البندقية 83 - ”قبل منتصف الليل بقليل“: رجل من الماضي
"قبل منتصف الليل بقليل" لنيكولا باريزيه المعروض في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول) فيلم جميل حتى في ما يثيره من اعتراض، وفي ما يبدو أحياناً محسوباً أكثر ممّا يجب، وواثقاً أكثر ممّا ينبغي من حواراته وشخصياته. مع ذلك، يتوصّل باريزيه إلى شيء نادر: أن يأخذ على محمل الجد ارتباك رجل يكتشف، وهو تجاوز منتصف حياته (بقليل؟)، أنه ينتمي بالفعل إلى زمن مضى.
ليو (ملفيل بوبو)، في التاسعة والأربعين، يعيش في شرق فرنسا مع شريكته التي يستعد للانفصال عنها. حين يموت والده البيولوجي الذي لم يعرفه يوماً، يضطر إلى الذهاب إلى إيطاليا لتسوية مسألة الإرث. قبل ذلك، يمضي بضعة أيام في باريس، يستعيد خلالها أصدقاء قدامى، وحبيبات سابقات، وابنته. يستعيد زمناً لم يعد يعرف إن كان لا يزال معاصراً له.
يبدأ الفيلم كما تبدأ أفلام فرنسية كثيرة: تذمّر، أحاديث لا تنتهي، كلام عن الحب والانفصال والسياسة والجنس، وعن كلّ شيء ولا شيء. ثم تتحوّل الثرثرة إلى تحقيق، والتحقيق إلى فحص للذات، والفيلم الذي يبدو في بدايته قريباً من إريك رومير، يتحوّل تدريجاً إلى نوع من المعاينة العاطفية والفكرية والسياسية.

رومير حاضر في الأحاديث، والتردّدات العاطفية، والشخصيات التي تفكّر وهي تتكلّم، وتتحدّث لكي تفهم ما تفكّر فيه. لكن رومير نفسه بات متجاوزاً. القصص هي نفسها، لكن النساء لم يعدن في المكان نفسه. شيء ما تغيّر في هذه الأثناء. "مي تو" مر من هنا.
يكتشف ليو ذلك من خلال ابنته (كلارا باتشيني)، ذات التسعة عشر عاماً، الناشطة والنسوية، التي تنظر بسخرية، وأحياناً بقسوة، إلى عالم والدها العاطفي. بالنسبة إليها، الحبّ نفسه اختراع رجّالي. طريقة متطوّرة، وفي النهاية منحرفة، لتحويل المرأة إلى موضوع، والسيطرة عليها. ترفض أن تحبّ لأنها ترفض الدخول في لعبة الرجال.
يصاب ليو بالذهول. ومنذ تلك اللحظة، يبدأ بإعادة النظر في ماضيه العاطفي. يبحث عن حبيباته القديمات، ويحاول أن يفهم أين أخطأ: هل كان وغداً، وإلى أي حد شارك، بوعي أو من دونه، في منظومة الهيمنة التي تصفها ابنته؟ لكنه لا يتحول فجأةً إلى رجل آخر. وهذه إحدى غايات الفيلم: الإنسان لا يتغير بين ليلة وضحاها. الوعي بالخطأ لا يوفّر خلاصاً على الفور. إنه مسار طويل، مؤلم، وقد لا يصل إلى نتيجة.
يمرغ باريزيه شخصيته في الوحل باحترام، إلى أن يكاد يحولها إلى كبش فداء لكلّ علل جيله: جيل الرجال الذين نشأوا وسط مسلّمات معينة، وفي مناخ ثقافي وسياسي كان يسمح لهم بأن يعتبروا أنفسهم تقدّميين، فيما ظلّوا، في الوقت نفسه، في مركز الحكاية. ليو نتاج هذا العالم، والمخرج حريص على ألا يمنحه خلاصاً سهلاً ومصطنعاً.
انقسام آخر في الفيلم: الاستقطاب السياسي الذي يمزّق المجتمع الفرنسي. لكن الفاشيين يبقون بعيدين، تقريباً خارج الكادر. باريزيه يفضّل مراقبة تمظهرات هذا الانقسام في الأحاديث والصداقات والعلاقات بين الأجيال. والفيلم مليء بجمل لامعة تختصر، بمتعة واضحة، تناقضات هذه البورجوازية الثقافية الباريسية ونزعتها إلى السخرية. "بالنسبة إلى اليساريين، مي تو تشبه الضريبة على الثروة: يحبذّونها إلى أن تقع عليهم هم"، تقول إحدى الشخصيات.

يبقى السياق السياسي للفيلم غائماً عن قصد. نشعر بجو من الاضطراب، وبتوتّرات في الشارع، وقمع بوليسي، لكن لا يحدّد الفيلم حدثاً سياسياً بعينه. قد يبدو هذا الغموض محبطاً، لكنه ينسجم أيضاً مع مشروع باريزيه: رواية شعور جيل يشهد اختفاء مرجعياته الخاصة.
الفيلم حينما يتعلّق الأمر بالنساء، يصعب عليه الاقناع. إنهن طيّبات وواعيات وعفيفات أكثر ممّا ينبغي، وغالباً ما يقفن في موقع الضحية أو يمتلكن الحقيقة التي لا يعرفها الرجال.
يدرك ليو أن العالم يتغير من حوله، وأن مشكلته ليست فقط في العثور على مكان له فيه، بل في فهم أن هذا المكان لم يعد موجوداً أصلاً. ويشرح باريزيه ذلك بنفسه: تخيل ليو وهو يعبر زمن "مي تو“، كما كان يمكن لأرستوقراطي مهزوم أن يعيش الثورة الفرنسية، أي انه يشاهد انقلاباً تاريخياً يتجاوزه“.
خلف ما يجمع الرجال بالنساء، والصراعات بين الأجيال والأحاديث الباريسية، تطل في آخر الفيلم حقيقة مؤسفة: ما إن نفهم العالم حتى يكون قد تجاوزنا بأشواط. ابنة ليو هي اليوم مَن تنظر إلى أبيها باعتباره رجلاً من الماضي. لكن الفيلم يترك لنا احتمالاً بسيطاً: فهذه الابنة ستعيش هي أيضاً هذا الإذلال يوماً ما، عندما تأتي ابنتها لتقول لها إنها لم تفهم شيئاً، وإنها هي الأخرى كانت تنتمي إلى زمن قديم.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟
نبض