"إيروس الحلو/ المُر" حجر الأساس لمسيرة آن كارلسون

ثقافة 09-10-2026 | 12:20

"إيروس الحلو/ المُر" حجر الأساس لمسيرة آن كارلسون

ترجمه المصري عبد الرحيم يوسف إلى العربية
بعد اختياره ضمن أفضل 100 كتاب غير خيالي في القرن العشرين.
"إيروس الحلو/ المُر" حجر الأساس لمسيرة آن كارلسون
كتاب آن كارسون بالعربية (دار صفصافة)
Smaller Bigger

صدر كتاب Eros the Bittersweet "إيروس، الحلو المر"، للفائزة بجائزة نوبل في الأدب للعام 2026 الكندية الأنغلوفونية آن كارسون عام 1986، عن مطبعة جامعة برينستون الأميركية. وهو إعادة صياغة لأطروحة كارسون لنيل درجة الدكتوراه. شكل الكتاب، وفق ما يؤكد مترجمه إلى العربية عبد الرحيم يوسف، "حجر الأساس لإصداراتها التالية، كما أنه صاغ أفكارها حول الرغبة التي ستسيطر على إنتاجها الشعري لاحقاً وأسلوب كتابتها المحاكي لنماذج الأدب اليوناني الكلاسيكي". وهو ما يتوافق مع ما ورد في بيان الأكاديمية السويدية من أن كارسون تميزت بمسيرة جريئة ومبتكرة، حاورت خلالها التراث الكلاسيكي، بروح مطواعة وابتكرت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر". 

 

صدرت ترجمة هذا الكتاب ذو الطابع البحثي إلى العربية، بتوقيع عبد الرحيم يوسف، عن دار "صفصافة" في القاهرة عام 2024، بدعم من "المجلس الكندي للفنون"، وفيه تغوص الشاعرة والناقدة وأستاذة اللغويات الكندية آن كارسون في دراسة شيقة ومتعمقة لتمثلات إيروس (إله الحب والرغبة عند اإلغريق) في الأدب. لكنها - يقول يوسف - لا تفعل هذا من منطلق الرصد والتجميع، بل انطلاقاً من أسئلة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه، "أسئلة حلوة ومرة مثل إيروس تماماً. أسئلة عن طبيعة الحب ذاته، عمَّا يريده العاشق من معشوقه، وعما يريده  المُحب من الحب، ومن الزمن". واختير الكتاب نفسه ليكون ضمن قائمة "مودرن ليبراري" لأفضل مئة كتاب في القرن العشرين.

 

النحلات الخشبية 

جاء تقديم جامعة برينستون للطبعة الأولى على النحو الآتي: تدور قصة كافكا "النحلة الدوارة" عن فيلسوف يقضي وقت فراغه قريباً مع الأطفال حتى يتمكن من الإمساك بنحلاتهم الخشبية وهي تدور حول نفسها. يجعله الإمساك بنحلة خشبية ما زالت تدور سعيداً للحظة في اعتقاده "بأن فهم أي تفصيلة خاصة - مثلاً - بنحلة دوارة كاف لفهم الأشياء جميعها". وعلى الفور تقريباً يأتي الاستياء بعد البهجة ويلقي بالنحلة ويسير مبتعداً.

لكن الأمل في الفهم يملؤه باستمرار كلما بدأت الاستعدادات لرمي النحلات ودورانها بين الأطفال: "ما إن تبدأ النحلة في الدوران ويجري وراءها لاهثاً حتى يتحول الأمل إلى يقين، لكنه عندما يمسك بقطعة الخشب السخيفة في يده يشعر بالغثيان. تتعلق القصة بالبهجة التي نجدها في المجاز. يدور المعنى حول نفسه، ويظل قائماً على محور الحالة العادية متماشياً مع تقاليد المعنى والدلالة؛ ورغم ذلك: الدوران حول النفس ليس عادياً، وإلغاء حالة الاعتدال العادي عن طريق هذه الحركة المدهشة شيء فيه اجتراء. لكن ما علاقة الاجتراء بالأمل في الفهم؟ بالبهجة؟

