"الليالي البيضاء" ترند على TikTok… دوستويفسكي يعود عبر BookTok
ميرا فاضل
قد يكون من الصعب تخيّل فيودور دوستويفسكي "ترند". الكاتب الروسي الذي ترتبط صورته في المخيلة بروايات طويلة وأسئلة وجودية ثقيلة، وجد نفسه فجأة بين فيديوات TikTok، وصور الكتب إلى جانب أكواب القهوة، وقوائم من نوع "كتب ستكسر قلبك".
والسبب هذه المرة ليس "الجريمة والعقاب" ولا "الإخوة كارامازوف"، بل عمل صغير كتبه في السادسة والعشرين من عمره: "الليالي البيضاء".
القصة التي صدرت للمرة الأولى عام 1848، عن شاب وحيد وحالم يلتقي شابة تُدعى ناستينكا في سان بطرسبورغ، عادت بعد نحو 180 عاماً لتبدو مألوفة جداً لجيل يعيش على الإنترنت: وحدة، تعلّق سريع، انتظار، الكثير من التفكير، وعلاقة قصيرة قد تعني لأحد طرفيها أكثر بكثير مما تعنيه للآخر.

رواية من 1848… على BookTok
الموجة ليست افتراضية فقط. ففي بريطانيا، باعت "الليالي البيضاء" أكثر من 100 ألف نسخة خلال عام 2024، لتصبح أكثر كلاسيكيات Penguin مبيعاً في ذلك العام، بحسب ما أوردت "The Guardian".
وفي أيلول 2026، ذكرت وكالة "فرانس برس" أن دار Editora 34 في البرازيل سجلت ارتفاعاً بنسبة 463 في المئة في مبيعات الرواية مقارنة بالعام السابق، وسط استمرار انتشارها على TikTok.
فكيف تحوّل دوستويفسكي إلى مادة مناسبة لمنصة تعتمد أساساً على الفيديوات القصيرة؟
ربما لأن "الليالي البيضاء" لا تبدو، للوهلة الأولى على الأقل، مخيفة مثل بعض الكلاسيكيات. هي قصيرة، ويمكن الدخول إلى عالمها بسرعة، والأهم أن مشاعرها لم تشخ: الراوي يريد أن يراه أحد، أن يسمعه أحد، وأن يشعر للحظة بأنه ليس وحيداً.
وهي مشاعر لا تحتاج إلى شرحٍ طويلٍ لجيلٍ اعتاد الحديث عن الوحدة و"overthinking" والعلاقات غير المكتملة عبر الإنترنت.

TikTok لا يسأل عن تاريخ النشر
ما يفعله BookTok أيضاً هو إلغاء المسافة بين "الكتاب الكلاسيكي" والقارئ الشاب. الكتاب لا يصل إليه بالضرورة عبر أستاذ جامعي أو قائمة "كتب يجب أن تقرأها قبل أن تموت"، بل عبر شخص في عمره يقول ببساطة: قرأت هذا الكتاب ولم أتعافَ منه بعد.
قد تكون البداية فيديو مدته 30 ثانية، أو جملة مقتبسة، أو غلافاً جميلاً. لكن النتيجة قد تكون شراء رواية كتبها روسي في القرن التاسع عشر.
وهذا التأثير بات جزءاً فعلياً من سوق النشر. فبحسب "The Guardian"، أصبح المؤثرون على TikTok وYouTube قادرين على خلق اهتمام مفاجئ بكتب قديمة وجديدة، وكان صعود "الليالي البيضاء" أحد أبرز الأمثلة على ذلك.

هل عادت القراءة فعلاً؟
هنا يصبح السؤال أكبر من دوستويفسكي.
من السهل انتقاد BookTok والقول إن الكتب نفسها تحوّلت إلى جزء من الـaesthetic: أغلفة مرتبة، ملاحظات ملوّنة، موسيقى حزينة واقتباسات جاهزة للمشاركة. لكن حتى لو بدأت العلاقة مع الكتاب من شكله أو من فيديو ترند، فهذا لا يعني بالضرورة أنها تنتهي هناك.
فالمنصات التي اتُّهمت طويلاً بأنها تسرق انتباه الشباب، قد تكون هي نفسها التي تدفع بعضهم إلى فتح كتاب عمره 178 عاماً.
ولا يعني نجاح "الليالي البيضاء" أن جيلاً كاملاً سيبدأ غداً بقراءة "الإخوة كارامازوف". لكن ربما لم يعد هذا هو السؤال أساساً.
إذا قادت خوارزمية شخصاً لم يكن يفكر في دوستويفسكي يوماً إلى البحث عنه، وشراء كتابه، وقراءته ثم الحديث عنه مع آخرين، فقد أصبحت الخوارزمية، ولو لوهلة، باباً إلى الأدب.
والطريف أن دوستويفسكي نفسه لم يكن يحتاج إلى تغيير قصته كي يصل إلى جيل 2026. بقي الشاب وحيداً، وبقيت ناستينكا، وبقيت الليالي البيضاء كما كتبها.
الذي تغيّر فقط هو الطريق الذي أوصل القرّاء إليهما.
نبض