”ديغر“: توم كروز حفّار قبور المنظومة الغربية

ثقافة 02-10-2026 | 08:27

”ديغر“: توم كروز حفّار قبور المنظومة الغربية

يصعب وضع "ديغر" في خانة واحدة: فيلم كارثة أو فيلم استشرافي، ثريلر أبوكاليبتي، كوميديا مناهضة لأميركا؟
”ديغر“: توم كروز حفّار قبور المنظومة الغربية
توم كروز في ”ديغر“.
Smaller Bigger

لا شيء يلخّص جنون ”ديغر“ بقدر الأغنية التي اختارها أليخاندرو غونزاليث إينياريتو لينهي بها فيلمه. مع صعود التترات، تنطلق "ماذا فعلوا بأغنيتي، يا أمّي؟"، لتستعيد، بعد أكثر من ساعتين من الفوضى والهستيريا والعبث، معنى آخر لما أرادته المغنية ميلاني، فتصبح تعليقاً ساخراً على "الطبيعة – الأم" التي بدأت ربما تعي ماذا حلّ بها. 

 

يصعب وضع "ديغر" في خانة واحدة: فيلم كارثة أو فيلم استشرافي، ثريلر أبوكاليبتي، كوميديا مناهضة لأميركا؟ يجمع العمل (المعروض حالياً في الصالات اللبنانية والعربية) هذه العناصر كلها في هجاء عنيف يطال السياسة والبيئة والمجتمع، ولا يوفّر أحداً من سخريته، فيما تتوالى الأخطار والانتهازية والنفاق والتجاوزات كأنها بديهيات لعالم فقد السيطرة على نفسه.

 

توم كروز وساندرا هولر.
توم كروز وساندرا هولر.

 

قد ينقسم الرأي حول الفيلم، لكن يصعب تجاهل خاتمته. ثمة صورة أخيرة مرشّحة لأن تظلّ عالقة في الذاكرة السينيفيلية، على غرار ما فعله فرانكلن شافنر في "كوكب القردة" عام 1968. فالمشهد الذي أنهى به تحفته دخل تاريخ السينما من بوابتها العريضة، وربما يكون إينياريتو قد صنع في "ديغر" نهاية تملك القدرة نفسها على البقاء.
لا يحتاج إينياريتو إلى الكثير كي يضع بطله في الواجهة. ديغر روكويل (توم كروز) ملياردير النفط الذي يبدأ نهاره بالاطمئنان إلى قطّته العجوز، شخصية خرجت من تقاطع نماذج عدة. لكن الرجل الذي يبدو في البداية أحد صانعي الكارثة سيجد نفسه، مع تصاعد الأحداث، في موقع مختلف تماماً.

فالشرارة تأتي من كارثة بيئية مرتبطة بالتنقيب عن النفط، ضمن منظومة استغلالية تحميها الرؤوس الكبيرة ولا يمكن فصلها عن الفساد والتواطؤ والاحتقار للعلم الذي يواصل تدمير الكوكب الذي يقتات عليه. سرعان ما يدخل الرئيس الأميركي (جون غودمان) على الخط، في أداء بالغ الجنون، فيما تتّجه كتلة جليدية ضخمة نحو شمال أوروبا، وتصبح هولندا أولى الدول المهدّدة. وحين لا يبقى في جعبة الإدارة الأميركية حلّ، يصبح السؤال: هل ننقذ ما يمكن إنقاذه، أم نستفيد من الكارثة ما دمنا عاجزين عن منعها؟

 

الملياردير والقطّة والطبيب البيطري.
الملياردير والقطّة والطبيب البيطري.

 

الرئيس نفسه لا يبدو قادراً على إيجاد مَخرج. أقصى ما يستطيع فعله هو الدعوة إلى الصلاة، خصوصاً أنه مصاب بسرطان شرجي (!). شخصية لا تخفي أصداء دونالد ترامب: النرجسية، جنون العظمة، والقرارات التي تتقدّم فيها القوة على المنطق، كما في العبارة التي يطلقها أحد أعضاء فريقه: "لنقصف، ثم نفكّر". سخرية تكشف في الوقت نفسه مدى صعوبة تخطّي السينما الأميركية نزيل البيت الأبيض.

معظم الشخصيات مرسومة بملامح متضخّمة تدنو إلى البورلسك، إلى أن يستولي "الحفّار" على المشهد ويقلب موقعه بالكامل: من المتّهم بالتسبّب في الكارثة إلى الرجل الذي يتقدّم لإنقاذ الوضع.

 

هجاء سياسي وبيئي لا يرحم أحداً.
هجاء سياسي وبيئي لا يرحم أحداً.

