أنسي الحاج: الحب بوصفه امتحاناً للغة والوجود

أنسي الحاج: الحب بوصفه امتحاناً للغة والوجود
أنسي الحاج.
Smaller Bigger

فاروق غانم خداج

يصعب أن نكتب عن أنسي الحاج من دون أن نقع في فخّ ما كُتب عنه: شاعر الحداثة، ورائد قصيدة النثر، والمتمرّد على الأشكال الجاهزة. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس ماذا كان أنسي الحاج، بل ماذا فعل باللغة حين جعلها تواجه الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة: الحب.

منذ «لن»، مجموعته الشعرية الأولى الصادرة عام 1960 عن «دار مجلة شعر»، لم يتعامل أنسي الحاج مع القصيدة بوصفها شكلًا شعريًا جديدًا فحسب، بل بوصفها مجالًا لإعادة النظر في علاقة الشاعر باللغة والعالم. وقد أثارت «لن» حربًا أدبية واسعة شارك فيها شعراء وكتّاب من العالم العربي، واعتُبرت محطة أساسية وفاصلة في تاريخ الشعر العربي المعاصر. وترسخت حولها، في ما بعد، العبارة الدالة: «ما قبل لن وما بعد لن».

ولم تكن أهمية «لن» في التخلي عن الوزن والقافية وحدهما؛ فقد كانت قصيدة أنسي الحاج، كما يصفها رامي زيدان، شخصية قبل أن تكون قصيدة نثر، ومتصلة بتحول عميق في التعبير الشعري. لذلك لم تكن مغامرته مجرد تغيير في الشكل، بل بحثًا عن لغة أكثر حرية، وعن كتابة تستطيع أن تقترب من التجربة الداخلية من دون أن تخضع بالضرورة للأشكال الشعرية الموروثة.

 

 

الحب حين يصبح سؤالًا عن الوجود

يبلغ هذا السؤال ذروة مختلفة حين يدخل الحب إلى تجربته. ففي «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة»، الصادرة عام 1970 عن «دار النهار للنشر»، يبرز تحول واضح في علاقة الشاعر بالمرأة؛ فقد انتقلت، بحسب رامي زيدان، من المونولوغ إلى الحوار، ومن الآخر الذي كان يصنعه الخيال إلى الآخر الذي يكتسب وجودًا فعليًا في التجربة الشعرية.

وهنا لا تعود المرأة مجرد موضوع شعري أو صورة من صور الغزل، بل تصبح شريكًا في تكوين التجربة نفسها. ويكفي أن نتأمل لغة الديوان لنجد الحب وقد امتزج باللغة امتزاجًا لا يعود معه الفصل بين العاطفة والكتابة ممكنًا. ففي مقطع من الديوان يقول أنسي: «كنتُ بالحبّ»، ثم يجعل اللغة نفسها جزءًا من هذا التحول: «صارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي».

وفي «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، الصادرة عام 1975 عن «دار النهار للنشر»، يتقدم هذا التحول خطوة أخرى. يفتتح أنسي النص بعبارة: «هذه قصة الوجه الآخر من التكوين». وهي ليست مجرد جملة افتتاحية، بل مفتاح شعري للنص كله؛ إذ إن «الرسولة» تصبح، في قراءات متعددة للعمل، وجهًا آخر للتكوين، وترتبط بالمرأة والحب والحرية والكينونة والوجود.

ثم تأتي العبارة الأكثر كثافة:

"أقسم أن أنسى قصائدي لأحفظكِ".

قد تبدو الجملة، للوهلة الأولى، إعلانًا عن انتصار الحب على الشعر. لكن المفارقة أن هذا التخلّي نفسه لا يحدث إلا داخل الشعر. فالشاعر الذي يتخيل نسيان قصائده لكي يحفظ محبوبته، يحوّل الحب في اللحظة نفسها إلى قصيدة. وهكذا يصبح الحب منافسًا للكتابة ومصدرًا لها في آن واحد. وقد استعاد أحد كتّاب «النهار» هذه العبارة تحديدًا عند حديثه عن «الرسولة»، بوصفها من العبارات التي تختصر فرادة التجربة الشعرية لأنسي الحاج.

