من حجر لبنان إلى فناء دمشق وبراجيل الخليج… كيف روّضت العمارة العربية المناخ؟

ثقافة 20-09-2026 | 11:32

من حجر لبنان إلى فناء دمشق وبراجيل الخليج… كيف روّضت العمارة العربية المناخ؟

قبل المكيّفات والعزل الصناعي، طوّرت مدن الشرق الأوسط عمارة تقرأ اتجاه الشمس وتحرّك الهواء وتختار موادها وفق المناخ.
من حجر لبنان إلى فناء دمشق وبراجيل الخليج… كيف روّضت العمارة العربية المناخ؟
فناء بيت في دمشق، حيث تنفتح الغرف على باحة داخلية تساعد على توفير الظلّ وتحريك الهواء داخل المنزل. (Visit Damascus Syria)
Smaller Bigger

ميرا فاضل

 

 

لم يكن البيت العربي القديم مبنى يُقام ثم تُضاف إليه وسائل التبريد، بل كان نظاماً مناخياً متكاملاً. موقع النوافذ، سماكة الجدران، ارتفاع السقف، شكل الأزقّة، وحتى وجود الماء والأشجار في الفناء، كانت جميعها قرارات تساعد البيت على مقاومة الحرّ والرطوبة والبرد بأقل قدر ممكن من الطاقة.

 

وتقول المهندسة المعمارية منى غالب، المتخصّصة في ترميم المباني الأثرية، لـ"النهار": "الهندسة المعمارية في الشرق الأوسط كانت تعتمد كثيراً على مكافحة الحرّ والرطوبة، سواء من خلال شكل المبنى أو المواد المستخدمة في بنائه".

 

رغم اشتراك بلدان المنطقة في عدد من هذه المبادئ، لم تكن الحلول متطابقة. فالبيت في دمشق، حيث المناخ أكثر جفافاً، ليس كالمنزل القريب من الساحل اللبناني، ولا كالبيت الخليجي الذي يواجه حرارة صحراوية قاسية ورطوبة مرتفعة في المدن الساحلية.

 

المساحات المظلّلة داخل مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية كابسارك في الرياض، في نموذج معاصر يوظّف الضوء والظلّ وحركة الهواء. (Wikimedia)
المساحات المظلّلة داخل مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية كابسارك في الرياض، في نموذج معاصر يوظّف الضوء والظلّ وحركة الهواء. (Wikimedia)

 

 

بيت لا يواجه المناخ… بل يتكيّف معه

اعتمدت العمارة التقليدية على ما يُعرف اليوم بـ"التبريد السلبي"، أي خفض الحرارة وتحسين الراحة داخل المبنى من خلال التصميم والمواد، من دون الاعتماد الكامل على أجهزة التكييف. فكانت المباني تتقارب لتحمي بعضها من الشمس، وتضيق الأزقّة لتبقى مظلّلة، فيما تُرفع السقوف كي يصعد الهواء الساخن بعيداً عن مستوى الجالسين.

 

استخدم البنّاؤون الحجر والطين والكلس والخشب، وهي مواد محلية تمتلك خصائص حرارية تختلف عن الزجاج والمعادن والخرسانة المكشوفة. وتوضح غالب: "شكل المبنى والمواد المستخدمة فيه كانا يعملان معاً. الحجر والطين يؤدّيان دوراً مهماً في العزل، فيما تساعد النوافذ الصغيرة والسقوف المرتفعة على ضبط الحرارة في الداخل".

 

خان الخياطين في طرابلس. (وكالات)
خان الخياطين في طرابلس. (وكالات)

 

 

ولم تكن هذه العمارة تمنع الحرّ نهائياً، لكنها كانت تؤخّر انتقاله إلى الداخل وتخفّف حدّته، مستفيدةً من الكتلة الحرارية للجدران، أي قدرتها على امتصاص الحرارة وإطلاقها ببطء. كما كانت تحتفظ بالدفء خلال الليالي الباردة وفصل الشتاء، في مناخات معروفة بفوارقها الحرارية بين النهار والليل.

 

سوريا: الفناء يحتفظ ببرودة البيت

في دمشق، انفتح البيت التقليدي على الفناء الداخلي، أي الباحة المكشوفة في قلب المنزل، وتتوسّطه غالباً "البحرة"، أي النافورة أو حوض الماء. وتحيط به الأشجار والغرف والإيوان، وهو مساحة مسقوفة مفتوحة على الفناء من جهة واحدة.

