في "الرواية والقيم" يكشف د. لطيف زيتوني واقع الرواية ويحدّد دعائمها

ثقافة 16-09-2026 | 10:59

في "الرواية والقيم" يكشف د. لطيف زيتوني واقع الرواية ويحدّد دعائمها

وضَع زيتوني للرواية ثلاث دعائم: المثقّف والقيم والثورة، أي الانسان والمعرفة والتغيير...
في "الرواية والقيم" يكشف د. لطيف زيتوني واقع الرواية ويحدّد دعائمها
غلاف كتاب "الرواية والقيم".
Smaller Bigger
مارلين سعاده

رغم مرور أكثر من ثماني سنوات، حتى اليوم، على صدور كتاب "الرواية والقيم"* للدكتور لطيف زيتوني، نجد إقبالًا عليه من قِبَل أكاديميين مختصين بموضوع الرواية، تحثّهم حشرية الباحث لمعرفة تفاصيل معالجة زيتوني لموضوع القيم وربطه الرواية بها، لا سيّما أن الرواية لا تزال في عصرنا تتبوّأ المرتبة الأولى على سائر الأجناس الأدبية، والإقبال عليها في تزايد، واستغلالها لنشر الفساد بات أكثر طغيانًا من سعيها لصَوْن القيم الإنسانية التي دأب على نشرها والتوعية عليها كُتّاب عالميّون كدوستويفسكي (1821- 1881) وهوغو (1802-1885) وتولستوي (1828-1910) وبروست (1871-1922) وكافكا (1883- 1924) ونجيب محفوظ (1911-2006)، وماركيز (1927-2014)، وسواهم... فما الذي يمكن أن نستخلصه من هذا الكتاب البحثيّ؟ وهل ما زالت القيم هي نفسها أم أنها تتغيّر مع تغيُّر وجه المجتمع، وهل تنطبق على كل المجتمعات أم أنّ لكلّ مجتمع قيَمه الخاصة؟

هذه الأسئلة وكثير سواها نجد الأجوبة عليها ضمن فصول هذا الكتاب الذي يشكّل مَعينًا لا ينضب لكلّ باحثٍ عن مورد عذب لتشكيل عالمٍ مفعم بالخير والإنسانيّة، ولكن يبقى السؤال الأهم: هل لا يزال عالمنا يعي معنى القيم ويبحث عنها، أمّ أن التقنيات الحديثة التي تكاد تلغي دور الإنسان بهيمنتها على عصرنا، وتُجرّده من السلطة المعطاة له منذ بدء الخليقة، قلبت المقاييس والنظم، فباتت القيم موضوعًا عفى عليه الزمن؟

يشير زيتوني في المقدّمة الى الأنظمة المستبدّة التي كانت تشعر بخطر الرواية عليها فـ"تصادر وتمنع وتحاكم وتراقب وتهدد وتعاقب" (المقدمة ص 11)، فإذا كانت تلك الأنظمة، في الماضي، تشن هذه الحرب الضروس على الرواية لتخفّف من هيمنتها وقدرتها على التغيير، فإنها في عصرنا تستخدم الرواية وسيلةً لبثّ "قيمها" - إن جاز التعبير -  كون القيم تتبدّل بتبدّل تفكير الشعوب... وهنا يضع زيتوني المسؤوليّة على عاتق المثقّف في الدفاع عن القيم والمبادئ الإنسانيّة وتثبيتها، متوقّفًا عند نشأة المثقف والصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها، وكيفيّة تحليل الفلاسفة وعلماء الاجتماع لشخصيّة المثقّف، من بندا الى غرامشي الى سارتر وبورديو... وصولًا الى إدوارد سعيد الذي معه "صارت القيم لا تنفصل عن الشخصية وسيرتها" (ص 37). إذًا، لا يمكن للكاتب أن يتحدّث عن القيم ما لم يتحلَّ بها! فهل بإمكان روبوتات عصرنا أن تهدينا الى القيم؟! ثم يشير زيتوني الى كيفيّة تحليل محمد أركون للمثقّف الإسلامي "انطلاقًا من علاقته بالمعنى" (ص 50) فهل ما زال المعنى مهمًّا في عصرنا الذي تخطّى منطق العقل الإنساني وبات محكومًا بهيمنة الآلة، وتحوّل معه اهتمام الناس "من البحث عن المعرفة الى البحث عن التسلية والاستهلاك"؟ هذه الأمور التي اتّخذت صفة "ثقافة العصر"، ونجحت في الهيمنة على فكر الإنسان وتحويله الى مستهلك جشع، يلهث خلف كلّ جديد، وإن كان تافهًا، ويخضع له.

في الفصل الثاني المعنون "الدفاع عن القيم الإيجابية" (ص 81) يعرّف زيتوني بأنواع القيم من دينيّة وعلميّة، موضحًا أنّها ليست متساوية وإنما نسبيّة، وخاضعة في عالمنا العربي للهيمنة الغربية. كما يشير الى اختلاف معانيها عبر العصور واختلاف سلّم ترتيبها، لينتقل بنا الى كيفيّة استخدامها، من ناحية الأسلوب، في النص الروائي، مقدّمًا لنا مثالًا مجموعة ليلى بعلبكي القصصية "سفينة حنان الى القمر" (1964)، وما تعرّضت له من ملاحقة قضائيّة لاستخدامها لبعض الكلمات الموحية بالجنس (ص 102). ويشير لاحقًا في الصفحة 108، الى أن الأهمية الأخلاقية للنص الروائي لا تكمن في مضمونه وحده، بل في شكله وأسلوبه وكلماته أيضًا، وإلى أهمّيّة إشراك القارئ في حياة الآخرين بحيث يمكنه أن يضع نفسه مكانهم ويحكم عليهم من هذا المنطلق، مضيفًا أن الرواية تعتمد على "تحرير الغرائز بدلًا من كبتها" (ص 112) ما يساعد القارئ على تخطي بعض عُقَده، وتغيير طرقه في إصدار الأحكام، بحيث يُعيد صوغ مفاهيمه الأخلاقية (ص 126-127).

وضَع زيتوني للرواية ثلاث دعائم: المثقّف والقيم والثورة، أي الانسان والمعرفة والتغيير؛ فمهمة المثقف الاجتماعية هي التغيير، لا بالاتجاه نحو الماضي، ولا بتبني كل ما يأتيه به الحاضر، بل بتوظيف ثقافته في كشف المفيد لبلاده وللإنسانية، لحمايتهما من التخلف ومن الخيارات المزيفة معًا، وخصوصًا لحماية مستقبل الإنسان في هذا العالم.

وبإمكان القارئ أن يكتشف المزيد عن "الرواية والقيم" من خلال قراءة هذا الكتاب، وأن يستمتع بالتحليلات التي يتضمنها وبالموضوعات التي أثارها كدور المثقف ومسؤولية المؤلف. خصوصًا بعدما أعاد النظر في مفهوم المثقف وطرَح مفهومًا مستحدثًا يصنّف المثقف في مستويات ويرسم لكل مستوى صفات ودور. وهذا أمر جديد يستحق المناقشة.


* الدكتور لطيف زيتوني، الرواية والقيم،  دار الفارابي – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: أيار 2018.