فادي عزّام يرصد تداعيات الاستبداد في الدنيا والآخرة
سلمان زين الدين
حسناً فعل الكاتب فادي عزّام حين اختار كلمة "سُدُف" عنواناً لروايته الجديدة، الصادرة عن "دار نوفل" في بيروت؛ ذلك أنّ من معاني الكلمة في اللغة اختلاط الضوء والظلمة، وتُطلَق على الوقت الفاصل بين طلوع الفجر والإسفار.
وإذا ما علمنا أنّ متن الرواية يتوزّع على مجموعة من "البينيّات"، من قبيل: بين الواقع والفانتازيا، بين المعتقل والمقبرة، بين اليقظة والحلم، بين الضوء والعتمة، بين الدنيا والآخرة، بين الحياة والموت، بين الوجود واللاوجود، أدركنا حسن اختيار العنوان لمتنٍ هو عبارة عن مجموعة من "البينيّات"، الخطابية والحكائية.
وبذلك، يكون العنوان من المتن بمثابة الاسم على المسمّى. ومن الجدير بالذكر أنّ عزام روائي وصحافي سوري من السويداء، صدرت له روايات عدّة، تُرجِمت إلى غير لغة، ووصل بعضها إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية.

معتقلات ومقابر
تدور أحداث الرواية في سوريا، في ظلّ حكم النظام السابق، في أماكن يجري تحديدها باسم الجنس من دون اسم العلم، من قبيل: المعتقل، المشفى، والمقبرة. ولعلّ هذا التجنيس في التسمية ينطوي على تعميم معيّن، بحيث يستنتج القارئ أنّ الأحداث تقع في أماكن كثيرة غير محدّدة بالأسماء. يرصد عزّام في روايته تداعيات حكم الاستبداد الذي مارسه النظام السابق على السوريين، ما أدّى إلى أن تكتظّ المعتقلات بأجسادهم، وتضيق المقابر بجثثهم، وغدا الواحد منهم إمّا معتقلًا وإما شهيداً. وهو يفعل ذلك، من خلال خطاب روائي قوامه سلكان سرديّان، الأوّل واقعي، تجري أحداثه في المعتقل والمشفى والبيت، والثاني غرائبي، تجري أحداثه في مقبرة عامة.
على أنّ السلكين يتناوبان على الحضور النصّي بوتيرة معيّنة، يختلفان في الشخوص والأحداث، ويتقاطعان في أنّ بطل السلك الأوّل وراويه الذي يروي أحوال المعتقلين في سجون النظام يقوم بقراءة المخطوطة التي كتبها بطل السلك الثاني وراويه، ويرصد فيها أحوال الشهداء في مقبرتهم العامة. وهكذا، يتكامل السلكان في ما بينهما لتقديم سردية عن التداعيات المرصدة، وتعرية النظام وأدواته.
تحولات جسدية ونفسية
تتمحور أحداث السلك الأوّل حول شخصية المعتقل السابق أستاذ التاريخ راسم عبد الغني رضوان الذي يُسنِد إليه الروائي مهمّة الروي، فيروي تجربته في المعتقل والمشفى والشقّة، ونكتشف من خلال رويه التحوّلات الجسدية والنفسية التي مرّ بها خلال هذه التجربة، من أعطاب وكسور، وسوء تغذية، وتعفّن أمعاء، وتهتّك عضلي، وانحباس دموي، وكدمات عميقة، على المستوى الجسدي، واضطرابات معرفية وفقدان للذاكرة، على المستوى النفسي، ما أدّى به إلى اعتزال الناس، والاغتراب عن الذات، ومحاولة استعادة ذاكرته المفقودة.
ذلك أنّ الأستاذ الذي يُزَجّ به في المعتقل بتهمة معارضة النظام، يقضي بضعة أشهر في زنزانة قذرة، يتعرّض فيها لشتّى أنواع التعذيب، ويخرج منه إلى المشفى وقد فقد ذاكرته، وامتلأ جسده بالحفر وآثار الكلابات التي انتزعت منه اللحم والجلد، ويقضي في المشفى بضعة أشهر أخرى ليخرج منه غير قادر على معرفة حاضره، وتذكّر ماضيه، وتلمّس مستقبله. وبذلك، يُحقّق الاستبداد أهدافه من الاعتقال، ما يتمظهر في محو الشخصية، وطمس الذاكرة، وقتل المستقبل.
ذاكرة مفقودة
وفي محاولة البحث عن شخصيته الضائعة، واستعادة ذاكرته المفقودة، يلجأ الأستاذ إلى الصور القديمة، وإهداءات الكتب التي كتبها له أصحابها، وسماع الموسيقى، ومحاورة الأفكار، ويزور قسم التاريخ الذي كان يدرّس فيه، فيعترف بعضهم بدوره، وينسب إليه بعضهم الآخر تهمة الخيانة، فيعود من حيث أتى، ولا يقع على ما يشفي غليله من نتائج البحث، فيلازم بيته، ويعتزل الناس، ويعكف على قراءة الكتب، ويعلّق عملية البحث عن شخصيته واستعادة ذاكرته بانتظار طارئ ما قد يطرأ وقد لا يطرأ.
غير أنّه يُولي المخطوط الذي حصل عليه من جاره حفّار القبور اهتماماً خاصّاً، يطّلع من خلاله على يوميات الشهداء المدفونين في مقبرتهم، كما دوّنها أحدهم، لعلّه يجد فيه شيئاً ممّا يبحث عنه، والمفارقة أنّه يبدأ بالتذكّر مع مشارفته نهاية قراءة المخطوط؛ فيتذكّر مكوثه في الزنزانة أشهراً بلا طعام، وتضوّره جوعاً، وإخضاعه للتعذيب، وتعرّضه للجلد، وفقدانه الوعي، واستفاقته في المشفى، على سبيل المثال لا الحصر.
