ريادة الشعر لا تعني تجاوزَ قواعده (2 من 2)

ثقافة 13-10-2026 | 10:18

ريادة الشعر لا تعني تجاوزَ قواعده (2 من 2)

هذا الاحتفاء، إِضافةً إِلى رأْي كارسون في التجديد بــ"تكسير القواعد الأَدبية"، يفتح مجدَّدًا عُمْق النقاش في ماهية التجديد والريادة إِنما... من دون التخلِّي عن النُظُم والأُصول.
ريادة الشعر لا تعني تجاوزَ قواعده (2 من 2)
أَنطُون قازان: النثْرُ المنَصَّع
Smaller Bigger

قبل أَيام، ذهبَت "جائزة نوبل للأَدب" إِلى الكاتبة الكندية أنَّا كارسُون، على تجربتها "تكسير القواعد الأَدبية المأْلوفة وإِزالة الحدود التقليدية بين الأَنواع الأَدبية، وإِنشاء مزيج من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات".      

وبعد مئة عام على ولادة بدر شاكر السياب (1926-1964) وعبد الوهاب البياتي (1926-1999) وبلند الحيدري (1926-1996)، احتفَت بهم بغداد في ندوات عنهم وقراءات من قصائدهم الريادية.  

 

هذا الاحتفاء، إِضافةً إِلى رأْي كارسون في التجديد بــ"تكسير القواعد الأَدبية"، يفتح مجدَّدًا عُمْق النقاش في ماهية التجديد والريادة إِنما... من دون التخلِّي عن النُظُم والأُصول.

 

 

 

 أَنطون غطاس كرم: النثْر المنحوت
أَنطون غطاس كرم: النثْر المنحوت

 

 

 

النثْر فضيحة الشاعر

في الحلقة السابقة، ذكرتُ أَن "الشعر المنثور" و"قصيدة النثر" و"النثر الشعري"، تسمياتٌ مُدَّعَاةٌ تُهينُ قيمةَ النثر، فيما النثْر فنٌّ عظيمٌ في ذاته، لا يجوز ربطُه بفن الشعر لإِعلاء قيمته. 

رُبَّ ناثرٍ متمكِّنٍ يُبدع في نثْره أَبلغَ من أَيِّ شاعر، حتى إِذا "ارتَكب" الشعر جاء شعره نظْمًا باردًا.

ورُبَّ شاعرٍ متمكِّنٍ مُبدعٍ، إِذا كتب النثرَ جاء نثرُهُ مسطَّحًا عاديًّا دون قيمة شعره. من هنا أَنَّ النثر فضيحةُ الشاعر، كما الشعرُ فضيحة نظَّامين "يَتلطَّون" خلف تقطيع الوزن وتلميع القوافي وتطريب الإِلقاء، فيما أَبياتُهم مرصوفةُ التراكمِ عموديًا وليس فيها بيت واحد ذو إِبداع.

 

"بيت القصيد"

في السائد أَنَّ الشعر معنى ومبنى ووزن. لا. أَبدًا. هذا تقليل من أَهمية الفن الشعري. المعنى موجود أَنَّى كان، والمبنى متوافر لأَيٍّ كان، والوزنُ مطروحٌ في كل زمان. الأَصل: ليس "ماذا نكتب" بل "كيف نكتب ماذا". وهذا ما يميِّز قصيدةً منظومةً باردةً عن أُخرى مشغولةٍ إِبداعيَّة.

المعيار؟ تركيب القصيدة. الأَهم؟ أَن يكون في كل بيت "لَمْعة" تركيب شعرية. وهذا نادر حتى بين كبار الشعراء، لأَن معظمَهم يُراكم أَبياته متتاليةً حتى يَبْلغ "بيت القصيد"، فيما الشاعرُ الشاعر هو مَن يَجهد إِلى جعل كلٍّ من أَبياته "بيت القصيد".

 

 

 

 عمر فاخوري: النثر الأَدبي
عمر فاخوري: النثر الأَدبي

 

 

 

النثْر عديل الشعر

هذا "النحتُ" الجماليُّ الصعبُ في "فنّ" الشعر، أَعني مثيلَه تمامًا في الفنِّ الصعبِ الآخر الذي هو النثْر. إِذا مقطوعةُ الأَوَّل هي القصيدة، فمقطوعة الأَخير هي "النَثيرة". وإِذا الشعر هو الكلامُ المغايرُ (تركيبًا) عن الكلام العادي (رصفًا سرديًّا)، فالنثْر كذلك - وتمامًا وتساويًا - هو الآخَر نَسْجُ الكلام صقلًا وتنصيعًا بما لا يقلّ "نحتًا" عن نسْج الشعر.

هكذا يتعادل الإِبداع بين القصيدة والنَثيرة. فالنثْر حبيبٌ إِليَّ كما الشعر، لإِيماني بأَنَّ كلَيهما فنٌّ عظيمٌ لا تَفَوُّق لأَحدهما على الآخَر إِلَّا بإِبداعِ مُتَمكِّنين ينصِّعونه، فيَغنى أَدبُنا بقصائد ونثائر تُشكِّل تراثَنا العربي قديمَه والمعاصر.

