"Assouline" تحتفي ببيروت… مدينة الماضي والحاضر في "Beirut Habibi"
كم كتاباً كُتِبَ عن بيروت؟ وكم مرة استُعيدت صور شوارعها القديمة ومقاهيها وبحرها تحت عنوان الحنين؟ يأتي "Beirut Habibi" من "Assouline" إلى مساحة تبدو مألوفة جداً، لكنه يحاول أن يغيّر زاوية النظر.
ليس سهلاً اختصار بيروت بـكتاب. فالمدينة التي تبدّلت ملامحها مراراً، وراكمت طبقات من التاريخ والذاكرة والخسارات، لطالما قاومت الصورة الواحدة والرواية الواحدة. تأتي المحاولة على هيئة كتاب بصري يستعيد المدينة ويضع ماضيها في مواجهة حاضرها.
الكتاب، المؤلف من 304 صفحات والمنضوي من ضمن مجموعة "Classics Collection" للدار، يحمل توقيع الكاتب والروائي اللبناني شريف مجدلاني. ومن خلال مزيج من الصور الأرشيفية والتصوير المعاصر، يرسم بورتريه لبيروت يمتد من جذورها كمدينة متوسطية قديمة، مروراً بمراحلها التاريخية المختلفة، وصولاً إلى مشهدها الثقافي والإبداعي المعاصر.

مدينة تتجاوز النوستالجيا
لعقود، التصقت ببيروت صورة رومانسية تكاد أن تكون جاهزة: المقاهي القديمة، الفنادق، واجهة البحر، الحياة الليلية، والمدينة السابقة للحرب الأهلية. وهي ذاكرة حقيقية بلا شك، لكنها تحوّلت أحياناً إلى عدسة ضيقة يُنظر من خلالها إلى كل ما أتى بعدها.
"Beirut Habibi" يحاول الخروج من هذا الفخ. فإلى جانب التاريخ والعمارة والمعالم، ينتقل إلى بيروت الحاضرة: الروشة، الجميزة، الواجهة البحرية، الشوارع بعد حلول الليل، إلى جانب عالم المطاعم والمعارض والمتاجر والمصممين والمساحات الإبداعية. ويصل الكتاب أيضاً إلى مشهد الموضة، ومنه إلى مشاغل المصمم اللبناني إيلي صعب في بيروت.

هنا تحديداً تظهر الفكرة الأكثر جاذبية في الكتاب: المدينة ليست متحفاً لنسخة قديمة من نفسها.
إنها مكان تتجاور فيه الأبنية العتيقة مع واجهات جديدة، والذاكرة مع الحياة اليومية، والحنين مع رغبة مستمرة في صناعة شيء جديد.
أي بيروت داخل الإطار؟
ينتمي "Beirut Habibi" إلى عالم الـ"coffee-table books" الذي أتقنته "Assouline": كتاب يُقرأ كما يُشاهد، ويصبح تصميمه وصوره وحضوره المادي جزءاً من التجربة نفسها. وهذا يمنحه قدرة كبيرة على تقديم بيروت إلى قارئ عالمي ربما لم يزرها يوماً.
لكن هذه الجمالية تفتح في الوقت نفسه سؤالاً مشروعاً: أي بيروت تصل إلى صفحات الكتاب؟
فبيروت ليست فقط غروباً متوسطياً وسطوحاً قديمة ومقاهي ومصممين. إنها أيضاً مدينة مزدحمة ومتناقضة، قاسية أحياناً، تتعايش فيها الفخامة مع الهشاشة، ويجاور فيها الجميل ما هو متصدع.

ربما تكمن صعوبة أي كتاب عنها في هذا التحديد بالذات. كل محاولة لتصوير بيروت هي، بطريقة أو بأخرى، عملية اختيار: ماذا نُظهر؟ ماذا نترك خارج الإطار؟ وأي قصة نريد أن تصل إلى القارئ؟
وهذا لا ينتقص من المشروع، بل يجعل قراءته أكثر إثارة. فربما لا يكون المطلوب من "Beirut Habibi" أن يقدم بيروت كاملة ــ وهي مهمة شبه مستحيلة ــ بقدر ما يقدم وجهة نظر عنها.
بيروت لا تحتاج أن تكون كاملة كي تكون جميلة. فجزء من فتنتها يولد من هشاشتها وعدم اكتمالها.

"Beirut Habibi": حين يصبح الكتاب رسالة حب
بدأ العمل على المشروع عام 2023، بمبادرة ودعم من مؤسس مجموعة "7 Management" ورئيسها ربيع فخر الدين، بالتعاون مع "Assouline"، وصولاً إلى صدوره اليوم أمام جمهور دولي.
وإذا كان عنوان الكتاب، "Beirut Habibi"، يحمل منذ البداية نبرة حميمة، فإن الرسالة التي تبدو خلف صفحاته لا تقوم على الرثاء.
فبيروت هنا ليست مدينة انتهت ثم بقيت صورها.

هي مدينة تعرف الانكسار جيداً، لكنها تعرف أيضاً كيف تلملم نفسها بعده. كيف تجمع ما تناثر منها، وتعيد بناء صورتها مرة بعد مرة، من دون أن تفقد تلك الروح التي تجعلها، رغم كل شيء، بيروت.
فهي لم تتوقف يوماً عن إنتاج الموسيقى والفن والموضة والأفكار والحياة. وربما لهذا السبب تبدو العبارة التي يختارها الكتاب ضمنياً أكثر أهمية من أي صورة أرشيفية: ليس السؤال فقط عمّا خسرته بيروت، بل عمّا لا تزال قادرة على خلقه.
بيروت حبيبي… جميلة بندوبها
يُقال إن بعض الندوب تضيف إلى الجمال حكايةً وعمقاً. وبيروت، بندوبها الكثيرة، تبدو أجمل لأنها لا تخفي ما عبر بها.
فبيروت لا تحتاج أن تكون كاملة كي تكون جميلة. يكفي أن تبقى، بكل تناقضاتها ونقائصها، بيروت التي نحبّ.
نبض