 

وفّر هذا التنظيم الخصوصية، لكنه أدّى أيضاً وظيفة مناخية واضحة، إذ ساهم في تظليل أجزاء من المنزل وتحريك الهواء والاستفادة من تبخّر المياه لتلطيف الجو.

 

وتقول غالب: "الفناء الداخلي والنافورة لم يكونا عنصرين جماليّين فقط. كانا يساهمان في تلطيف الهواء وإبقاء قلب المنزل أكثر برودة، فيما يصل الهواء إلى الساحة الداخلية ويتحرّك بين الغرف".

 

 

فناء بيت في دمشق، حيث تنفتح الغرف على باحة داخلية تساعد على توفير الظلّ وتحريك الهواء داخل المنزل. (Visit Damascus Syria)
فناء بيت في دمشق، حيث تنفتح الغرف على باحة داخلية تساعد على توفير الظلّ وتحريك الهواء داخل المنزل. (Visit Damascus Syria)

 

 

تظهر الدراسات التي تناولت البيوت التقليدية في دمشق أهمية الفناء ومساحاته المظلّلة والنافورة والتهوية الطبيعية، إلى جانب قدرة الجدران المبنية من الحجر والكلس والطين على الحدّ من انتقال الحرارة. كما أدّى الإيوان دور مساحة نصف مفتوحة تحمي السكان من الشمس المباشرة وتتيح لهم الانتقال بين أجزاء المنزل بحسب الفصل ووقت النهار.

 

 

لبنان: الحجر والأزقّة يتقاسمان المهمة

في لبنان، يتقدّم الحجر بوصفه أحد أبرز عناصر العمارة التقليدية، ولا سيما في البيوت الجبليّة. فالجدران السميكة لا تسمح بتغيّر حرارة الداخل بالسرعة نفسها التي تتبدّل بها الحرارة في الخارج، ما يمنح البيت برودة نسبية خلال الصيف ودفئاً أكبر خلال الشتاء.

 

وتشرح غالب: "في البيت الحجري اللبناني نشعر بالبرودة صيفاً وبالدفء النسبي شتاءً، لأنّ سماكة الجدران تحدّ من تأثير الطقس الخارجي في حرارة الداخل".

 

أما في المدن الساحلية، حيث ترتفع الرطوبة، فتزداد أهمية حركة الهواء والظلّ. وتستشهد غالب بمدينة طرابلس القديمة، قائلة: "هناك تبدو البيوت كأنّها تتكئ بعضها على بعض، وتصنع الأزقّة والأروقة المغطّاة مساحات مظلّلة. هذا التكوين يسمح للهواء بالحركة ويحمي المارّة من الشمس".

 

أحد الممرات المسقوفة في سوق طرابلس القديم، حيث تصنع الأقواس وتقارب المباني مساحات مظلّلة تخفّف التعرّض المباشر للشمس. (Wikimedia)
أحد الممرات المسقوفة في سوق طرابلس القديم، حيث تصنع الأقواس وتقارب المباني مساحات مظلّلة تخفّف التعرّض المباشر للشمس. (Wikimedia)

 

 

هكذا، لم تكن الأزقّة الضيّقة نتيجة عشوائية عمرانيّة فحسب، إذ قلّل تقارب المباني المساحات المعرّضة للشمس، فيما وفّرت القناطر والأسواق المسقوفة ظلالاً تخفّف الحرارة. وفي المنازل، ساعدت السقوف المرتفعة والنوافذ المتقابلة على خروج الهواء الساخن وتحسين التهوية.

 

وتضيف غالب أنّ طلاء المساحات الداخلية بالكلس الأبيض كان يؤدي بدوره وظيفة مزدوجة، إذ يعكس الضوء ويمنح الغرف إنارة أفضل، بالتوازي مع الإحساس بالبرودة.

 

الخليج: أبراج الهواء في مواجهة الصحراء

في العمارة الخليجية، ظهرت البراجيل، أي أبراج الهواء التقليدية المعروفة أيضاً بالملاقف، بوصفها واحدة من أبرز وسائل التهوية الطبيعية. وهي أبراج أو فتحات مرتفعة تلتقط الرياح وتوجّهها عبر قنوات عمودية نحو المساحات الداخلية.

 

أبراج الهواء التقليدية في حي الفهيدي التاريخي – دبي، الإمارات العربية المتحدة  (TourBySpot)
أبراج الهواء التقليدية في حي الفهيدي التاريخي – دبي، الإمارات العربية المتحدة (TourBySpot)

 

وتشرح غالب: "الهواء الساخن يصعد إلى الأعلى، فيما يلتقط الملقف الهواء الأبرد ويدخله إلى قلب البيت. كان هذا البرج يؤمّن حركة مستمرة للهواء قبل وجود المكيّفات".