 

يبلغ هذا كله ذروته أمام جمع من الساسة وأصحاب القرار الأوروبيين، حين يأتي ديغر ليواجههم. لا يحاول تبرئة نفسه من المسؤولية عن الضرر البيئي؛ على العكس، يقر بها، لكنه يوسّع دائرة الاتهام لتشملهم، مذكّراً إياهم بتواطئهم وبأيديهم الملطّخة. لعبته هي الآتية: لكي تخرج من أزمتك، عليك أولاً أن تجعل الآخرين يشعرون بأنهم شركاء في الجريمة. وبفضل البهلوانيات الخطابية التي يمارسها، تتحوّل هذه الحقيقة نفسها إلى ما يكفي لجعل كلّ شيء قابلاً للتصديق.

أهم ما يقوله الفيلم في هذه المرحلة: أولئك الذين ساهموا في خراب الكوكب هم أنفسهم الذين يظهرون لاحقاً بوصفهم أصحاب الحلول. الفكرة تُلخَّص بعبارة لافتة: "للذعر فوائد أيضاً"، ذلك ان الكوارث تسمح بولادة أبطال. ومَن يمتلك السلطة يعرف كيف يقلب المأزق لمصلحته، مستعيناً بالفرجة والاستعراض والكلام الرنّان، وهي ما صنعت أميركا طوال تاريخها الحديث.

 

دور أوسكاري لكروز؟
دور أوسكاري لكروز؟

 

يرينا الفيلم من بين ما يرينا إياه، كيف تستطيع النخبة التي تحكم العالم أن تحوّل خطاياها إلى ملاحم بطولية. وحين يتعذّر تغيير الواقع، يجري العمل على تغيير الطريقة التي نراه بها، بدلاً من تغيير الواقع نفسه. لا يعود مهمّاً مَن تسبّب بالكوارث، وإنما كيف نعيد سردها إلى ما لا نهاية، كي تتبدّل الوقائع. وبما أن الجميع متورطون في المنظومة، لا يذهب الفيلم إلى صراع أخلاقي مبسَّط بين الخير والشر. أصلاً ما يضمن استمرار هذه المنظومة، هو الاكذوبة الجماعية التي يمدّها بالحياة.

لا يخلو الفيلم من مفاجآت. هناك دائماً درج آخر خلف الدرج الأول، ومعلومة جديدة تختبئ وراء أخرى، بما يجعل الأحداث أقرب إلى مسرحية تتوالى فيها الانقلابات. ويواكب ذلك شريط صوتي شديد الابتكار، فيما يمنح إيمانويل لوبيزكي الصورة طابعاً خاصاً، دافعاً الفيلم إلى منطقة بين الواقع والحلم، تتولّى موسيقى كوزمو شلدرايك تعميقها.

يتنقّل "ديغر" باستمرار بين الواقع والمتخيّل، وبين الحقيقي والصطنع، إلى درجة يصبح معها كلّ ما نراه عرضة للشكّ وإعادة النظر. إينياريتو يتعمّد هذا الالتباس، بنبرة متعالية ومتحذلقة أحياناً، لكنه لا يسقط في الاستسهال، حتى لو احتاج المتفرج إلى وقت كي تتجمّع قطع الفسيفساء في مكانها، ويعود إلى قراءة الفيلم انطلاقاً منها. الواقع يربك الخيال، والخيال يعود ليربك الواقع، في حركة ذهاب وإياب متواصلة. فمنذ "أموريس بيروس"، وإينياريتو معنيّ ليس بما يروي فحسب، وإنما بالطريقة التي يروي بها. الصيغة السيناريستية التي ابتكرها له غييرمو أرياغا كانت من أسس شهرته، وهذه النزعة تبدو هنا أكثر وضوحاً. وهو، في "ديغر"، لا يختبر الحكاية وحدها، وإنما يضع نفسه أيضاً في مواجهتها: ماذا يستطيع الحكواتي السينمائي أن يقول عن الحقيقة عندما تصبح حياة البشر على المحك؟ حتى توم كروز، حامل الحكايات وصانعها أمام الكاميرا، يجد نفسه معنياً بهذا السؤال. من هنا يبدأ الفيلم، وإلى هذا السؤال يعود مراراً. 

 

- إينياريتو، المكسيكي الذي ”داهم“ هوليوود.
- إينياريتو، المكسيكي الذي ”داهم“ هوليوود.

 

قد يكون وعي "ديغر" المفرط بماهيته، ولؤمه المتعمَّد إلى درجة الزهو، من أكثر ما سيقسم الآراء حوله. إينياريتو يفعل هنا ما سبق أن أُخذ عليه وعلى باولو سورنتينو: لا يترك الأشياء تتولّد من تلقائيتها، بل يبدو كأنها ناتجة من يد خارجية ترتبها وتدفعها نحو مسار محدّد يحوّل الإخراج إلى هدف قائم في ذاته. من هنا يأتي اتهام الفيلم، بأنه ينتهي إلى أسلوبية تدور في الفراغ، تعانق العالم من شرقه إلى غربه لقول عموميات. 

