البندقية 83 - "من فضلك، اسمح لي بالمرور“: غابة لاف دياز تشهد على أهوال الاستعمار

ثقافة 12-09-2026 | 17:52

البندقية 83 - "من فضلك، اسمح لي بالمرور“: غابة لاف دياز تشهد على أهوال الاستعمار

ثنائية غريبة تجمع بين الإحساس بالانغلاق والخطر من جهة، وبين الجمال الوحشي، البدائي، من جهة ثانية.
البندقية 83 - "من فضلك، اسمح لي بالمرور“: غابة لاف دياز تشهد على أهوال الاستعمار
من فضلك، اسمح لي بالمرور
Smaller Bigger

تبلغ الغابة الاستوائية أقصى مراحل فوتوجينيتها حين تنهمر عليها الأمطار بغزارة.

عندها تبدو النباتات شبه سوريالية، ويخفت الضوء، ويتحوّل كلّ شيء إلى سطح لامع يقطر بالماء، فيما يخلق وقع المطر المتساقط على أوراق الأشجار إحساساً بالعزلة عن العالم الخارجي. 

قلّة من السينمائيين أحسنوا التقاط هذا: ثنائية غريبة تجمع بين الإحساس بالانغلاق والخطر من جهة، وبين الجمال الوحشي، البدائي، من جهة ثانية. هذا تحديداً ما يفعله المخرج الفيليبيني الكبير لاف دياز في فيلمه الجديد "من فضلك، اسمح لي بالمرور"، المعروض خارج المسابقة في الدورة الحالية من مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول). فيلم كان جديراً، في رأيي، بأن يُدرَج في المسابقة، لولا أن للمهرجانات حساباتها الأخرى، ومن بينها هاجس من النوع الذي لا يُقال بصراحة: ماذا لو مُنحت "أسد ذهب" ثانية، في غضون أقل من عشر سنوات، لمخرج واحد، والمقصود دياز في هذه الحالة. 

 

 

الغابة أكثر من مجرد موقع للتصوير
الغابة أكثر من مجرد موقع للتصوير

 

 

لكن حين أقول إن هذا ما يفعله دياز، لا أعني أنه يكتفي باستثمار الغابة على أساس بصري فاتن أو مسرح للخطر. فحنكته السينمائية تكمن، إلى حد بعيد، في قدرته على التخفّي خلف موضوعه، أو الأدق أن نقول: في جعل الموضوع نفسه يختفي خلفه.

يتناول دياز هنا قضيّة مركزية لطالما شغلته وأعاد النظر فيها، هي الاستعمار الإسباني لبلاده الفيليبين، مسألة لا يحاضر فيها ولكنه يتركها تتسرّب إلى المكان، إلى الأجساد، وإلى العنف الذي يبدو كأنه جزء من طبيعة العالم نفسه. 

تصبح الغابة، التي تدور في رحابها أحداث الفيلم، أكثر من مجرد موقع للتصوير. إنها المسرح الحالم الذي يستوعب كلّ شيء: قاسٍ ووحشي بقدر وحشية البشر وقسوتهم، ورحيم بقدر رحمتهم. مكان لا يبدو فيه التاريخ شيئاً مضى وانقضى، بل قوة لا تزال كامنة في الطبيعة، وفي الذاكرة، وفي أجساد الذين يعيشون فوق أرض لم تتخلّص تماماً من آثار ماضيها.

يحملنا الفيلم إلى القرن السابع عشر، حين كانت الفيليبين ترزح تحت الاستعمار الإسباني. يطلب الراهب الإسباني بادري إنثيسو، المسؤول عن نظام الإنكوميندا في إحدى الجزر، من أحد الفيليبينيين من أصول إسبانية أن يقود مجموعة من الرجال في موكب لنقل بلاطات من الرخام من مكان إلى آخر. والهدف، في ظاهره، نبيل: بناء كنيسة. لن نكشف سراً إذا قلنا إن معظم هؤلاء الرجال لن يصلوا إلى وجهتهم.

سيموت بعضهم منهكين، فيما يسقط آخرون على أيدي المقاومين المتوارين في الغابات. 

الرحلة، في حقيقتها، ليست سوى شكل من أشكال الاستعباد. هؤلاء المساكين يُدفَعون إليها بإغراء المال الذي يعرضه عليهم الراهب. في هذا الجانب تحديداً، لا بد أن تستحضر ذاكرتنا "أجر الخوف" لهنري جورج كلوزو: رحلة تبدو في ظاهرها مهمّة محدّدة، لكنها تتحوّل إلى امتحان للبقاء، حيث يصبح الطريق نفسه عدواً.

