البندقية 83 - ”نازا“: غزة بلسان القتلة
هل من الشجاعة عرض فيلم عن غزة في مهرجان كبير كالبندقية، بعدما سقط القناع عن إسرائيل وجرائمها على المستوى الدولي؟ لعلّ الشجاعة، في هذه الحالة، هي ما يتسلّح به يوفال أبراهام وراشيل زور، الإسرائيليان اللذان وجّها الكاميرا إلى مجموعة من أبناء بلدهما الضالعين في الإبادة التي انطلقت عقب ما سُمّي "طوفان الأقصى". هذا ما يفعله "نازا"، الوثيقة السينمائية التي عُرضت أمس في "الموسترا" (2 - 12 أيلول)، من إنتاج "الغارديان"، وبمساهمة من السينمائي والموزّع الفرنسي اليهودي وصاحب الصالات ماران كارميتز.
نحن، قبل كلّ شيء، أمام شجاعة أخلاقية: أن يختار المرء أن يتميّز عن السائد داخل مجتمعه، وأن يضع صوته وصورته في خدمة كشف الوقائع. كلمة "نازا" تعني "ضحايا جانبية"، وهو عنوان يأتي، منذ البداية، على تناقض صارخ مع ما يكشفه الفيلم من حقائق، في مقدّمها أن القتل المتعمّد ليس حادثاً عرضياً، وإنما ممارسة تجري داخل دوائر القرار. طوال ساعة وثلث الساعة، وهي مدّة تبدو مثالية لنقل هذه الشهادات، فلا يحتاج الفيلم إلى أكثر، ولا إلى أقل، نقترب من وقائع لم يعد ممكناً غضّ الطرف عنها.
من خلال شهادات المشاركين في العمليات، نتعرّف إلى آليات القصف وكيف جرى تبريره وتغليفه تقنياً، وإلى حجم مساهمة الاستخبارات في استهداف المدنيين على نحو انتقامي. ويتبيّن كذلك الدور المحوري الذي أدّاه الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف. فبحسب الشهادات، تتيح التكنولوجيا التوغّل بسهولة في هواتف الفلسطينيين وبياناتهم، تمهيداً لتعقّبهم واستهدافهم.

"الذكاء الاصطناعي هو الذي يقرّر مَن يموت ومَن يعيش"، يقول أحدهم، مضيفاً أن ترك القرار للآلة، في رأيه، أفضل من تركه للإنسان. هكذا تحوّلت غزة، وفق شهادة أحد الذين شاركوا في إدارة هذه العمليات، إلى "مصنع للأهداف". ويذهب آخر إلى وصف قدرته على التنصّت على الضحايا داخل بيوتهم بما يجعله يشعر بأنه "الله".
القتل لا يظهر في صور الضحايا، وإنما يرويه مرتكبوه أنفسهم، أحياناً ببرودة تثير النفور. وكلّ واحد منهم يجد لنفسه مَخرجاً أخلاقياً يحميه من تبعات ما فعل: دوره تقني، لا أكثر، "وإذا لم ينفّذ هو عملية القتل، فسينفّذها شخص آخر". من هنا تنشأ تلك المسافة بين الفعل والفاعل. تحويل القتل إلى إجراء عادي يكفي لإعفاء صاحبه من مسؤوليته، ولتجنّبه الاضطرابات النفسية التي قد تعيق أداء مهمّته.
بعض الشهادات لا يترك مجالاً كبيراً لهذه المناورات الأخلاقية. الهدف، كما يقول أحدهم صراحةً، هو التدمير الممنهج، ولا شيء سواه. في الخلفية، تعمل السلطات على إعداد كلّ شيء وإدارته، بحيث لا يبقى للمصادفة أو الارتجال مكان. بعض العناصر لا يتردّد في القول إن كلّ هذا لا يعدو كونه، بالنسبة إليهم، ”لعبة فيديو".
لا يحتاج الفيلم إلى صور ترافق هذه الاعترافات، ولا إلى موسيقى تضفي عليها معنى إضافياً. الشهادات، في ذاتها، تكفي!
