نادي الخامسة صباحاً: هل الاستيقاظ المبكر سرّ النجاح والإنتاجية؟
ميرا فاضل
قد ينجز شخص أفضل أعماله قبل أن يستيقظ أهل البيت، فيما يحتاج آخر إلى هدوء المساء ليكتب صفحة كان عاجزاً عن كتابتها طوال النهار. كلاهما يعرف، بالتجربة، متى يكون ذهنه أصفى. ومع ذلك، تبدو عبارة "أستيقظ عند الخامسة صباحاً" أقرب إلى إعلان عن الانضباط والطموح، بينما تستدعي عبارة "أبدأ العمل متأخراً" شرحاً إضافياً، كأنّ صاحبها مطالب بالدفاع عن يومه.
هذا التفاوت في النظرة إلى الاثنين هو ما يجعل الاستيقاظ المبكر موضوعاً ثقافياً يتجاوز عادات النوم. فالساعة التي نغادر فيها الفراش دخلت في الصورة التي نصنعها عن أنفسنا وعن الآخرين: من يأخذ حياته بجدية، ومن يهدر وقته، ومن يستحق أن يُقدَّم نموذجاً للنجاح.
كيف أصبحت الخامسة موعداً للحياة المثالية؟
وجدت ثقافة تطوير الذات في الساعات الأولى من النهار وعداً جذاباً: وقت لنفسك قبل أن تبدأ مطالب العمل والعائلة، وفرصة للرياضة والقراءة والتخطيط. وقدّم روبن شارما، في كتابه "نادي الخامسة صباحاً"، هذا الروتين بوصفه طريقاً إلى تحسين الإنتاجية والحياة.

ومع فيديوات الروتين الصباحي، أصبح للوعد شكل يمكن مشاهدته وتقليده: استيقاظ قبل الشروق، تمارين، فطور، دفتر أهداف، ثم انطلاق إلى العمل.
يمكن فهم جاذبيتها بسهولة. في يوم مزدحم، تبدو ساعة هادئة ملكاً لصاحبها مكسباً ثميناً. لكنّ القفزة تحصل عندما يُنسب الإنجاز إلى توقيت الاستيقاظ وحده، فتغيب أسئلة أخرى: متى نام هذا الشخص؟ كيف تتوزّع مسؤولياته؟ وهل يملك من يساعده في تفاصيل يومه؟

عندها، يصبح تقليد البداية أسهل من فهم الظروف التي جعلتها ممكنة. وقد يشعر المتابع بأنّه مقصّر، مع أنّه يقارن صباحه بمشهد لا يعرف ما سبقه ولا ما حُذف منه.
لماذا نكون صباحيّين أو مسائيّين؟
وراء ما نسمّيه "شخصاً صباحياً"، أو "Morning person"، اختلافات فعلية في توقيت النعاس واليقظة. ويستخدم الباحثون مصطلح النمط الزمني، أو "Chronotype"، لوصف ميل الإنسان الطبيعي إلى النوم والنشاط في أوقات معيّنة. يمتدّ هذا الميل بين نمط مبكر وآخر متأخر، مع درجات كثيرة بينهما.
تنظّم الساعة البيولوجية إيقاع الجسم على مدار اليوم، وتتأثر بالضوء والظلام. لدى بعض الأشخاص، يأتي الاستعداد للنوم والاستيقاظ أبكر، فيما يتأخر لدى آخرين. لذلك، قد يغادر اثنان الفراش في الساعة نفسها، من دون أن يكونا في الدرجة نفسها من الاستعداد لبدء يومهما. وتوضح المعاهد الوطنية للصحة الأميركية أنّ اختلاف الساعات الداخلية بين الأشخاص أمر طبيعي.
للوراثة دور أيضاً. ففي دراسة نُشرت عام 2019 في "نيتشر كوميونيكيشنز"، شملت بيانات نحو 698 ألف شخص، حدّد الباحثون مئات المواقع الجينية المرتبطة بالميل إلى النشاط الصباحي. وهذا لا يعني أنّ عاداتنا محدّدة سلفاً، فالعمر والتعرّض للضوء والبيئة المحيطة تشارك في تشكيلها.

قد يتغيّر هذا الميل خلال الحياة: يتأخر توقيت النوم طبيعياً لدى كثير من المراهقين، فيما يميل كبار السن إلى الاستيقاظ أبكر. كما تؤثر الإضاءة الاصطناعية والعادات اليومية في إيقاع النوم. لذا، لا يكفي وصف شخص بأنّه كسول لتفسير صعوبة استيقاظه، ولا يعني كل سهر أنّ صاحبه مسائي بطبيعته.
حين يسبق الحضورُ الإنجازَ
تكتسب هذه الاختلافات أهميةً أكبر داخل بيئة العمل. ففي دراسة أجراها باحثون من جامعة واشنطن ونُشرت عام 2014، ارتبط بدء العمل متأخراً بتقييم أقل إيجابية لدى المشرفين، حتى بعد أخذ ساعات العمل والأداء الفعلي في الحسبان. وكان الانحياز أضعف لدى المشرفين الذين يفضّلون النشاط المسائي.
تساعد هذه النتيجة على فهم كيف تتحوّل عادة إلى معيار مهني. فالموظف الذي يصل باكراً يُرى وهو يبدأ يومه، بينما قد يبقى عمل زميله في ساعات متأخرة أقل ظهوراً. ومن هنا يأتي السؤال عن معنى الإنتاجية: كم أنجز الشخص، أم في أي ساعة رآه الآخرون يعمل؟

وللّيل حصّته من العمل
في الأدب، يصعب فرض موعد واحد على الكتابة. تذكر المكتبة الوطنية الفرنسية أنّ الروائي مارسيل بروست أنجز القسم الأساسي من عمله خلال مرحلة كان ينام فيها نهاراً ويعمل ليلاً. تمنح تجربته مثالاً على الانضباط الذي يمكن أن يتّخذ توقيتاً مختلفاً، من دون أن تجعل السهر شرطاً للإبداع.
قد يمنح المساء بعض الناس مساحة للعمل بعد انحسار الاتصالات والمقاطعات، مثلما يمنح الصباح آخرين الهدوء نفسه. لكنّ اقتطاع ساعات من النوم للاستيقاظ عند الخامسة قد يضرّ بالغاية المنشودة، فنقص النوم يؤثر في التركيز واتخاذ القرار، ويزيد الوقت اللازم لإنجاز المهام والأخطاء التي تتخلّلها.

يحقّ لمن يحبّ الصباح أن يتمسّك به، ولمن يجد صفاءه مساءً أن يفهم إيقاعه ويبحث عن مساحة تناسبه. وما يستحقّ المراجعة هو ذلك الشعور بالتفوّق الذي نعلّقه أحياناً على ساعة مبكرة. فصفحة كُتبت بإتقان في منتصف الليل لا تقلّ قيمة عن أخرى اكتملت قبل الشروق.
يبقى خارج صورة الصباح المثالي أيضاً من يعمل بنظام المناوبات، ومن تسهر لرعاية طفل، ومن لا يملك حرية ترتيب يومه. وقد يكون الاستيقاظ المبكر عادة مفيدة ومريحة لكثيرين، لكنّ تحويلها إلى مقياس عام للنجاح يتجاهل اختلاف الأجساد والمسؤوليات. السؤال الأجدى عند تقييم العمل: ماذا أنجز صاحبه، وبأي جودة؟ أمّا المنبّه، فلا يروي القصة كاملة...
نبض