شخصية الراهب مرسومة بدقّة لافتة، وكذلك العالم الذي يدور في فلكها. إنه رجل ذو صرامة لا تلين وشهوة جنسية لا تشبع. ينظر إلى السكّان الأصليين نظرة إنسان إلى قرد، ويجد في الدين ما يتيح له تبرير قسوته، مستنداً إلى فكرة تحرير الروح من خلال آلام المسيح. هذا يمنعه من أن يصبح الاستعباد انحرافاً عن العقيدة، بل ممارسة يمكن تغليفها بخطاب الخلاص.

 

 

لاف دياز خلال عرض الفيلم في البندقية
لاف دياز خلال عرض الفيلم في البندقية

 

 

يقول لاف دياز إن الأمبراطورية الإسبانية الكاثوليكية "أعادت تشكيل الفيليبين بالقوة، عبر وفرة من الجنس (وهو ما نسمّيه اليوم اغتصاباً)، وشهية نهمة (وهو ما نسمّيه اليوم نهباً) ووعد بالخلاص (وهو ما نسمّيه اليوم كارثة). ثم يضيف: "كان أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر حقبتين من أعمال البناء المتواصلة: الكنائس والموانئ والحصون والقصور والمستوطنات والطرق والجسور والمزارع والمصانع والمناجم. وقد مات آلاف السكان الأصليين، ولا سيما الرجال، بسبب العمل القسري. أما الكنائس، التي شُيِّدت بعظمة تكاد تضفي عليها صفة الألوهية، وبالحجارة الضخمة والجدران السميكة والسقوف الشاهقة المهيبة، فهي شاهد على أهوال الاستعمار".

يمكن، في هذا السياق، أن نأتي على ذكر "صمت" لمارتن سكورسيزي، مع فارق جوهري: فبينما ينخرط فيلم المخرج الأميركي عميقاً في الأسئلة المتعلّقة بالإيمان والشكّ، ينسحب دياز  تقريباً من النقاش الديني، تاركاً الدين يظهر من خلال ممارسته التاريخية، ومن خلال ما خلّفه من آثار في البشر. لا يناقش العقيدة بقدر ما يرينا نتائجها حين تتداخل مع القوة والاستعمار.

بسلسلة من الوقائع القاسية، العارية تقريباً من الإحساس، يجعلنا دياز نفهم: كيف، وعلى أي أنقاض، بُني الإيمان المسيحي في الفيليبين؟ مَن دفع الثمن؟ ماذا بقي من هوية الإنسان الفيليبيني بعدما عمل الاستعمار على محوها، أو على الأقل على قضمها ببطء، وإعادة تشكيلها وفق صورته؟ 

دياز يكاد يكون سيدَ توثيق هذه الحقبة، لكن السينما تظل دائماً في مقدّمة قلقه وانشغاله. بكادرات ثابتة، تخلو تماماً من حركة الكاميرا، وبغياب كامل للقطات القريبة، يضعنا أمام الغابة والطبيعة في أبيض وأسود مهيبين. وهو، للمناسبة، واحد من أقصر أفلامه، رغم أن مدتّه تصل إلى ساعتين ونصف الساعة. 

مع أن إسبانيا استعمرت الفيليبين لثلاثة قرون، فإن قدرة دياز على التكثيف لا تُضاهى. يقول كلّ شيء من دون أن يعطينا الانطباع بأنه يقول شيئاً. يترك الأحداث والطبيعة، وحتى صوت الأمطار، تتولّى الحكاية. عالمه ضيق، ململم، لكن لسانه سليط. إنها السينما في واحدة من حالتها الأكثر دقةً وصفاءً.

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 9/11/2026 4:09:00 AM
يعرف الحزب أنه خسر المعركة وإن كان يصر على أن الحرب مازالت قائمة واعداً البيئة الشيعية واللبنانيين بالنصر وتحرير الأرض المحتلة.
كتاب النهار 9/11/2026 4:07:00 AM

لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟

اقتصاد وأعمال 9/11/2026 9:15:00 AM
ارتفاع ملحوظ بأسعار البنزين والمازوت!
لبنان 9/11/2026 11:14:00 AM
قال الجيش الإسرائيلي إن "نحو 50 مسلحاً قُتلوا خلال عملية تدمير أنفاق في مرتفعات علي الطاهر"، معلناً انسحاب قواته إلى خطوط خلفية مع إبقاء المرتفعات تحت السيطرة عن بُعد.