يوسف بزّي يعود إلى الشّعر: الماضي والحرب والحبّ واللاشيء تحت شمس واحدة

ثقافة 13-09-2026 | 10:59

يوسف بزّي يعود إلى الشّعر: الماضي والحرب والحبّ واللاشيء تحت شمس واحدة

يوسف بزّي يعود إلى الشّعر: الماضي والحرب والحبّ واللاشيء تحت شمس واحدة
يوسف بزي.
Smaller Bigger

يعود يوسف بزّي إلى الشعر بعد صمت لم يخلُ من الملاحظات والتخزين والاسترجاع، في مجموعته الشعرية "الشمس كلّها في وجهي" (دار رياض الريّس للكتب والنشر – 2026). يضع بزّي أمام نصب عينيه أربعة رموز أو محاور لينزف رؤيته إليها: الماضي، الحرب، الحبّ واللاشيء. وقد عمل من خلال قصائده على التمسك بأمرين: الإيقاع الداخلي الذي يُعدّ أحد أعمدة قصيدة النثر نظرياً، وعلى الملاحظة، لا سيّما البصرية، التي ساعدته على تشكيل رؤيته وكتابتها بلغة جمعت بين السرد والمجاز تقنياً.

 

 

الماضي: ذاكرة لا تنفصل عن الحاضر

لم يستطع يوسف بزّي، في مجموعته التي تقع في 110 صفحات من القطع المتوسّط، أن يتجاوز الماضي أو يتناساه أو أن يعزله عن أي سياق حاضر. ففي القصائد الموزّعة على القسمين "مراهق كئيب على شرفة صيفيّة" و"نهاية الأوكسيجين"، عمل بزّي على ربط الحاضر ومشاهداته لأجزاء وتفاصيل منه بالماضي الذي يشكّل ذاكرته وأساسها:
"الرابعة فجراً، الأرق عبقريّ ولئيم، جلّاد الجفون، انهض أيّها العجوز واكتب: عام 1976 تذوّقت الهمبرغر ومشيت في حديقة الجامعة الأميركيّة" (ص. 13).
عملية محاكاة الذات تعيدنا إلى نقد الشعر في العصور الوسطى، حين نقل أوغسطين الشعر من المحاكاة التي نظّر لها أرسطو إلى الإبداع القائم على التركيز على الفرد وأفكاره. ولم يكن الماضي، طبعاً، في المجموعة متمحوراً حول تلك الفكرة فحسب، بل أيضاً حول ما يعكسه الماضي من محاولة دائمة لربط الشعر بالحياة اليوميّة، وهو ما رفضه أفلاطون ونقده دريدا في العصر الحديث، معطياً الكتابة بُعدين: بُعداً خارجياً، وبُعداً يبحث عن المعنى:
"أقود سيّارتي شمالاً هارباً من بيروت بيدين ملتهبتين... حاملُ الآر.بي.جي ينطّ من الذاكرة إلى منتصف الشارع..." (ص. 11).

 

 

الحرب: الذاكرة بوصفها موقفاً سياسياً

لا تعني الحرب فقط في مجموعة بزّي المشاهدات التي ذكرنا بعضها، والتي تعكس رؤيته إلى الماضي على اعتباره جزءاً من هويّة ثابتة عصيّة على النفي من الذاكرة، بل تشكّل موقفاً سياسياً رمزياً من كلّ ما يحدث الآن:
"الذين يحبّون راجمات الصواريخ لا يشربون نبيذاً أبيض. لا يسمعون فيروز، وبالتأكيد لا بيلي هوليداي ولا ليد زبلين – في النفق يجلسون بثيابهم الصدئة، شاي وسجادة وصواعق وحمّى وأعنف التهويمات الموءودة" (ص. 32).
يستطيع الشاعر أن يحيل هذا المقطع إلى الحرب في الثمانينيات، أو إلى المعنى العام لكلمة حرب ومحاربين، لكنّ القارئ بدوره قد يحيله إلى ما يحدث الآن وإلى نقد الشاعر السياسي للذين جرّونا إلى حربين بين عامي 2024 و2026، ويكون بذلك يفنّد أيديولوجيّتهم القائمة على رفض مظاهر الرفاهيّة والحياة، الممثّل حقلها المعجمي بـ "النبيذ، فيروز، بيلي هوليداي، ليد زبلين"، ويعكس الكبت الفكري والمادي والمعنوي لديهم بعبارة "أعنف التهويمات الموءودة".

 

 

الحبّ: وفاء بلغة باردة

 

لاحق يوسف بزّي مفردة الحبّ كنوع من الوفاء، وبِلغة باردة كانت أقل ديناميّة قياساً بما كانت عليه اللغة. فكانت العلاقة في القسم الثالث "الحب الذي يتحدّث" بين الدال والمدلول غير متوازنة. فالشاعريّة، وفقاً لدريدا وعدد من المفكرين ما بعد البنيويّين، تنصّ على جعل المدلول دائماً مؤجّلاً، إلا أنّ بزّي فضّل كتابة هذا "الفصل الشعري" فقط للإشارة الإنسانيّة إلى القلب، ولم يختلف عمّا قدّمه شعراء آخرون، فكان القسم غريباً عن الأقسام الأخرى في الكتاب:
"تجلبين العرب والروم إليه، مع الينابيع الهابطة من أعلى الجبال أو الطالعة من روحك".. (ص. 63).

 

 

السرد والموسيقى الداخليّة

لم تهمل قصائد بزّي التي شكّلت في قسميها الأول والثاني نوعاً من الترابط والحميميّة بين الذات والذاكرة، وفي القسم الرابع نوعاً من العبث القائم على التمركز في نقطة، السرد والطابع التقني والبنيوي للقصيدة. فقد اتّسمت القصائد بالحفاظ على الموسيقى الداخليّة المتمثّلة بالتكرار والمقابلة في عدد من القصائد:
"ثمّ هذه الحرب بين القبلة والثوم، بين خزانة الكحول وغرفة النوم، بين التلفزيون والحقيقة..." (ص. 29).

وقد برزت العديد من الحقول المعجميّة التي تعطي النص نقطة قوّة وتماسكاً وترابطاً بين اللفظة والموضوعة القائمة عليها، حيث برز الحقل المعجمي للحرب، والحبّ، والماضي والعبث. فضلاً على ذلك، عمل الشاعر على مكاشفة نفسه من خلال السرد، الذي يفكّر به كثيرون ولا يدوّنونه، بلغة مجازيّة تشكّل وقفات شعريّة بين مقطع وآخر.

"الشمس كلّها في وجهي" هو العنوان الأنسب لمجموعة لم تخلُ من المناجاة والصراخ والبوح. الضوء الذي فاض وخرج من عيني يوسف بزّي انعكس على الورق، ليكون الشعر في هذا الكتاب، على الأقل، قائمًا على فكرتين: عكس الواقع، وهي الفكرة الأكثر أصالة عن الشعر، وخلق هويّة للفرد، وهي الفكرة الأكثر قابلية نحو الحداثة والتجديد في النص الشعري.

         

الأكثر قراءة

لبنان 9/11/2026 10:47:00 PM
نفت شركة "تاتش" إجراء أي تعديل على خدمات إعادة تعبئة الخطوط أو أسعارها، مؤكدةً استمرارها بصورة طبيعية وبالسعر الرسمي عبر جميع القنوات المعتمدة.
مجتمع 9/12/2026 2:03:00 PM
أودع الموقوف والمضبوطات القطعة المعنيّة.
موضة وجمال 9/9/2026 7:48:00 PM
الأسود يطغى على إطلالة الملكة رانيا في وداع الملك هارالد الخامس.