّية مع الأيقونة التّرابيّة -لوحة الغلاف- لتصوغا معاً "البيان الأخير" لهذا العمل الأدبيّ؟
تجليّات العتبة بين زمنيّة الحسم واتّساع التّطهير
ينفتح تحليل العتبة على مفهوم النّاقد الفرنسي جيرار جينيت ورؤيته، في اعتبار العنوان أحد عناصر المحيط النّصيّ الذي يمنح النّص هويّته ويوجّه سنن القراءة ومسالكها. وفي ضوء علم الدّلالة، يتكثّف العنوان "آخر المُنْجِيات" في ثنائيّة لغويّة شديدة الاقتصاد، واسعة الإيحاء.
تأتي لفظة "آخر"، محمّلة بصرامة الانقطاع والحسم، فتغلق القوس على زمن الخيارات المرجأة، وتعلن هول "اللّحظة الحادّة"، شاحنةً النّص بتوتّرٍ دراميٍّ يوحي أن الرّوح تقف على حافة التّماس، حيث لا خيار يسبق الانقشاع أو الهلاك.
وفي الامتداد المعجمي المورفولوجي لـ"المُنْجِيات"، تتدفّق صيغة الجمع المؤنث السّالم، ليرتفع بالدّلالة، ويتعدّى حدود الإنقاذ المادّي المباشر، متجاوزاً إياه إلى أبعادٍ تطهيريّة تتصل بالفضائل الخالدة، ليستردّ جوهر إنسانيّته قبل سدائل السّتار.
يعبر بنا الرّوائي إلى فضاءٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ تتعدّد فيه وجوه النّجاة ووسائطها، متخطّياً بها صورتها المادّيّة؛ فصيغة الجمع -المنجيات- تفتح المعنى على قيمٍ ومحاولاتٍ استثنائيّة، تتّصل بما يستبقي للإنسان جوهره في لحظة التصدّع، لتتجلّى العبقريّة البنيويّة في لفظة "آخر"، وتضغط الزّمن إلى أقصى درجات الحرج والمصيريّة، بينما "المُنْجِيات" تفضي بالذّات الى رحابة الخلاص؛ لتقوم المعادلة الوجوديّة على أنّ النّجاة هي الموقف الأخلاقي الأخير الذي يُنجي القيم من التّبدّد.
شعريّة الهندسة الأيقونيّة، من ذاكرة القرابين إلى طقس الحساب
تبدو لوحة الغلاف للمتلقّي نقشٌاً معتّقٌاً بالدّفء التّرابيّ يمنح العتبة جسدها المرئيّ، فيتشابك الخطاب البصريّ مع البنية النّصيّة تشابكاً عضويّاً، لتصبح -اللّوحة- نصّاً موازياً يفيض بالدّلالة ولا يكتفي بتمثيلها؛ ليهدي العنوان أبعاده المحسوسة، ويستعيد ذاكرة الحضارات القديمة.
رمزية الأيادي والمستودع المرفوع: الوشوم المنقوشة على صدر الكتاب، تظهر كأنّها نزوعٌ حادٌّ لرفع وعاء المودة، حيث تشخص الأيادي الممتدّة عاليّاً، مستحضرةً في حركتها إنسانيّةً موغلة في القدم. يرتبط هذا الوعاء بفعل العطاء واستسقاء الرّحمة وحفظ ما يُقدَّم، لتتكوّن صياغة بصريّة تدعو الكائن إلى الانفلات من ثقل المادة، وإلى تلمّس الرّحمة الإلهية؛ فيغدو الوعاء المرفوع صومعةً مستورةً، فيما يبقى بين اليد والفضاء مستودعٌ لما يُرجى له البقاء من قيمةٍ تحفظ الفضيلة من الاندثار.
ميزان الحقّ وسلال الحصاد (سيمياء الغائب الحاضر): السّلال وما تحمله من ثمار الوفرة، والأواني، والعلامات الموزّعة في فضاء هذه الأيقونة لا تقف عند حدود التضرّع الابتهالي، بل تتعدّاها إلى هندسةٍ سيميائيّةٍ أكثر تدفّقاً. وترتسم في خلفيّة النّقش أيقونة "الميزان" الشّاخص بثباتٍ فوق الأوعية والرّؤوس، ليتكامل الميزان مع سلال الثّمار المكتنزة بالعطاء، ومربّعات الإحصاء، والأواني الدّقيقة، فتتقابل في المشهد حركة "التّقديم والقرابين" في مواجهةٍ طقسيّةٍ مع الحساب والعدالة الرّحيمة، ليتبيّن أنّ النّجاة في عرف الرّوائي هي حصادٌ لما يضعه الإنسان في ميزان الحقّ والقيمة.
