كيف أحبّ المصريون القدماء؟ رسائل غرام وقصص بقيت آلاف السنين
قبل آلاف السنين، كتب المصريون القدماء عن الشوق والغرام، وتبادلوا الزهور والعطور، وتركوا على جدران المقابر والمعابد مشاهد لأزواج متشابكي الأيدي. فالحب بالنسبة إليهم لم يكن مجرد انجذاب بين رجل وامرأة، بل علاقة تقوم على المودة والانسجام والوفاء، وتمتد من الحياة الدنيا إلى العالم الآخر.
في حديث لـ"النهار"، يقول الأستاذ الدكتور محمود حامد الحصري، أستاذ الآثار واللغة المصرية القديمة المساعد في جامعة الوادي الجديد، إن المصريين القدماء نظروا إلى الحب على أنه "هبة من السماء"، وخلّدوا هذه العاطفة في أشعارهم ونقوشهم، معتبرين إياها ركيزة أساسية لاستمرار الحياة وسعادتها.
ويوضح بأن مفهوم الحبّ لم يقتصر على العلاقة بين الرجل والمرأة، بل امتدّ إلى الوفاء بين الزوجين والمحبة داخل الأسرة. وكان الزواج يُنظر إليه باعتباره شراكة تقوم على التعاون والاستقرار الأسري، فيما احتلّت المرأة مكانة متميزة داخل الأسرة، وحملت لقب "سيدة البيت" أو "سيدة المنزل".

كذلك، ارتبط الحب عند المصريين القدماء بفكرة الخلود. ويشير الحصري إلى أنهم اعتقدوا بأن الروابط الإنسانية الصادقة تستمر في العالم الآخر؛ ولذلك حرصوا على تصوير الأزواج معاً داخل المقابر وتسجيل أسمائهم جنباً إلى جنب، ليواصلوا حياتهم بعد البعث كما عاشوها على الأرض.
لكن كيف كان المصري القديم يعبّر عن الحب؟
بحسب الحصري، عاش المصريون قصص حب سجّلوا تفاصيلها على جدران المعابد والمقابر وفي برديات الشعر، وتبادل المحبّون الرسائل الغرامية والأشعار والقصائد الوجدانية التي تصف لوعة الفراق والاشتياق والتعلق بجمال الطرف الآخر وصفاته.
ولم يقتصر التعبير عن العاطفة على الكلمات. فقد تبادل العشاق زهور اللوتس، التي كانت ترمز إلى البعث والتجدد والنقاء والحب الخالص، واستخدموا العطور والزيوت العطرية المستخلصة من الياسمين واللوتس والنباتات النادرة لإضفاء أجواء من الجاذبية والجمال عند اللقاء.
وكانت الموسيقى حاضرة أيضاً من خلال الهارب والأوتار والناي. أما الفن المصري القديم، فاحتفظ بمشاهد تعبّر عن الترابط بين الزوجين: أزواج يمسكون بأيدي بعضهم، وزوجة تحتضن زوجها أو تضع يدها على كتفه، وتماثيل يظهر فيها الزوج والزوجة جالسين جنباً إلى جنب على مقعد واحد، متساويين في الطول والمكانة، بما يعكس الاحترام والمساواة.
حتى الحب كانت له لغته الخاصة. ويشرح الحصري أن كلمتي "سن" و"سنت"، أي "أخي" و"أختي" حرفياً، لم تكونا تدلان على صلة الدم، بل كانتا لقبين عاطفيين يتبادلهما العشاق والأزواج، ويقابلهما في عصرنا استخدام "حبيبي" و"حبيبتي".
ومن التعبيرات أيضاً "مري-إيب"، أي "محبوب القلب" أو "عزيز القلب"، وهو تعبير يرتبط باعتقاد المصريين بأن القلب مركز المشاعر والعاطفة والعقل. كما استخدموا "ندجم-مروت"، بمعنى "حلو الحب" أو "العشق العذب"، و"إيعب-إيب"، أي "القلب الواحد" أو قلبان يجمعهما شعور واحد.
ويشير الحصري إلى أن هذه اللغة تظهر أيضاً في بردية "تشيستر بيتي" الأولى، التي تضم قصائد حب تتناول الشوق والغزل من خلال تبادل الأدوار بين صوت الشاب والفتاة، وبردية "هاريس 500"، التي تضم سلاسل من قصائد الغزل، فتصف الفتاة لهفتها للقاء حبيبها، فيما يصف الشاب حبيبته بأنها أغلى من زهور اللوتس.
لم تبقَ قصص الحب في البرديات وحدها؛ ومن أشهر النماذج التي يذكرها الحصري رعمسيس الثاني ونفرتاري. فعلى الرغم من تعدد زوجاته، ظلّت نفرتاري زوجته المفضّلة، فشيّد لها معبداً مستقلاً في أبو سمبل، وجعل تماثيلها مساوية في الارتفاع لتماثيله على واجهة المعبد، ونُقشت عبارة تصفها بأنها «التي تشرق الشمس من أجلها».
وبعد آلاف السنين، بقيت القصائد والبرديات والنقوش والتماثيل شاهدة على معجم عاطفي غني، وعلى نظرة جعلت الحب قائماً على المودة والوفاء والانسجام، لا مجرد شعور عابر بين شخصين.
نبض