ومن خلال هذه الذكريات وغيرها، تضيء الرواية أوضاع المعتقلات وأحوال المعتقلين في السجون السورية، في ظلّ النظام البائد، وهو ما يعكس تداعيات الاستبداد على أفضل وجه.
لغة السهاد
في المقابل، تتمحور أحداث السلك الثاني حول شخصية الشهيد المدفون في مقبرة الشهداء. وإذا كانت أحداث السلك الأول تتّسم بالواقعية، وتنتظم في مسار خطّي، فإنّ أحداث الثاني تغرق في الغرائبية والسوريالية، وتكسر خطّية الزمن في انتظامها. لذلك، تندرج في نصوص مختلفة العناوين، وكثيراً ما يتمّ تصديرها بلغةٍ غريبة، يجترحها الكاتب، ويُطلق عليها اسم لغة السهاد، وهو ما يقع بين اليقظة والنوم، وتشكّل التصديرات المختلفة مداخل لقراءة النصوص.
ولعل الكاتب تعمّد هذا الاجتراح ليجعل المشاهد السردية تجمع بين غرابة اللغة وغرابة الأحداث. وإذا كان شخوص السلك الأوّل يتموضعون على ضفة الحياة الدنيا، فالمفارقة أنّ شخوص الثاني يتموضعون في البرزخ الفاصل بين ضفتي الدنيا والآخرة، وهو ما يعبّر عنه الراوي في هذا السلك بالقول: "نحن عالقون في برزخ هلامي، منذ زمن طويل توقّفت البوّابة عن استقدام العابرين الجدد إلّا في ما ندر" (ص 82)، ويعزو هذا التكدّس في البرزخ إلى "جغرافيا تستهين بالموت، تحتقر الحياة، تُتخَم بالرياء والأوهام، تستعمل تعاليم التحريم، تبرّر الانتهاك، فيحدث التكلّس" (ص 96).
وهكذا، يسقط الشهداء والقتلى ضحايا الجغرافيا التي قدموا منها، لا هم ظلّوا على قيد الحياة فبقيوا فيها، ولا هم ماتوا فانفتحت لهم بوّابة السماء.
غرائب وعجائب
في هذا السلك، يرصد الراوي الشهيد الكثير من الوقائع الغرائبية والمشاهد السوريالية والأحداث الكابوسية. ويتناول حركة نزلاء المقبرة وعلاقاتهم في ما بينهم، وتصنيفهم في مجموعات مختلفة، واستخلاص بعضهم الدروس والعبر، وخضوعهم لمجلس جنرالات يشرف عليه شيخ الزنزلخت الحكيم، وكأنما كُتِب عليهم أن يلاحقهم الحكم العسكري إلى قبورهم. ومن الغرائب، في هذا السياق، التحقيق مع الشهداء الوافدين من شهداء موالين للوقوف على كيفية استشهادهم.
عقد اجتماعات تنسيقية لتوزيع العمل على الجنرالات. نزع الراوي يده المستعارة من امرأة ورميها في زاوية القبر. نشوء علاقة حب بينه وبين اليد المنزوعة. حفر المقابر الجماعية وملأها بالجثث التي تأتي بها الشاحنات. جرّ أقدام مشلولة لا تملك وزناً فوق تراب يرفض ابتلاعها. التهام الدود أجساد بعضهم على مرأى من بعضهم الآخر. ولعلّ أكثر المشاهد رعباً وغرابة يتمثّل في قول الراوي: "أمطرت السماء كلّ شيء: أشلاء، أطفال، جراذين، مسوخ، قصاصات ملوّنة، جثث مقطوعة الرأس، براميل... وحين توقّف مازوخ المطر الغريب، كان جوار المفبرة قد أصبح مدينة كاملة من الموتى" (ص 104).
إنّ هذه الغرائب، على بشاعتها، تشكّل إدانة واضحة للنظام السابق وأدواته، بحيث لا يكتفي بممارسة استبداده على ضحاياه في معتقلاتهم، فيلحق بهم إلى قبورهم، ولا ينأى الكاتب، هنا، عن السقوط في الغلوّ الروائي الذي ربّما اقتضته غرائبية الأحداث وعجائبيتها. على أنّ الإدانة لا تقتصر على ذلك النظام وممارساته القمعية بل تتعدّاه إلى الممارسات التي واكبت وصول الحكّام الجدد؛ فيُعرّض بـ"محصّلي عهود الله" الذين يخرجون من الظلال لتقام، على شرفهم، "الولائم والمناسف في المدن التي احتلّوها، يغيرون على قرى كاملة، بجنون الهياج البدائي القديم، بشهوة الدم الأسود، برغبة أعمق بالافتراس يلتهمون الولائم التي باتت تتوهّج في وسطها رؤوس مقطوعة لأطفال ونساء ورجال" (ص 118). ولعلّه يشير بذلك إلى ما حصل في مدينته السويداء ومحيطها، في تموز من العام الماضي، من جرائم وحشية، ارتكبتها وحوش بشرية من شذّاذ الآفاق.
وبعد، في "سُدُف" يقرع فادي عزّام جرس إنذار يحّذر فيه من العودة إلى الممارسات السابقة، ويبقي الباب مفتوحاً على احتمالات التغيير. وبذلك، تشكّل روايته دعوة غير مباشرة للإفادة من أخطاء التاريخ وخطاياه، وعدم السقوط فيها، من جديد. فهل من سميع؟
نبض