وكما الشعرُ مصابٌ بالنظْم يتلبَّسُه فيَفشلُ الناظم لا الشعر، كذا النثر مُصاب بالاستسهال لتَوَهُّم البعض أَنه دون نُظُمٍ وقواعدَ صارمةٍ تَضبُط كتابتَه. سوى أَنَّ للنثْر أُصولًا، مَن يجهلُها يبقى نصُّه هَشًّا يتفتَّت مع الزمن، كالرسَّام يؤَسس قماشته البيضاء بزيت شفَّاف يحمي خطوطَه وأَلوانَه فلا تتشقَّق مع السنوات. وهذا التشقُّقُ يُصيب اللَّوحة المرسومةَ بدون زيت تأْسيسيّ، فتستلزم لاحقًا عملياتِ ترميم.

 

 

 عبدالله العلايلي: النثْر الصحيح
عبدالله العلايلي: النثْر الصحيح

 

 

 

طبَقات النثْر

للنثر طبقات عدَّة، لكنَّ مقاربيها قلَّة. 

منه العاديُّ المرسَل: يستعمله كاتبو الرسائل والنصوص العادية والعلْمية والصحافية، فيكون وسيلةً لإِيصال المضمون بدون جهدٍ لتحسين هذه الوسيلة، لأَن الهدفَ هو "ما" يُكتَب لا "كيف" يُكتَب. 

ومنه النثرُ الأَدبي: يتوسَّله الروائيون والمسرحيون وكُتَّاب المقالات الأَدبية والدراسات النقدية والنصوص الوصفية، يوصِل كاتبوها مضمونَها بأَعلى قيمةً و"شغلًا" من الفئة السابقة. يتمايز به الأَديب ببعض التماعاتٍ، في تَمَكُّنه من اللغة، فيرتفعُ نصُّه إِلى مستوى الأَدب. وهنا كذلك تتَّجه الأَهميةُ إِلى "ما" يُكتَب أَكثر مما "كيف" يُكتَب.

ومنه الأَرفع قيمةً ومستوًى وإِبداعًا: النثر الفني أَو الجمالي. يتأَنَّى به كاتبه ويتأَنَّق (دون حذلقات لغوية شكلانية لفظية عصيَّة)، فيتساوى لديه الحرصُ على المضمون والشكل معًا، ليَخرج النص لامعًا ناصعًا ساطعًا بارعًا لا غبار لفظيًّا فيه، ولا تكرار عبارات وكلمات مأْلوفة مستهلكة. معه، يكون النص قطعةً رخاميةً مصقولةً مجلُوَّةً بجمال المعنى وجماليا الأُسلوب. هنا تتجلى بأَبهى مقاماتها مقولةُ: ليس المهم "ما" نكتب بل "كيف" نكتب ماذا. وهذا أَرفع أَنواع النثر: دُربةٌ لا تُعطى إِلَّا للمتمكِّنين من اللغة بقدْر تَمَكُّنهم من سكْب أَفكارهم في قوالب لغوية ماهرة، تجعل النص غايةً في الإِبداع. وفي هذا النثر يَنحتُ الكاتب بَصْمتَه، فيُعرف أُسلوبه ولو من دون توقيعه، بــ"تركيب مشغول" يميِّزه عن سواه: كيف يُلاعبُ الكلماتِ في تعابيره وعباراته، تقديمًا أَو تأْخيرًا أَو اشتقاقات (من قلب اللغة لا بتطويعها قسرًا)، فتصبحُ اللغة على هُدب كلمته مهارةً جماليةً تَغنى بها الذائقة الفنية.

 

... ويبقى أَنه ليس شعرًا

مع ذلك، مع كل ذلك، لا يحاولنَّ مُنَظِّرٌ أَن يَسِم هذا النثر الجمالي العالي بـ"النثْر الشعريّ"، ولا بـ"الشعر المنثور" ولا بـ"قصيدة النثْر"، لأَنه يُهين النثْر ويُهين الشعر. فالنثْر فنٌّ رائع مستقلٌّ، لا يُنسَب إِلى فنٍّ سواه، أَيَّا يكن أَخَّاذًا هذا السوى.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 10/11/2026 10:00:00 PM
اتّسعت اضطرابات السفر من السعودية وإليها، مع إلغاء رحلات لدى شركات لبنانية وإماراتية وأوروبية
صحة وعلوم 10/12/2026 6:18:00 AM
وضعية الذراع الخاطئة أثناء قياس ضغط الدم تُؤدّي إلى قراءة أعلى من الواقع، ما قد يُؤثرّ في دقّة التشخيص.
لبنان 10/12/2026 3:18:00 PM
الجيش الإسرائيلي: الانفجار نجم على ما يبدو عن قنبلة عنقودية تابعة لـ "حزب الله"