باب إدريس في بيروت عام 1960… مدينة تحوّلت صورها القديمة إلى ذاكرة وحنين لدى أجيال لم تعرفها كما كانت. (Wikimedia)
ميرا فاضل
قد تكون في الأربعين، تمرّر صوراً قديمة لبيروت على هاتفك، فتتوقف أمام شارع الحمرا في الستينيات. سيارات مصطفّة، واجهات سينمات، رجال ونساء يعبرون الرصيف بملابس تنتمي إلى زمن آخر. لم تكن موجوداً هناك. لا تعرف رائحة الشارع، ولا حرّ ذلك النهار، ولا ما كان يقلق الأشخاص داخل الصورة.
ومع ذلك، تشعر بشيء قريب من الاشتياق.
أو تسمع أغنية صدرت قبل ولادتك بسنوات، فتبدو لك مألوفة بطريقة غريبة. تشاهد فيلماً مصرياً بالأبيض والأسود، تتأمل بيتاً قديماً، تسأل والديك عن أيام لم تعشها، ثم تجد نفسك تقول الجملة التي تتكرر كثيراً: "كان الزمن أحلى".
مشهد من القاهرة في القرن العشرين. (Wikimedia)
حين نشتاق إلى قرون لم نعرفها
لا يقف هذا الحنين عند الخمسينيات أو الستينيات. قد يذهب أبعد بكثير، إلى زمن لا تربطنا به حتى حكايات عائلية.
ثمة من يتأمل فلورنسا في عصر النهضة ويتخيّل نفسه يمشي بين محترفات الرسامين والنحاتين، أو يعيش في مدينة كانت الفنون والعمارة والاكتشافات الفكرية تعيد رسم صورتها.
عصر النهضة يصل إلينا اليوم غالباً عبر أجمل ما بقي منه: لوحات ليوناردو دا فينشي ورافاييل وبوتيتشيلي، منحوتات ميكيلانجيلو، قصور فلورنسا وكنائسها، وفكرة مدينة تتحول فيها الفنون إلى جزء من الحياة العامة. هذه هي النسخة التي نجت، وأصبحت رمزاً للإبداع والجمال.
لكن العيش الفعلي في أوروبا تلك الحقبة لم يكن لوحة زيتية. فقد كانت مجتمعاتها تعرف تفاوتاً طبقياً عميقاً، وصراعات سياسية وحروباً وأوبئة وقيوداً اجتماعية شديدة. أي أن الإنسان الذي يقول اليوم إنه يتمنى لو عاش في عصر النهضة لا يشتاق، في الغالب، إلى تفاصيل الحياة هناك بقدر ما يشتاق إلى المعنى الذي أعطاه الحاضر لذلك العصر: زمن يبدو فيه الفن مركزياً، والجمال جزءاً من المدينة، والإبداع قادراً على ترك أثر يستمر قروناً.
تفصيل من ولادة فينوس لساندرو بوتيتشيلي، إحدى أشهر أيقونات عصر النهضة الإيطالية. (Wikimedia)
ولكن كيف نشتاق إلى زمن لا نملك منه ذكرى واحدة؟
لهذا الشعور اسم حديث نسبياً: Anemoia، وهي كلمة ابتكرها الكاتب جون كونيغ لوصف الحنين إلى زمن لم نعشه. ليست مصطلحاً طبياً أو تشخيصاً نفسياً، لكنها تمنح اسماً لشعور مألوف: أن نفتقد مكاناً لم نزره، أو زمناً لم نكن موجودين فيه أصلاً.
ماذا تفعل الأربعون بالزمن؟
منتصف العمر يغيّر، في كثير من الأحيان، الطريقة التي نرى بها خط الزمن.
في العشرين، تكون المساحة الأكبر أمامنا. هناك مهن لم نخترها بعد، مدن لم نسكنها، أشخاص لم نلتقهم، وحيوات كثيرة تبدو ممكنة. بعد سنوات، يصبح وراءنا أيضاً تاريخ شخصي طويل: خيارات اتخذناها وأخرى تركناها، علاقات بدأت وانتهت، وجوه غابت، وأماكن تغيّرت.
هنا لا يعود الماضي مجرد "قبل". يصبح جزءاً من سؤال الهوية: كيف وصلت إلى هنا؟
وتشير أبحاث الذاكرة الذاتية إلى ظاهرة معروفة باسم reminiscence bump، أي ميل الأشخاص في منتصف العمر وما بعده إلى استعادة عدد أكبر من الذكريات التي تعود تقريباً إلى الفترة الممتدة بين سن العاشرة والثلاثين، وهي مرحلة تتركز فيها تجارب كثيرة مرتبطة بتكوّن الهوية وبدايات الحياة المستقلة.
حنين إلى زمن لم نعشه. (ذكاء اصطناعي)
ذاكرة لم نعشها… فمن أين أتت؟
لكن كل ذلك يفسّر حنيننا إلى شبابنا. ماذا عن الأربعينيات أو الخمسينيات أو الستينيات التي لم نعشها أصلاً؟ الجواب قد يكون في أن الذاكرة ليست فردية بالكامل. نحن نرث الماضي أيضاً. نسمع قصة العائلة نفسها عشرات المرات، فنحفظ تفاصيلها كأنها جزء من أرشيفنا الشخصي.
