أدراج بعلبك في ذاكرة الجامعة الأميركيّة… سبعون عاماً من الفنّ والصّمود
اجتمعت رئيسة لجنة مهرجانات بعلبك الدولية نايلة دو فريج، والأب الدكتور بديع الحاج، والباحثة والكاتبة زينة صالح كيالي، في ندوة بعنوان "أثر مهرجانات بعلبك الدولية في تطوّر الموسيقى في لبنان والمشرق"، ضمن "أسبوع مهرجانات بعلبك في الجامعة الأميركية في بيروت"، احتفاءً بمرور سبعين عاماً على انطلاق المهرجان، أعقبها توقيع كتاب كيالي "زكي ناصيف، منشد الأرض".
لم تكن الندوة مجرّد استعادة لتاريخ مهرجان عريق، بقدر ما أعادت طرح سؤال لا يزال مفتوحاً: كيف استطاعت مهرجانات بعلبك أن تسهم في صناعة صوت لبناني حديث؟ وكيف يمكن لهذا الصوت أن يتجدّد اليوم من دون أن يفقد جذوره؟
تغيير موقع مهرجانات بعلبك من دون التخلّي عن الفن
وضعت دو فريج الحضور أمام أبرز المحطات التي عبرتها مهرجانات بعلبك منذ انطلاقتها، وما رافق مسيرتها من فترات ازدهار وانقطاع وصعوبات أمنية وسياسية. فالمهرجان تجاوز وظيفة استضافة الأسماء العالمية، وشارك في تقديم لبنان بوصفه مساحة للإبداع والحوار، كما منح الفنانين اللبنانيين فرصة الوقوف أمام جمهور محلي ودولي.

ومنذ سنواته الأولى، ارتبطت بعلبك بمشروع ثقافي سعى إلى إظهار وجه لبنان الحضاري، مستفيداً من الموقع الأثري من دون تحويله إلى خلفية جامدة. وبين المعابد والموسيقى والمسرح، نشأت ذاكرة فنية تجاوز أثرها حدود القلعة ووصلت إلى المشهد الموسيقي في لبنان والمشرق.
أما قدرة المهرجان على الاستمرار، فارتبطت، وفق دو فريج، بمرونته واستعداده للتكيّف مع الأزمات من دون التخلّي عن رسالته، وقالت: "حين تفرض علينا الظروف تغيير الخشبة، نفعل ذلك من دون أن نتخلّى عن الفن. وحين تفشل السياسة في إيجاد أرضية مشتركة، تستطيع الثقافة أن تصنع هذه الأرضية".
وبالنسبة إلى دو فريج، لا تعني الاستمرارية تكرار التجربة بصيغتها القديمة، بل قدرة المهرجان على إعادة ابتكار نفسه والحفاظ على إرثه من خلال منحه مستقبلاً.
"عصبة الخمسة" وصناعة صوت لبناني
عاد الأب الدكتور بديع الحاج إلى المرحلة التأسيسية التي شهدت بروز "عصبة الخمسة"، وضمّت الأخوين عاصي ومنصور الرحباني، وزكي ناصيف، وتوفيق الباشا، وتوفيق سكر، قبل أن ينضم عبد الغني شعبان إلى التجربة بعد انسحاب سكر.