هذه المفارقة أساسية في تجربة أنسي: المرأة ليست نهاية اللغة، بل أحد امتحاناتها. والحب ليس امتلاكًا للآخر، بل مواجهة للذات حين تفقد قدرتها على الاحتماء بالكلمات المألوفة. لذلك يتجاوز حضور المرأة عنده صورة المحبوبة التقليدية، ليصبح بحثًا عن الحرية والكينونة والوجود. وفي «الرسولة» تحديدًا، تتسع صورة المرأة لتصبح جزءًا من تصور شعري جديد للتكوين، حتى تصفها قراءة منشورة في «النهار» بأنها «المرأة» و«الكل».

ولعل هذا ما يفسر استمرار الصلة بين الحب واللغة في تجربته. فالكلمة عند أنسي لا تقف خارج العاطفة لتصفها؛ إنها تدخل في صميم التجربة وتتغير بها. وحين تصبح التجربة أقوى من اللغة المألوفة، لا يعود الشاعر قادرًا على الاكتفاء بما ورثه من تعبير، فيبحث عن لغة أخرى تليق بما يعيشه.

لكن تجربة أنسي لم تتوقف عند القصيدة. ففي عام 1964 أسس «الملحق» الأسبوعي لـ«النهار»، وظل يصدر أسبوعيًا حتى عام 1974، وارتبط اسمه فيه بزاويته الشهيرة «كلمات كلمات كلمات». وتشير مصادر «النهار» إلى أن العدد الأول من «الملحق» صدر في 25 شباط 1964، ثم أصبح أسبوعيًا يوم الأحد ابتداءً من أيار من العام نفسه، واستمر على هذه الصورة حتى 30 حزيران 1974.

ولم تكن الصحافة عنده هامشًا على تجربته الشعرية، بل مختبرًا آخر للكتابة الحرة؛ ففي «كلمات كلمات كلمات» انتقلت مغامرته مع اللغة من الديوان إلى الصفحة، ومن القصيدة إلى تفاصيل الحياة اليومية والثقافية والسياسية. وقد وصفت «النهار» هذه الكتابات بأنها مزيج من الكتابة الحرة، يجمع بين دفق الشعر وسعة النثر، ويتحرر من الحدود الصارمة بين أجناس الكتابة.

لهذا يصعب اختزال أنسي الحاج في كونه شاعر قصيدة نثر. كان يختبر حدود اللغة في الشعر والصحافة والترجمة والتأمل، ويضعها باستمرار أمام سؤال الحرية. ومن هنا تبدو تجربته الشعرية والصحافية امتدادًا لمشروع واحد: تحرير الكتابة من القوالب الجاهزة، وإعادة الإنسان إلى مركزها.

وفي الحب تحديدًا، اكتشف أن اللغة لا تبلغ أقصى طاقتها عندما تتحدث عن العاطفة من الخارج، بل عندما تصبح العاطفة نفسها امتحانًا لقدرتها على القول.

أنسي الحاج لم يكتب الحب بوصفه موضوعًا إضافيًا إلى موضوعات الشعر، بل بوصفه لحظة تتغير فيها علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالكلمات. وفي تلك المسافة بين العالم واللغة، وبين الحب والحرية، أقام أنسي الحاج شعره.

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/4/2026 9:33:00 PM
وفق ما نشرت "الكويت اليوم"، وهي الجريدة الرسمية في البلاد.
حول العالم 10/3/2026 1:01:00 PM

كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.


فن ومشاهير 10/1/2026 3:08:00 PM
حسمت رحمة محسن الجدل حول خلافها مع أحمد العوضي بعد أزمة إلغاء المتابعة، مؤكدة فضل النجم المصري عليها، ونافية ربط الأزمة بمتابعتها للنجمة ياسمين عبد العزيز.
فن ومشاهير 10/4/2026 8:09:00 AM
تصدرت مفاجأة حفل شاكيرا في مدريد الأخبار الفنية العالمية، بعد "دويتو" تاريخي مع النجمة دوا ليبا، إذ غنتا معاً Antología وسط تصريحاتٍ متبادلة تؤكد عمق المحبة بين نجمتي البوب.