في لبنان والمنطقة العربية، لهذا النوع من الذاكرة طبقة إضافية. يكفي أحياناً أن تُنشر صورة لبيروت أو دمشق أو القاهرة أو بغداد قبل عقود حتى تبدأ التعليقات: الشوارع، المقاهي، المسارح، الملابس، الحياة الليلية، وحتى شكل الناس وهم يمشون في المدينة. هنا يتحوّل الماضي من ذاكرة فردية إلى ذاكرة ثقافية.
هل نشتاق إلى الماضي… أم إلى ما نعتقد أنه كان موجوداً فيه؟
ربما هنا تكمن العقدة الأهم. حين نقول "كان الزمن أجمل"، ماذا نقصد تحديداً؟ هل نريد فعلاً العودة إلى الحياة قبل الإنترنت، أم أننا نشتاق إلى وقت لم يكن فيه الهاتف يرافقنا من لحظة الاستيقاظ حتى النوم؟ هل نشتاق إلى منزل الجدة نفسه، أم إلى إحساس اجتماع العائلة فيه؟ إلى الكاسيت، أم إلى الوقت الذي كنا نمنحه لأغنية واحدة؟ إلى الشارع القديم، أم إلى مدينة تبدو في الصور أقل سرعة وأكثر قابلية للفهم؟
الحنين بارع في الاختيار. يحتفظ بالأغنية ويتخلّى عن الضجيج الذي كان يحيط بها. يحتفظ بالفستان والسيارة والسينما والمقهى، لكنه لا يعيد إلينا بالضرورة صعوبات العمل أو المرض أو القيود الاجتماعية أو الحروب أو غياب الحقوق الذي كان جزءاً من الأزمنة نفسها.
بكلمات أخرى، حين نزور الماضي في مخيلتنا، ندخله غالباً من أجمل أبوابه.
الماضي الذي تصنعه الشاشة
ثم جاءت السوشال ميديا وجعلت الماضي متاحاً يومياً. لم يعد الحنين يحتاج إلى ذاكرة شخصية. يكفي أن يمتلك صورة جيدة. ولم يعد هذا الحنين مجرد شعور فردي، بل أصبح أيضاً جزءاً من صناعة كاملة. الموضة تعيد قصّات قديمة، العلامات التجارية تستعيد عبوات وتصاميم من أرشيفها، الموسيقى تعود إلى أصوات الثمانينيات والتسعينيات، وحتى الكاميرات الرقمية تحاول تقليد ملمس الصور القديمة.
المفارقة أن التكنولوجيا التي تجعلنا أحياناً نشتاق إلى عالم أقل رقمية هي نفسها التي تعيد إلينا ذلك العالم كل يوم. نبحث على الهاتف عن حياة نتخيّل أنها كانت أجمل قبل الهاتف. ولكن… هل كان الزمن القديم جميلاً فعلاً؟
هنا يصبح الحنين أكثر تعقيداً.
عندما نرى صورة قديمة لبيروت أو القاهرة أو باريس، نحن لا نرى الحياة كاملة. لا نرى الفقر، ولا الأمراض، ولا الخوف السياسي، ولا القيود الاجتماعية، ولا التفاصيل اليومية التي جعلت ذلك الزمن صعباً على كثيرين.
بهذا المعنى، نحن لا نقارن الحاضر بالماضي الحقيقي. نقارن الحاضر، بكل فوضاه وتفاصيله، بنسخة منتقاة بعناية من الماضي. وهذه مقارنة يكاد الحاضر أن يخسرها دائماً.
صور قديمة تحفظ وجوهاً وحكايات من زمن لم نعشه، لكنها قد توقظ فينا شعوراً بالحنين إليه. (Wikimedia)
فما الذي يجعل إنساناً يعيش في 2026 يشتاق إلى حياة من 1965؟
الجواب يقول الكثير عن عام 2026 نفسه. ربما لا نريد الماضي أصلاً، ربما نريد ما أسقطناه نحن على تلك الصور: حياة أبطأ. علاقات أكثر قرباً. مدينة يمكن أن نمشي فيها. جلسة لا يقاطعها هاتف. بيتاً يبقى فيه الأشخاص الذين نحبهم كما نتذكرهم.
ومع الاقتراب من الأربعين، قد يصبح هذا الفرق أكثر وضوحاً. فبعدما نمضي النصف الأول من حياتنا تقريباً في صناعة المستقبل، نبدأ للمرة الأولى في امتلاك ماضٍ يكفي لأن نقارنه به.
عندها قد لا يكون السؤال: لماذا نشتاق إلى زمن لم نعشه؟ بل: ما الذي نفتقده في حاضرنا إلى درجة أننا نبحث عنه في ماضٍ لم يكن لنا أصلاً؟
من تصميم استُلهم من عام 1925 إلى عقد ابتُكر عام 2008، تكشف هذه المقتنيات عن فصلٍ خاص من علاقة كارتييه بالفن المصري، وعن ذائقةٍ تحتفي بالقطع التي تحمل حكايةً تتجاوز جمالها.