رحيل "حافظ المتنبي" مصطفى سبيتي... آخر البيوت كانت اللغة
رحل مصطفى سبيتي عن 74 عاماً، لكن القصيدة التي عاش فيها لم تُغلق بابها خلفه. غاب الشاعر الجنوبي بعد صراع مع المرض، وبقي صوته موزعاً بين كتب ألّفها، وقوافٍ صاغها، وذاكرة أدبية تعرف أن الموت ينهي حياة الشاعر، لكنه لا يبلغ دائماً كلماته.
نعته ابنته، الشاعرة والإعلامية لوركا سبيتي، بكلمات اختصرت حيرة الفقد ودهشته: "الناس عم يقولوا مات… وأنا مبارح كنت عنده، وما قال لي: بكرا بدي موت". ثم وجدت لغيابه تفسيراً لا يقدّمه سوى الشعر: "يمكن بس ملّ من الحكي، ولما صار الحكي سكوت… فتح باب خيالو، وفات".

هكذا بدا رحيل مصطفى سبيتي امتداداً لقصيدته: انتقالاً من الكلام إلى الصمت، ومن الجسد إلى التراب الذي عاد إليه ابن كفرصير، البلدة الجنوبية التي بقيت حاضرة في وجدانه وفي صور شعره.
عاش في بيت القصيدة
ترك سبيتي عدداً من المؤلفات والمجموعات الشعرية، من بينها "براعم على حطب الخليل"، و"سَبَل القوافي"، و"أرَج الروي"، إلى جانب كتابيه "شرح ديوان أبي الطيب المتنبي" و"جذور المكيافيلية في كليلة ودمنة".
ولم تكن علاقته بالمتنبي صلة قارئ بشاعر قديم فحسب. كان يحفظ شعره ويقيم في لغته، حتى إن بعض محبيه أطلقوا عليه، بشيء من المبالغة المحببة، لقب "خليفة المتنبي". كما ارتبط بألفية ابن مالك وبالتراث اللغوي العربي، وظل وفياً للقصيدة العمودية وأوزانها وقوافيها.
لكن هذا الوفاء لم يحوّله إلى حارس جامد للماضي. كان يتعامل مع العربية باعتبارها كائناً حياً، ويبحث في صرامة الوزن عن مساحة للصور والمجازات والانفعال الإنساني. فجاءت قصيدته مشغولة بعناية، واضحة الإيقاع، قريبة من السمع، ومتصلة بتراث لم يكن بالنسبة إليه مخزناً للألفاظ، بل بيتاً فكرياً وجمالياً.
بيروت في هيئة سفينة
في قصيدته "لبيروت الثكلى"، رأى المدينة سفينة تحمل النازح واللاجئ، وتمضي في بحر مضطرب بعدما أرخى ربّانها جفونه:
"للبحرِ يا شريدةَ الشواطئ
أغنيةٌ حزينةْ
تُشجى بها الأمواجُ والموانئْ
تحكي أسى سفينةٍ، مدينةْ".
في هذه الصورة شيء من سيرة لبنان نفسه، ومن سيرة الشاعر الذي عاش تحولات البلاد وخساراتها، وحاول أن يحفظ في القصيدة ما كانت الأيام تبدّده. كانت المدينة عنده أكثر من جغرافيا، كما كان الجنوب أكثر من مكان، كلاهما ذاكرة وصوت ووجوه وحنين.
الحرب تصل إلى العائلة
في سنواته الأخيرة، اقتربت الحرب من عائلة سبيتي على نحو مباشر، حين دمّرت غارة إسرائيلية منزل ابنه الشاعر فيديل سبيتي في الضاحية الجنوبية لبيروت، فضاع المنزل ومعه مكتبة الابن وما كانت تضمه من كتب وأوراق وذكريات.
لم تكن الخسارة جدراناً وأثاثاً فحسب. فالمنزل الذي يضم مكتبة لشاعر يتحول مع الزمن إلى مستودع لذاكرة شخصية وثقافية: كتب تحمل ملاحظات أصحابها، وصفحات تحتفظ بتواريخ قد لا تعني سواهم، وأوراق ومسودات تمثل مراحل من الحياة والكتابة.
وحين يفقد الابن الشاعر منزله ومكتبته، لا تبدو الخسارة بعيدة عن الأب الذي أمضى حياته بين الكتب والقصائد. إنها تصيب العائلة في أكثر أماكنها حميمية، وتضع الذاكرة في مواجهة الخراب. غير أن ما انتقل بين الأب وابنه من لغة وشعر ظل عصياً على الضياع، فما تحفظه الروح لا يسقط كله تحت الركام.
مرثية الابن والأب
كتب ابنه الشاعر فيديل سبيتي إلى روحه نصاً تتقاطع فيه الأبوة بالصداقة، والفقد بالسؤال: "يا أبي، يا صاحبي… من مات منّا قبل صاحبه، أنا أم صاحبي؟". وهي عبارة تكشف ما يتركه رحيل الأب حين يكون أيضاً معلماً ورفيق لغة: لا يغيب شخص واحد، بل تنقطع محادثة كاملة كان يمكن أن تستمر.
أما المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، الذي عدّه سبيتي بيته الثاني، فنعاه بوصفه واحداً ممن "عاشوا حياتهم شعراً ولم يغادروا بيت القصيدة". وقد عرفته منابر الشعر والأدب في لبنان، وسبق للمجلس أن كرّمه قبل رحيله، كأن الثقافة أرادت أن تقول له، وهو حاضر، إن أثره أصبح جزءاً من ذاكرتها.
رحل مصطفى سبيتي بعدما أثقلت السنوات جسده، وبعدما رأى جنوبه يتآكل. لكنه ترك ما يصعب هدمه: قصائد وكتباً وأبناء يحملون الشعر، وذكراً في الجنوب الذي أحبه.
عاد الشاعر إلى التراب، كما كتبت ابنته، لكن صوته لم يعد معه. بقي هنا، بين قافية وأخرى، وفي كتاب نجا من الغياب، وقصيدة يعيد قارئ مجهول فتحها، ليمنح صاحبها حياة جديدة كلما بدأ القراءة.
نبض