 

في دبي، كان البرجيل عنصراً رئيسياً في عدد من البيوت التقليدية، إذ ساعد على تنظيم حركة الهواء وتحسين الراحة الحرارية في الداخل.

 

إلى جانب أبراج الهواء، أدّت المشربيات، أي النوافذ الخشبية الشبكية التي ترشّح الضوء والهواء، والرواشين، وهي نوافذ أو شرفات خشبية بارزة اشتهرت بها بيوت الحجاز، دوراً أساسياً في الإمارات والسعودية ومدن عربية أخرى.

 

ففتحاتها الدقيقة تسمح بمرور الهواء والضوء المصفّى، وتحجب أشعة الشمس المباشرة وتحمي خصوصية أهل المنزل. وتقول غالب: "المشربية كانت تؤدي وظيفتين في الوقت نفسه: تحمي خصوصية أهل البيت وتمنع الشمس من الدخول بقوة. يدخل الضوء عبر الخشب المزخرف بطريقة ناعمة، من دون أن تنكشف الغرف على الخارج".

 

وفي عمارة نَجَد وسط السعودية، ساهمت جدران الطين السميكة والأفنية الداخلية والفتحات الصغيرة في الحدّ من اكتساب الحرارة. أما في جدة ومدن الحجاز الساحلية، فأصبحت الرواشين الخشبية وهي نوافذ أو شرفات خشبية بارزة تُستخدم لتغطية الفتحات الخارجية للمنازل، وسيلة للظلّ والتهوية معاً، بما يتناسب مع الرطوبة وحركة الرياح القادمة من البحر.

 

مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية كابسارك. )العمارة  (Jidipi
مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية كابسارك. )العمارة (Jidipi

 

 

حين تستعيد الأبراج الحديثة ذاكرة البيت القديم

لم تختفِ هذه المبادئ مع صعود العمارة الحديثة، وإن تراجعت طويلاً أمام الواجهات الزجاجية وأجهزة التكييف. ومع ارتفاع الطلب على التبريد، بدأت مشاريع جديدة باستعادة منطق العمارة المحلية، لا عبر تقليد شكل البيت القديم، وإنما بتطوير وظائفه باستخدام مواد وتقنيات معاصرة.

 

في أبوظبي، استلهم برجا البحر المشربية في واجهة مؤلّفة من وحدات هندسية تتحرّك تبعاً لمسار الشمس. وتفتح هذه الوحدات وتغلق آلياً لتخفيف الوهج والحرارة، ما يحدّ من اكتساب الواجهة للحرارة الشمسية ويقلّل الحاجة إلى التبريد والإضاءة الصناعية.

 

وفي الرياض، أعاد مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية "كابسارك"  توظيف الفناء والملاقف والتوجيه المدروس للمباني. تحيط كتل المشروع بفناء مظلّل، بينما تلتقط عناصر مدمجة في السقوف الرياح الشمالية لتبريد الأفنية، وتحمي الواجهات الصلبة المساحات الداخلية من شمس الجنوب القاسية.

 

كذلك عاد الاهتمام بالحجر والطين والتراب المدكوك، أي التربة المضغوطة المستخدمة في بناء الجدران، إلى جانب مواد محلية أخرى. لكنها تُستخدم اليوم ضمن جدران مركّبة تراعي متطلبات العزل ومقاومة الرطوبة الحديثة.

 

فالعودة إلى القديم لا تعني التخلّي عن التكنولوجيا، وإنما وضعها في خدمة تصميم يبدأ بالمناخ قبل تشغيل المكيّف.


هكذا، لا تظهر العمارة التقليدية إرثاً بصرياً يُستعاد للزينة، بل معرفة بيئيّة تراكمت عبر قرون. وبين فناء دمشق وحجر لبنان وملاقف الخليج، يبدو البيت العربي القديم أكثر معاصرة مما نظن: مبنى يعرف كيف يتنفّس، ومتى يحتمي من الشمس، وكيف يستخدم ما حوله ليصنع مناخاً صغيراً خاصاً به.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 9/19/2026 8:09:00 PM
تبرز كهرباء زحلة باعتبارها التجربة اللبنانية الأوضح في إدارة شبكة توزيع محددة، مع تولي المشغل مسؤوليات التشغيل والصيانة والجباية والاستثمار وتحسين الخدمة.
صحة وعلوم 9/19/2026 11:59:00 AM
مع تغيّر مفهوم السعادة، لم يعد الزواج الخيار الوحيد لبناء حياة مستقرّة ومرضية.