تذكرة إلى عمرٍ أكثر صحة… هل تُبطئ السينما الشيخوخة؟
ميرا فاضل
قد تبدو تذكرة السينما وسيلةً لتمضية أمسية عادية، لكنّ أثرها قد يتجاوز ساعتين أمام الشاشة. فبين الخروج من المنزل، والجلوس وسط الآخرين، والانغماس في قصة تحرّك الذاكرة والمشاعر، تجمع السينما في تجربة واحدة عناصر جسدية ونفسية واجتماعية ترتبط بما يسمّيه الباحثون "الشيخوخة الصحية".
دراسة حديثة نُشرت في “Journal of Epidemiology and Community Health” أعادت فتح النقاش حول العلاقة بين المشاركة الثقافية والعمر الفيزيولوجي. وشملت الدراسة 1899 شخصاً تجاوزوا الخمسين في إنكلترا، ودرست مدى ارتيادهم دور السينما والمسارح والحفلات الموسيقية والأوبرا والمتاحف والمعارض الفنية.
ثلاث سنوات أصغر… ولكن ماذا يعني ذلك؟
اعتمد الباحثون على مجموعة من المؤشرات الصحية، بينها ضغط الدم، والكوليسترول، ومؤشر كتلة الجسم، وقوة قبضة اليد، وسرعة المشي، للوصول إلى تقدير للعمر الفيزيولوجي، أي الحالة التي يبدو عليها الجسم من الداخل، بعيداً من عدد السنوات المسجّل في الهوية.

وأظهرت النتائج أنّ الأشخاص الأكثر انخراطاً في الأنشطة الثقافية سجّلوا عمراً فيزيولوجياً بلغ في المتوسط 66.9 عاماً، مقارنةً بـ69.9 عاماً لدى الأقل مشاركة؛ أي بفارق يقارب ثلاث سنوات.
لكنّ هذه النتيجة لا تعني أنّ مشاهدة فيلم واحد ستعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا تثبت أنّ الذهاب إلى السينما يطيل العمر بصورة مباشرة. فالدراسة رصدية، ما يعني أنّها تكشف وجود ارتباط، لا علاقة سببية محسومة. وقد يكون الأشخاص الأكثر نشاطاً ثقافياً أكثر حركة أو تمتّعاً بصحة ودخل وعلاقات اجتماعية أفضل منذ البداية، رغم محاولة الباحثين أخذ عدد من هذه العوامل في الاعتبار.
حين تتحوّل السينما إلى تجربة صحية
تكمن أهمية السينما في أنّها لا تخاطب حاسّة واحدة. فالفيلم يحرّك الذاكرة، ويستدعي التعاطف، ويدفع المشاهد إلى متابعة الشخصيات وربط الأحداث وفهم وجهات نظر مختلفة. وهذه كلّها أشكال من التحفيز الذهني والعاطفي.

أما الذهاب إلى الصالة، فيضيف إلى المشاهدة بعداً اجتماعياً: موعداً مع صديق، أو نزهة عائلية، أو حتى مشاركة الضحك والخوف والتأثر مع غرباء. وقد أشارت أبحاث أخرى إلى أنّ اختبار مشاعر قوية إلى جانب الآخرين يمكن أن يعزّز الإحساس بالتواصل والانتماء، وهما عاملان مهمان في مواجهة الوحدة والعزلة، خصوصاً مع التقدّم في السن.
رأي خبير: الارتباط واعد… لكن الحذر ضروري
وفي تعليق على النتائج، رأت الدكتورة آنا تشودوس، أستاذة طب الشيخوخة في جامعة كاليفورنيا – سان فرانسيسكو، أنّ النتائج تبدو منطقية في ضوء ما هو معروف عن أثر التحفيز الذهني والتفاعل الاجتماعي في التقدّم الصحي في السن. وأشارت، في حديث إلى "Medical News Today"، إلى أنّ الأشخاص الذين يبقون منخرطين في الحياة الثقافية والاجتماعية قد يستفيدون من هذا النوع من النشاط على مستويات عدّة، من بينها الحفاظ على التحفيز المعرفي وتعزيز التواصل مع الآخرين.
لكنّ تشودوس شدّدت في الوقت نفسه على ضرورة عدم قراءة النتائج كدليل قاطع على أنّ النشاط الثقافي يبطئ الشيخوخة مباشرة. فالدراسة رصدية، وقد يكون الأشخاص الذين يتمتعون أساساً بصحة وقدرات إدراكية أفضل هم الأكثر قدرة على الخروج وحضور المسرح أو السينما أو غيرهما من الفعاليات الثقافية. ومن هنا، تبقى النتائج مؤشراً لافتاً يحتاج إلى مزيد من الأبحاث لإثبات العلاقة السببية.

السينما ليست وصفة سحرية
لا تحلّ السينما مكان الحركة المنتظمة أو الغذاء المتوازن أو المتابعة الطبية. لكنها قد تكون جزءاً من نمط حياة أكثر غنى وحيوية. فهي تدفع الإنسان إلى الخروج من عزلته، وتحفّز عقله، وتمنحه فسحة من المتعة والانفعال المشترك.
وفي النهاية، قد لا تمنح السينما وصفةً مؤكدة لإبطاء الشيخوخة، لكنها تكشف جانباً غالباً ما يُهمَل في الحديث عن الصحة: أن يبقى الإنسان منخرطاً في العالم من حوله. فالثقافة، بما تحمله من حركة وتفاعل وفضول، قد لا توقف الزمن، لكنها قد تجعل التقدّم فيه أكثر حيوية. وربما لا تضيف سنوات إلى العمر، بقدر ما تضيف حياةً إلى هذه السنوات
نبض