حتى الحيلة السردية التي يخفي فيها الفيلم مسار أحداثه لا تخلو من مفارقة: إخفاء الطريق يصبح، في حد ذاته، طريقة لابرازه. أما اختزال أزمة العالم والبيئة في النفط والمال ومَن يستخرجونه ومَن يحتاجون إليه، فقد يبدو تبسيطاً، لكنه يوفّر لإينياريتو مدخلاً مباشراً إلى تشريح الأزمة. المشكلة أن الفيلم يترك لنفسه، في أحيان كثيرة، مساحة واسعة من الغموض واللبس، إلى حد يصعب معه الإمساك بموقفه النهائي ممّا يعرضه.

ثم هناك مأخذ آخر: إصرار إينياريتو، فيلماً بعد فيلم، على برهنة موهبته في صناعة "سينما عظيمة". في كلّ هذا قدرٌ من الحقيقة، لكن هذه المآخذ قد تبدو أقل إلحاحاً أمام العصف الفكري الذي يوفّره الفيلم، وأمام قدرته على إبقاء المُشاهد في حالة تفكير ومساءلة، حتى حين لا يسلّم بكلّ ما يقوله.

تبقى ظاهرة توم كروز. هذا العالم كله صُمِّم حوله. ليس لأن الفيلم يحتاج إلى الممثّل بشحمه ولحمه فحسب، وإنما لأن الشخصية تستدعي أيضاً ما راكمه كروز طوال مسيرته: صورة البطل الذي لا يتخلّى عن مهمّته، ويحاول دائماً إنقاذ ما يمكن إنقاذه. إينياريتو يستثمر هذه المفارقة كما فعل في "بردمان" حين وضع مايكل كيتون، صاحب دور باتمان، في دور يناقض تماماً أسطورته السابقة. هنا يفعل الشيء نفسه مع كروز، نجم "المهمّات المستحيلة“، ويضع أسطورته في مواجهة أسطورة أخرى، لاعباً بها وناسفاً إياها. 

فكرة حفنة من الرجال الذين تتركّز في أيديهم قرارات قادرة على تغيير مصير العالم ليست جديدة على السينما الأميركية، التي لطالما راقبت مؤسّساتها ونخبها بعين نقدية أكثر من أي سينما أخرى. الجديد أن إينياريتو يمنح كروز دوراً معاكساً تماماً للصورة التي صنعها لنفسه. الكارثة التي تضرب الأرض وتمتد آثارها إلى هولندا، لا نراها مباشرة، ما يصل إلينا هو أثرها على الوجوه، في واحد من أجمل مشاهد الفيلم. وهذا الاختيار يذهب ضد تقليد السينما "التومكروزية"، القائمة على رؤية الخطر ومواجهته وتحويله إلى استعراض.

إذا كان الفيلم يقوم على فكرة، فإن كروز هو القوة التي تدفعها إلى الأمام. ومن هنا يصعب ألا نقرأ "ديغر" كاحتفاء بفنّ الأداء: كروز يدخل شخصية، يسكنها، ثم يخرج منها ليعود إليها من زاوية أخرى. هو الذي أمضى جزءاً معتبراً من مسيرته في لعب دور المنقذ، وخصوصاً إيثان هانت، يجد نفسه هنا أمام نسخة مقلوبة من هذه الصورة. فديغر ينقذ العالم من كارثة ساهم هو نفسه في صنعها، ليصبح في الوقت نفسه بطلاً ومصدر المشكلة.

لكن اللعبة لا تتوقّف عند هذا الحد. ما إن يتحوّل الإنقاذ إلى عرض جماهيري، حتى تصبح الفرجة أهم من الواقع نفسه. 

هذه ليست المرة الأولى تضع فيها السينما الإنسان داخل عالم تحكمه الفرجة والاستعراض، إلا أن إينياريتو يدفع بالفكرة إلى نطاق أبعد، لتكتمل مفارقة "الحفار": الرجل الذي ينقّب عن ”حليب الأرض“ هو نفسه الذي يحفر قبره بيديه. "ديغر" يأتي بالإنسان في أكثر صوره تناقضاً: يهدم ويبني، يبني ويهدم، إلى ما لا نهاية.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 9/29/2026 1:06:00 PM
لم تقتصر المقاطع المنتشرة على إعادة تركيب مشاهد قديمة، بل ذهبت إلى حد وضع شخصيات "باب الحارة" في مواقف معاصرة.
فن ومشاهير 9/28/2026 7:03:00 PM
الصورة، بتفاصيلها العفوية، قدّمت جانباً مختلفاً من حياة الأمير الحسين والأميرة رجوة.