تهتم القصة بالسبب وراء حبنا للوقوع في الحب. يدور الجمال حول نفسه ويتحرك العقل. ويكون الإمساك بالجمال فهماً لكيف يمكن أن يوجد ذلك الاستقرار المجترئ في الدوار. لكن لا. لا تحتاج البهجة إلى كل هذا التمادي. أن تجري لاهثاً لكن دون أن تصل بعد، لهو شيء مبهج بحد ذاته؛ لحظة معلَّقة من عيش الأمل. إن قمع الاجتراء ليس هدف العاشق. ولا أستطيع أن أصدق أن هذا الفيلسوف يجري خلف الفهم. بالأحرى هو قد صار فيلسوفاً (رجل يبتهج بالفهم) كي يزود نفسه بحجج للجري وراء النحلات الخشبية.

 

بين الغرب والشرق

تبحث آن – يقول عبد الرحيم يوسف - عن إجابات لأسئلتها في الأدب اليوناني القديم، في أشعار صافو وألكمان وأرخيلوخوس، وفي ملاحم هوميروس،  وفي مسرحيات إسخيلوس ويوريبديس وأريستوفانيس، وروايات لونجوس وخاريتون، وكلمات أرسطو ومحاورات سقراط التي سجلها أفلاطون في كتاب "المحاورات" الشهير، وفي كتابات أخرى لأفلاطون وغيره من الفلاسفة والخطباء والشعراء والكتاب اليونانيين القدامى.

 

وفي بحثها ذاك لا تغفل عقد مقارنات متبصرة واقتباس أجزاء متصلة من الأدب الحديث في إشارات إلى كتاب مثل ديكينز ومونتني وستندال وفرجينيا وولف وإميلي ديكنسون وكافكا وميلان كونديرا، وفلاسفة مثل سارتر وسيمون دو بوفوار وكريكجارد وميشيل فوكو، مع إشارة خجولة إلى مراجع شرقية قليلة منها شاعر الهايكو الياباني ماتسو باشو  والروائي الياباني ياسوناري كاواباتا. 

 

ولاحظ يوسف الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية (مصر) في الآداب - فرع ترجمة الأعمال الفكرية، عام 2017 عن ترجمته لكتاب "ثلاث دراسات حول الأخلاق والفضيلة" لرينارد ماندفيل، تزايد الاهتمام بكتاب "إيروس" خلال الأعوام الخمسة عشر التي أعقبت نشره.

 

يستشهد يوسف هنا بقول الكاتب الأميركي جون داغاتا: "أذهل الكتاب أولاً مجتمع المتخصصين في الكلاسيكيات كعمل بحثي في الأدب اليوناني الكلاسيكي، ثم أذهل مجتمع الكتابات غير الخيالية باعتباره عودة ملهمة إلى المقالات ذات الأساس الشعري الغنائي التي ميَّزت إنتاج كُتاب مثل سينيكا ومونتني وإيمرسون، ثم في منتصف التسعينيات من القرن العشرين أعيد النظر إليه كعمل أدبي، وأعيدت صياغته من أجل جمهور جديد تماماً؛ وفي النهاية أذهل الشعراء". ومع مستهل الألفية الجديدة، دخل الكتاب أيضاً في الوعي العام، وجرى التصويت عليه في قائمة منتخبات دار نشر "مودرن  ليرباري" لأفضل مئة كتاب غير خيالي في القرن العشرين.   

