بغداد تحتفي بمئوية السياب والبياتي والحيدري: قرن على ولادة رواد الحداثة الشعرية
بغداد – آية القيسي
بعد مئة عام على ولادة بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، استعادت بغداد تجارب ثلاثة من أبرز رواد الحداثة الشعرية العربية، في احتفاء أعاد قصائدهم وأسئلتهم إلى الحاضر، وفتح باب قراءة إرثهم الذي غيّر شكل القصيدة وموسيقاها وطرق التعبير فيها.
وأقامت المستشارية الثقافية في مكتب رئيس الوزراء مهرجان "مئوية الرواد" (1926–2026)، برعاية حكومية وبدعم من رابطة المصارف الخاصة العراقية، وبالتعاون مع وزارة الثقافة والسياحة والآثار والاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. وشهدت الفعاليات حضوراً لافتاً لمثقفين وشعراء عراقيين وعرب، إلى جانب أفراد من عائلات الشعراء الثلاثة، ضمن برنامج شمل أمسيات فنية وجلسات حوارية وقراءات شعرية ونقدية.
واحتضن مسرح الرشيد حفل الافتتاح، الذي قدّم خلاله الفنانون عزيز خيون وكاظم القريشي وفاضل عباس آل يحيى قصائد ممسرحة للشعراء الثلاثة، في استعادة جمعت الكلمة بالأداء المسرحي.

"ليست عابرة في حياة الشعر"
وفي كلمته، قال المستشار الثقافي لرئيس الوزراء ورئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق عارف الساعدي: "نلتقي اليوم في مناسبة ليست عابرة في حياة الشعر ولا الثقافة العربية". وأشار إلى أن الشعراء الثلاثة حملوا أرواحهم وأحلامهم وأسئلتهم إلى القصيدة العربية في لحظة تاريخية فارقة، واختلفوا في تجاربهم ورؤاهم وطرقهم إلى الشعر، لكنهم التقوا على قدرته على تغيير نظرة الإنسان إلى العالم وفهمه له. ورأى أن أجمل ما يمكن فعله في مئويتهم هو إعادتهم إلى الحياة، بدلاً من تحويلهم إلى تماثيل في الذاكرة.
وأعلن الساعدي أن عام 2027 سيكون عاماً للاحتفاء بالسرد العراقي والقصة القصيرة، بالتزامن مع مئوية ولادة غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصافي.
من جهته، رأى وكيل وزارة الثقافة فاضل البدراني أن الشاعر يتحوّل بعد موته من جسد فان إلى فكرة خالدة، مشيراً إلى أن مشاركة الوزارة في المئوية تمثّل احتفاءً بأسماء بارزة في تاريخ الشعر العربي، واستعادةً لمرحلة أحدثت تحوّلاً عميقاً في الوعي الثقافي.
وكان لكلمة آلاء بدر شاكر السياب، التي ألقتها نيابة عن العائلة، وقع خاص لدى الجمهور. فبصوت مرتجف، استحضرت والدها قائلة: "فالشاعر لا يعيش بعدد السنين التي مرّت على ولادته أو رحيله، بل بقدر ما يبقى من صوته في أزمنة لم يعشها". وعبّرت عن امتنانها وهي تقف في مكان تلتقي فيه ذاكرة العراق بذاكرة شعره.
أما نائب الأمين العام للاتحاد، الناقد علي الفواز، فأكد أن الاحتفاء يتجاوز الاستذكار العابر إلى الوفاء لإرث تركه كبار الشعراء. وشدّد على ضرورة إخراج وزارة الثقافة والسياحة والآثار من المحاصصة، لتكون وزارة سيادية تتبنّى خطاباً وطنياً يلبّي طموحات الجميع، وتمتلك حرية الحركة وتخصيصات مالية تليق بالمنجز الثقافي العراقي.
وقالت الصحافية سمية جوهر، حفيدة عبد الوهاب البياتي، لـ"النهار"، إن المئوية تعني لها الكثير، مهنياً وشخصياً. وأوضحت أن الصحافة، وإن بدت بعيدة عن الشعر، تلتقي معه في توثيق الكلمة وحفظها، وأن اعتزازها بالإرث العائلي يشكّل دافعاً لعملها الصحافي. وأضافت: "أشعر أن أرواح السياب والحيدري والبياتي تحوم في هذا المكان، وكأن المنفى قد انتهى بهم وعادوا إلى أحضان الوطن".

خصوصية لكلّ تجربة
وأتاحت المئوية العودة إلى الخصوصية التي ميّزت كلّاً من التجارب الثلاث. فالسياب كان أحد أبرز رواد شعر التفعيلة، وأسهم منذ أواخر الأربعينيات في تجاوز البناء التقليدي للبيت القائم على الصدر والعجز، وتنويع عدد التفعيلات والقوافي. كما تركت قراءاته في الأدب الإنكليزي أثرها في تجربته، التي فتحت آفاقاً جديدة أمام القصيدة العربية.
أما الحيدري، فتداخلت تجربته الشعرية مع عالم الفن التشكيلي، وتأثرت بصلاته بفنانين تشكيليين عراقيين، من بينهم جواد سليم. وحضر اللون والمشهد البصري في قصائده، إلى جانب ميله إلى التكثيف والاقتصاد في الكلمات، بما يمنح العبارة القصيرة قدرة على حمل أبعاد واسعة. واتجه أيضاً إلى التجريب في الإيقاع والقافية، بحثاً عن صياغة تتجاوز المألوف.
وفي تجربة البياتي، برز المنفى بوصفه وجعاً شخصياً وموضوعاً شعرياً متكرراً، فيما حضرت الرموز الصوفية وأسئلة الحرية والاغتراب. وأسهم تنقّله بين البلدان واحتكاكه ببيئات ثقافية مختلفة في توسيع أفق قصيدته، التي جمعت التجربة الذاتية بالهمّ الإنساني.
هكذا أعادت بغداد أصوات الشعراء الثلاثة إلى فضائها الثقافي، بعدما حملهم المنفى بعيداً عنها في مراحل مختلفة من حياتهم. وقدّمت المئوية فرصة لقراءة تجاربهم من جديد، واستعادة إسهامهم في تحوّل القصيدة العربية، وفي تشكيل الهوية الثقافية لبلد أثقلته الصراعات السياسية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ما سبب عدم التزام الموعد المحدد في الشهر الحالي؟ وهل من موعد جديد؟
نبض