فرنسا تكرّم الفنانَين الزوجَين آن وباتريك بوارييه ومدينة ظلالهما
باريس- أوراس زيباوي
تكرم فرنسا الزوجين الفنانين آن وباتريك بوارييه (من مواليد 1941 و1942) فتقام حول نتاجهما تظاهرات ثقافية منها معرض كبير بعنوان "آن وباتريك بوارييه، ذاكرة للنسيان" يختزل تجربتهما كمسافرين جابا العالم لاستكشاف المواقع والآثار التاريخية، ومنها في الدول العربية.
يعمل الزوجان معا منذ نهاية الستينات من القرن الماضي ويوقعان أعمالا فنية أكسبتهما شهرة عالمية، تختزل رؤية شاعرية ولغة فنية متينة تعبر عن هشاشة الحضارات البشرية وسقوط الامبراطوريات وتحولها الى أطلال. وقد عايشا حروب القرن العشرين وعبرا عن رفضهما لأشكال العنف البشري المتفشي في القارات من خلال الصور واللوحات والتجهيزات المنفذة بمواد طبيعية كالخشب والزجاج والطين. يستلهمان فن العمارة وعلم الآثار والأنثروبولوجيا والتحليل النفسي، كما في تجهيز "مدينة الظلال" الذي يحتل مساحة شاسعة في المتحف.

نشاهد نماذج لأبنية من السيراميك الأبيض متوجة بقباب وهي تستعيد عمارة الأضرحة أو النصب التذكارية الجنائية كما في القاهرة المملوكية. نحن هنا أمام تصاميم هندسية تستدعي الماضي الحاضر دائما في ذاكرة الفنانين بوارييه على الرغم من مرور الزمن. مدينة أشبه بالمتاهة يسترجعان فيها ذكرياتهما الأليمة، ومنها دمار المدن بسبب الحروب ووفاة ابنهما الوحيد ألين غيوم الذي رحل وهو في الثالثة والثلاثين من عمره عام 2002، وقد شكلت وفاته صدمة كبيرة لهما، لكن بدلا من أن تفرقهما، دفعتهما للانغماس أكثر في العمل المشترك بحثا عن الضوء والابن الضائع.
تأتي مدينة الظلال اليوم محصلة لهذا التفاني وكتتويج لسيرة فنية امتدت منذ أكثر من خمسين عاما. يوم افتتاح المعرض التقينا بآن بوارييه التي حدثتنا عن الحلم الذي لطالما راودها أثناء تنفيذها للمدينة مع زوجها. كانت تمشي وسط الضباب والمتاهة البيضاء في المدينة المتخيلة مع ابنها، لكنه اختفى فجأة فخافت عليه وبدأت تناديه لكن دون جدوى وكان الفراق مؤلما.
خلال أسفارهما الطويلة جمع الزوجان مئات الوثائق والصور والعناصر التي نتعرف اليها بعد عبورنا قاعة مدينة الظلال. نشاهد تصاميم هندسية تستعيد أجواء المعابد الفرعونية وغيرها من آثار الشرق القديم. في موازاة مصر، زار الثنائي سوريا والعراق حيث حيث نشأت أعرق الحضارات الإنسانية ومنها السومرية والبابلية والأشورية. أقاما حوارا خفيا معها أثناء تأملهما في أنقاض المدن المنسية في قلب الصحراء ووسط الرمال وقدّما في نتاجهما قراءة شخصية لما بقي من آثار هذه الحضارات، تمزج بين الماضي والحاضر وتستشرف المستقبل.

من الشرق الى روما وتجهيز "حريق المكتبة الكبيرة" أنجزه الثنائي عام 1976 وهو يسترجع الحريق الكبير في روما عام 64 للميلاد والذي أدى الى تدمير أجزاء واسعة من المدينة. وكانت الكتابات التاريخية قد حملت نيرون مسؤولية الحريق بسبب جنونه وطموحه. ويقارن الثنائي بوارييه بين حريق روما وما حصل في برلين ولندن خلال الحرب العالمية الثانية وفي سراييفو عندما أحرقت مكتبتها الوطنية عام 1992.
التجهيز شهادة جارحة لدمار الأمكنة وأفول الحضارات بسبب عنف الانسان وغريزة الموت التي تقضي على البشر والحجر وتشهد على هشاشة الإنسانية على هذه الأرض.
نبض