سمير حداد… الرجل الذي أمضى 43 عاماً يصحّح الكلمات ويخطّها في النهار
قبل أن تصبح كلماته تصل إلى أكثر من مليون شخص على "إنستغرام"، أمضى سمير حداد 43 عاماً في "النهار"، يدقّق الكلمات ويصوّب اللغة، ويترك خلفه أثراً لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بعدد الأشخاص الذين عرفوه وأحبّوا حضوره.
كان سمير مدققاً لغوياً في "النهار". وفي المكان الذي كانت الكلمة فيه تُكتب لتصل إلى آلاف القراء، كان دوره أن يتأكد من أنها تصل صحيحة. لم تكن اللغة بالنسبة إليه تفصيلاً، بل كانت جزءاً من هويته، حتى أصبح مع مرور السنوات أحد الوجوه المرتبطة بذاكرة الجريدة.
تقاعد عام 2015، لكن علاقته بـ"النهار" لم تنتهِ عند هذا الحد. بقيت الجريدة حاضرة في حياته، وبقي هو حاضراً في ذاكرتها.
وفي عام 2024، اقترح عليه ابنه سليم أن يفتح صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن ينشر مقاطع قصيرة من حديثه وكتاباته. لم يكن سمير يسعى إلى الشهرة، وربما لهذا السبب تحديداً أحبّه الناس.
انتشرت مقاطعه، وكبر عدد متابعيه حتى تجاوز المليون على "إنستغرام". وكان سليم يمازحه أحياناً بشأن هذا الرقم، فيأتي ردّ والده بعيداً كل البعد عن الغرور: "ما لازم الإنسان يكون مغرور".

تلك الجملة تشبه سمير كثيراً. رجل يمتلك حضوراً لافتاً من دون أن يطلبه، وكاريزما لا تحتاج إلى استعراض، وقدرة على الدخول إلى قلوب الناس ببساطته.
لكن في حياة سمير فصلٌ آخر لا تختصره الشهرة. فصل "النهار".

يستعيد ابنه سليم وزوجته جوزفين سعيد صورته داخل الجريدة، ويتحدثان عن علاقة امتدت 43 عاماً، جعلت "النهار" بالنسبة إليه أكثر من مكان للعمل؛ كانت جزءاً من حياته، ومن شخصيته، ومن يومياته وكما كان هو يقول "النهار مدرستي".
ومن المفارقات التي تفرض نفسها بعد رحيله، أن بعض الكلمات التي كتبها سمير في "النهار" قبل سنوات تبدو اليوم مختلفة تماماً. كتب آنذاك عن العمر والموت، وعن اللحظة التي ينتهي فيها كل شيء. واليوم، بعد وفاته، تعود تلك الكلمات كأنها رسالة تركها من دون أن يعرف لمن ستكون.
كان من المفترض أن يكون هذا اللقاء تكريماً لسمير في حياته. أن تجلس "النهار" أمام أحد أبنائها القدامى، وتستعيد معه سنواته الطويلة بين صفحاتها. لكن الموت سبق الموعد.

لذلك، جاء اللقاء مع سليم وجوزفين محاولة لاستعادة الرجل الذي عرفته «النهار» طوال 43 عاماً، لا من خلال سيرته المهنية فقط، بل من خلال تفاصيله الصغيرة: تواضعه، حضوره، تعلقه بالجريدة، وعلاقته بالكلمة.
وفي نهاية الحديث، يستعيد سليم والده بكلمات تختصر إرثاً كاملاً: لقد تسلّم قلمه، وتسلّم بعضاً من مهامه، ويكمل الطريق.
وربما هذه هي أجمل طريقة لوداع رجل أمضى حياته بين الكلمات.
فالكلمات التي صحّحها سمير حداد بقيت في صفحات «النهار»، والكلمات التي كتبها بقيت في ذاكرة من عرفه، أما هو، فرحل تاركاً وراءه سيرةً لا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تُروى.
نبض