 

عن الأدب والحب

في خلاصة مقدمة الترجمة، رأى يوسف أننا بصدد كتاب عن الأدب وعن الحب، تربط فيه كاتبته ببراعة وبحس شعري بين أسئلة الحب والرغبة وأسئلة الأدب، بين مسعى الكتاب والقراء، تنظر إلى تأثير القراءة والكتابة على الأدب وعلى النظرة إلى الحب والزمن. ولاحظ رابطاً ما بين كتابة كارسون، وكتابة عبد الفتاح كيليطو لجهة "السعي لقراءة الأدب القديم والحديث وتحليله بطريقة جديدة وذكية تجعل القارئ يعيد النظر في مفاهيمه القديمة عن الأدب والحياة، أو عن الأدب في الحياة".

 

وأوضح يوسف أنه التزم في ترجمته بطريقة الكاتبة في إيراد الكلمات اليونانية لضرورة التحليل والنظر في المعاني وتطورها، وفضل كتابتها بالعربية؛ "لأن نطقها هو المقصود أكثر من  كتابتها، حيث نحت الكاتبة نفس المنحى، وكتبت الكلمات اليونانية بالحروف اللاتينية لا بالحروف اليونانية الأصلية". وذكر أنه راجع أغلب الكلمات اليونانية للتأكد من معناها ونطقها مع الباحثة أمنية صالح، خريجة قسم الدراسات اليونانية الرومانية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، والحاصلة على الدكتوراه في الآثار والفنون القبطية.

 

وفي ما يأتي مقطع من الفصل الأول من الكتاب: "كانت صافو أول من وصف إيروس بـ "الحلو/المُرّ".ولا يخالفها في ذلك أحد ممن وقع في الحب. ماذا تعني هذه الكلمة؟ بدت المشاعر الإيروسية بالنسبة إلى صافو تجربة من المتعة والألم في نفس الوقت. هنا نجد تناقضاً، وربما مفارقة. تصوُّر أن هذا الإيروس يمكنه أن يشق العقل نصفين. لماذا؟ قد تبدو مكونات التناقض واضحة لدى النظرة الأولى. فنحن نُسلِّم، كما فعلت صافو، بحلاوة الرغبة الإيروتيكية، بمتعتها التي تبتسم إلينا. لكن المرارة أقلّ وضوحاً. قد تكون هناك أسباب عديدة وراء أن يكون الحلو مُرًّا أيضاً. قد تكون هناك صلات عديدة بين المذاقيْن. لقد فرز الشعراء المسألة بطرق مختلفة. وصياغة صافو منطلق جيد للبدء في تقصي الاحتمالات". 

 

وصافو هي شاعرة إغريقية ولدت في جزيرة لسبوس في ميتيليني في بحر إيجة باليونان، بين عامي 630 و612 قبل الميلاد، وتوفيت عام 570 قبل الميلاد. في آخر حياتها رحلت إلى صقلية، فماتت هناك، وأُحرقت ونقل رمادها إلى بلدها، كما خُلد اسمها برسم صورتها على الآنية والنقود. 

 

عبد الرحيم يوسف شاعر ومترجم مصري من مواليد 1975، صدرت له ثمانية دواوين بالعامية المصرية، ًو31 كتاباً مترجماً. نشر عدداً من الترجمات الأدبية في عدد من الدوريات المصرية والعربية، وشارك كمحرر مساعد في مجلة "مينا" الثقافية، التي صدرت منها ثلاثة أعداد في الفترة من 2005 إلى 2009. ترجم عدداً من التقارير لمنظمة "هيومان رايتس ووتش"، ومكتب اليونسكو في ألمانيا وصندوق الأمم المتحدة للسكان وموقع "مدى مصر". 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
ثقافة 10/9/2026 5:11:00 AM
لا سبيل إلى إنقاذ الموقوف في معمل البصل إلا بالوصول إليه قبل الإنطلاق به إلى دمشق
اسرائيليات 10/7/2026 10:54:00 PM
أعلن يحيئيل لايتر بدء تنفّس نجله نيريا من دون جهاز اصطناعي، بعد إصابته الخطرة في هجوم دهس الشهر الماضي، لكنه لم يستعد وعيه بالكامل.