البندقية 83 - ”جندي مطيع“: ذل بدوام كامل
بعد افتتاحية قوية جداً، نرى المدير العام للشركة (يؤدّي دوره الممثّل المفضّل لبريزيه، فنسان لاندون)، وهو يدين قرار المؤسسة إطلاق حملة ترويجية تظهر فيها موظّفين من ذوي الاحتياجات الخاصة، متّهماً فريق العمل بالرضوخ لمنطق "الصواب السياسي".
دقّة الطرح هي ما يفلت دائماً من أفلام الفرنسي ستيفان بريزيه. أياً يكن الموضوع الذي يتناوله، يطغى وقع الصدق، اذ يمسك به من اعضائه الحيوية. إنه السينمائي المنشغل، منذ سنوات، بالواقع الاجتماعي الفرنسي وما يختبئ خلف واجهاته البراقة، من سحق للإنسان. هذه المرة، ومع ”جندي مطيع“ المنافس على ”الأسد الذهب“ في مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول) يدخل إلى بيئة العمل، وتحديداً إلى أروقة شركة تأمين، حيث نمضي قرابة ساعتين في كواليسها.
لن تودّ، على الأرجح، بعد انتهاء هاتين الساعتين، في أن تكون موظّفاً في هذه الشركة، حتى لو عرضت عليك إمبراطورية كاملة، كما قال لي زميل سويسري أشاركه هذا الانطباع تماماً، وسنرى لماذا.
مدخلنا إلى هذه البيئة الخانقة، موظّفة مسؤولة عن شؤون العاملين (ألبا رورفاكر)، امرأة في الأربعينات من أصول إيطالية، مطلّقة وأمّ لطفل ترى أنه لا يبذل ما يكفي من الجهد في دراسته. تمضي معظم وقتها خلف مكتبها، في موقع يفترض أن يقرّبها من الموظّفين، لكنه يعزلها في الواقع عن محيطها، وخصوصاً عن ابنها. علاقاتها بالآخرين تمرّ في معظمها عبر شاشة، والصورة التي تراها هي ونراها نحن ليست سوى انعكاس ناقص ومشوّه للواقع.

بعد افتتاحية قوية جداً، نرى المدير العام للشركة (يؤدّي دوره الممثّل المفضّل لبريزيه، فنسان لاندون)، وهو يدين قرار المؤسسة إطلاق حملة ترويجية تظهر فيها موظّفين من ذوي الاحتياجات الخاصة، متّهماً فريق العمل بالرضوخ لمنطق "الصواب السياسي". ومنذ هذه اللحظة، يبدأ الفيلم في كشف تناقضاته الأخلاقية وسقطاته المهنية.
سرعان ما تجد صديقتنا نفسها أمام معضلة حقيقية، بعد أن تكتشف أن رئيسة أحد الأقسام تمارس عنفاً لفظياً على موظفّة في الخمسينات، مطالبة إياها بمزيد من الإنتاجية. لكن كيف تتصرف في مواجهة أزمة كهذه؟ هل تنحاز إلى مصلحة الشركة، خصوصاً أن رئيسة القسم رفعت معدّلات الإنتاجية؟ أم تقف إلى جانب الطرف الأضعف، في مواجهة منطق المؤسسة حين يتحوّل تحقيق الأرقام إلى ذريعة لممارسة الضغط والإذلال؟
يلقي بريزيه نظرة مستهجنة ولكن تحليلية على عالم العمل باعتباره منظومة من العلاقات والقوى والمصالح، حيث يصطدم الضمير الفردي باستمرار بما تفرضه المؤسسة من مبادئ. والنتيجة: اذلال ما بعده اذلال. كمعظم أفلامه، يرتكز الفيلم على النقاشات الحامية والحوارات المباشرة. لكنها حوارات لا تبدو غريبة عن آذاننا، جمل نسمعها كلّ يوم، لكن بعد اصغائنا إليها من جديد، ننتبه إلى واقع ألفناه إلى درجة أننا كففنا عن رؤيته. لكن بريزيه هنا، حريص، فيلماً بعد فيلم، على اعادتنا إلى هذا الواقع.

مع ذلك، لا تنتزع الحوارات من الفيلم سينمائيته. فـ“جندي مطيع“ يضعنا داخل قوقعة العمل، في ظروف تكاد تصبح غير محتملة، ويحوّل مكاناً يفترض أن يكون جزءاً عادياً من الحياة اليومية إلى بقعة للضغط والمراقبة والاستنزاف. هذه، في النهاية، حال كثير من الأوروبيين الذين يتحوّلون، داخل المنظومة الاقتصادية، إلى "جنود مطيعين" في خدمة الشركة، حيث لا يعود المعيار سوى الإنتاجية، ولو كان الثمن هو الموارد البشرية والتضحية بها.
وجهُ ألبا رورفاكر الذي تسكنه حيرة عميقة، واستسلامها التدريجي لسياسة الشركة ولرغبات مديرها، الذي يحمل بدوره وجه لاندون الرحوم والكاريزماتي، يصنعان تفاعلاً بالغ القوة لدى المُشاهد الذي يتماهى مع هذا النوع من السينما. رورفاكر، بقدرتها على أن تكون صوتاً للعمّال من دون أن تنجح في أن تكون ناطقة باسمهم، تسحق القلب، وخصوصاً في مشهد المطعم الذي يجمعها بطليقها، حين ينقل إليها ما في داخل ابنها الفتي تجاهها.
هذا فيلم يخرج من صميم المجتمع الغربي الذي تخفي مظاهر التطور والرفاهية على سطحه طبقات من الضغط والتوتّر والاستنزاف، واحتراقاً بطيئاً تفرضه الرأسمالية ومنطق المنفعة، في مقابل الحصول على شذرات من الحياة. لكن ما البديل؟ هذا بعض من مرارة الفيلم: نحن أمام منظومة لا ترحم، وقد يكون القبول بها، في نظر كثيرين، أهون الشرور.
نبض