لم يتعامل هؤلاء الموسيقيون مع الفولكلور باعتباره مادة محفوظة في الماضي، بل سعوا إلى إعادة صياغته موسيقياً ومسرحياً، ونقله من ساحات القرى إلى الخشبة والأوركسترا. ومن هذه التجربة وُلدت أعمال مزجت الدبكة والغناء الشعبي بالموسيقى الأوركسترالية والجوقة والمشهد المسرحي، وأسهمت في تكوين لغة فنية لبنانية أمكن تقديمها إلى المنطقة والعالم.
وفي تفصيله لما أحدثته بعلبك في الموسيقى اللبنانية، توقّف الحاج عند أربعة تحوّلات مترابطة. فقد نقلت المهرجانات الإنتاج الموسيقي اللبناني إلى إطار مؤسسي وفّر للفنانين إمكانات لم تكن متاحة سابقاً، وجمعت في العمل الواحد التأليف والكلمة والتوزيع والغناء والعزف، إلى جانب الكورس والرقص والإخراج والإضاءة وتصميم الأزياء.
كذلك دفعت ضخامة المكان الفنانين إلى تطوير أشكال موسيقية ومسرحية تستجيب لفضاء أثري واسع، وتخاطب جمهوراً يتجاوز المستمع الإذاعي. ومع مهرجانات بعلبك، تحوّلت الموسيقى والمسرح الغنائي إلى وسيلتين لتمثيل لبنان ثقافياً أمام الجمهورين العربي والدولي.
بهذا المعنى، لم تكن مهرجانات بعلبك خشبة قُدّمت فوقها عروض فنية فحسب، بل مختبراً تشكّلت داخله صورة حديثة للموسيقى اللبنانية، وفضاءً جمع الفنون المختلفة ضمن عمل متكامل.
من هذه التجربة انتقل الحاج إلى سؤال المستقبل، مشدداً على أن الفولكلور لا يُختصر بـ"طربوش وشروال"، ولا يمكن حمايته عبر تكرار صوره القديمة. فالحفاظ على التراث يتطلّب إعادة قراءته وتقديمه بلغة معاصرة تعكس الوجه الجديد للثقافة والموسيقى في لبنان، وتمنح الأجيال الجديدة مساحة لإنتاج أعمالها الخاصة.

زكي ناصيف بعيداً من الصورة الرسمية
مع زينة صالح كيالي، انتقلت الندوة من الوقائع التاريخية إلى التفاصيل الإنسانية الصغيرة. تحدّثت مؤلّفة الكتاب عن زكي ناصيف الإنسان، وعن موهبته وطيبته وسرعة رضاه، حتى حين كان يشعر بالعتب أو بعدم إنصافه.
واستعادت في هذا السياق حكاية جمعته بالسيدة فيروز. ففي إحدى المناسبات، لم تذكر السيدة فيروز أن إحدى الأغنيات التي أدّتها كانت من تلحينه، فكتب إليها ناصيف رسالة قصيرة حملت عتباً رقيقاً. لم تتحوّل الحادثة إلى خصومة، وسرعان ما طُويَت، قبل أن تكرّس فيروز لاحقاً ألبوماً كاملاً لألحانه.
تكشف هذه الحكاية جانباً من شخصية موسيقي ترك أثراً كبيراً من دون أن يتخلّى عن بساطته. رجل كانت الموسيقى عنده أكبر من الخلافات العابرة.
الذاكرة تنتظر العودة إلى أدراج بعلبك
اختُتمت الندوة بتوقيع كيالي كتابها عن زكي ناصيف، في لقاء جمع بين ذاكرة المهرجان وسيرة أحد أبرز الذين أسهموا في تشكيل صوته اللبناني. غير أن استعادة الماضي لم تحجب غياب المكان الذي بدأت منه القصة.
ففي عام الذكرى السبعين، فرضت الأوضاع الأمنية والسياسية تأجيل دورة مهرجانات بعلبك لعام 2026. وحملت الجامعة الأميركية جانباً من الاحتفال إلى بيروت، من خلال الندوة والمعرض والبرنامج الموسيقي، لكن استعادة أثر بعلبك تبقى مختلفة عن العودة الفعلية إلى القلعة.
فالمهرجان الذي عرف طوال تاريخه كيف يغيّر خشبته من دون أن يتخلّى عن الفن، لا يزال متمسّكاً بوظيفته الثقافية، في انتظار أن تسمح الظروف بعودة العروض إلى المكان الذي منحها معناها الاستثنائي.
وفي ختام الندوة، اختصرت أمنية واحدة كلّ ما قيل: أن نعودَ قريباً ونلتقي على أدراج بعلبك.
نبض