الأركيولوجيا الحضاريّة وأبديّة القانون: نتلمّس في الألوان الخشبيّة والتّرابيّة حياةً تمنح المادة الحجريّة بُعدها الأسطوريّ، الذي يعيد وصل الإنسان بطينته الأولى لينبسط المعنى، فيستحضر الحفر ذاكرة العلامات التي خلّدتها الأيدي على جسد المادة. من هنا، يتّسع معنى الخلاص في جسد اللّوحة، ويبدو ليس حلولاً طارئةً أو رتقاً موقّتاً، بقدر ما هو قانونٌ إنسانيٌّ أزليٌّ، يمتد بجذوره من خلف البدايات ليصل إلى مشارف واقعنا المعاصر.
من الغلاف إلى نبوءة السّرد في سِفر "آخر المُنْجِيات"
يتآزر المشهد البصريّ مع العتبة اللّغوية في صياغة وعدٍ تأويليّ يسبق قراءة الكتاب؛ إذ تنقل أصالة الأيقونة الغلاف من بؤرة البصر المباشر إلى بصيرة المتلقّي. وإنّ الجمع بين الحسم في "آخر" والاتّساع الرّوحي في "المُنْجِيات" يفتح أفقاً رؤيويّاً يشي بقلقٍ إنسانيٍّ إزاء لحظةٍ فارقةٍ، يهدي "المناجاة الأخيرة" وعياً بما يتهدّد الذّات من تصدّعٍ وانهيار. هكذا، يمكننا قراءة اللّوحة: إيماءة حفرٍ أركيولوجيٍّ في ذاكرة الرّوح، تستعيد دفق البدايات وقيم التّعاضد والتّسامي لتغدو سداً منيعاً في وجه الجفاف الرّاهن.
وإنَّ د. محمد إقبال حرب في مؤلّفه هذا، يعدنا بمحمولٍ فكريٍّ وفلسفيٍّ يلامس الأزمات الإنسانيّة الكبرى؛ إذ يحثّ المتلقّي على أن يبحث في عزّ تيهه عن تلك "القشّة" الشّفيفة التي تصون إنسانيّته من الاضمحلال. وهو في امتداده السّردي، يقودنا إلى مضارب قصصيّة تخوض فيها الشّخصيّات اختباراتها المصيريّة الحاسمة، لتتلمّس التّطهّر النّفسيّ في اللّحظة التي تسبق الانزلاق الكبير.
هذا التّوقّع يستمدّ مشروعيّته من اقتران العنوان "آخر المُنْجِيات" باللّوحة التّجريديّة التي تضرب في أعماقها التّضرّع والرّجاء، والإنسان وما يقدّمه في لحظة مصير، والميزان والحساب.
وفي أعمق التّجلّيات، يبزغ هذا العمل مقاربة رؤيويّة ساطعة تعيد الاعتبار للقيم التي دهستها حداثة الاستهلاك، فتتحول المحبّة، والوفاء، والعطاء من مفاهيم هائمةٍ إلى أطواق نجاةٍ تُنتشل بها المجتمعات المعاصرة من حافة التّردّي. وينصهر الفعل الإبداعي بذات مؤلفه؛ ويتحوّل هذا السِّفر الأدبيّ- الفلسفيّ إلى وعاءٍ رمزيٍّ يمارس طقوس التّجلّي مفتوحاً على سؤال الخلاص، ليشهد أن الكلمة الصّادقة والموقف الأخلاقيّ الصّريح هما -في حقيقتهما-"آخرُ المُنْجِيات".
ولعلّ الغلاف، في خاتمة هذا العبور، يضعنا أمام إنذارٍ خافتٍ يوقظ في القاع الرّوحيّ شعوراً مباغتاً:
فأيّ المُنْجِيات تبقى للإنسان حين تضيق به السُّبل؟
وأيّ قيمة تستطيع أن تعبر به من عتبة السّقوط إلى ضفاف الخلاص؟
إنه الإنذار الأخير المبثوث في وجه المجتمع، يضعه أمام اختبارٍ حادٍ لا يقبل المساومة، إما التشبّث بنور الفضيلة، وإما الانسحاق في عتمة الهاوية.
نبض