خرج أكثر من صحافي غربي أعرفه من العرض مهزوزاً ومضطرباً. صحيح أننا جميعاً نعرف ما يحدث، وأن حجم المأساة لم يعد يحتاج إلى برهان، إلا أن نبرة الرواية، القائمة على البرود والاقتضاب، تفعل أحياناً أكثر من أي خطاب عاطفي يسعى إلى ابتزاز المشاعر.
يجرّ الفيلم هؤلاء العناصر إلى مواجهة أفعالهم: قتل يُرتكَب من دون اكتراث بما إذا كان المستهدف عنصراً في "حماس" أم طفلاً عالقاً بين سندان التنظيم الإرهابي وآلة السحق الإسرائيلية. وبتفاصيل دقيقة، يكشف الفيلم كيف نُظِّم القتل كما لو أنه عملية إدارية وبيروقراطية، تُدار وفق جداول وأوامر ومعايير، ولا تترك مجالاً للعقل، ولا حتى لأبسط المشاعر الإنسانية: الخوف، والندم، والرأفة.
المخرج يوفال أبراهام، يطرح، هو الآخر، أسئلته ببرود محسوب، منشغلاً بالأرقام التي تختصر حجم الكارثة: كم مبنى دمرته إسرائيل، بالقصف أو بالحرق؟ "مئات المباني"، يجيب أحد العناصر. وعندما يُسأل عن أكبر عدد من الضحايا سقط في قصف واحد، تأتي الإجابة أكثر فظاعةً: تمت الموافقة على استهداف أدى إلى سقوط 500 ضحية.
كلّ هذا قوي وصادم على مستوى الموضوع. أما فنياً، فالمسألة أكثر تعقيداً، لأن علينا أن نتذكّر أننا، في النهاية، داخل مهرجان سينمائي وليس داخل اذاعة. ولا ضير في القول إن الفيلم يقدّم إدانة لإسرائيل من خلال فيلم يخلو من صور المقتلة (ما عدا الخاتمة)، على نحو يذكّر، ولو من بعيد، بـ"شوا" لكلود لانزمان. وهذه إحدى فضائل الفيلم، وربما إحدى نقاط ضعفه أيضاً، وخصوصاً أمام جمهور واسع لم يعتد هذا الشكل من السينما الوثائقية التي تروي الجرائم من دون اللجوء إلى ما يؤكّدها بصرياً، كما كانت الحال في ”S21، آلة قتل الخمير الحمر" لريثي بان، أو "فعل القتل" لجوشوا أوبنهايمر.
لكن ربما لم تكن هذه التقنية وهذا الأسلوب خياراً جمالياً خالصاً، أو لعل الفيلم اختارها لأن الخيارات الأخرى لم تكن متاحة. اذ، مع تقدّم الفيلم، يصبح واضحاً أن المواد البصرية محدودة، ذلك انه يعود مراراً إلى الخلفية نفسها: مبانٍ في تل أبيب، شاشة تلفزيون تبث نشرة الأخبار، تصريحات بنيامين نتنياهو، طائرة تعبر السماء، قصف، صفارات إنذار، ووجوه القتلة غارقة في العتمة.
إسرائيل، كما يختزلها الفيلم، تظهر أساساً من خلال ظمأها الدموي: خلفية بعيدة، صدى يأتي من مكان آخر، في عمل تكاد تختفي فيه الوجوه، باستثناء وجه "بيبي". لا يحملنا الفيلم أبعد من ذلك، وهو أكثر من كافٍ، وربما من هذه المسافة تحديداً يتشكّل.
مهما قيل عن "نازا" (وسيُقال عنه الكثير في طبيعة الحال)، لا ينبغي أن ننسى أن مصدر قوته الحقيقي يكمن في شخصياته والشهادات التي تدلي بها. ففي هذا النوع من الأفلام، ما إن تضع يدك على شخص مستعد للاعتراف، حتى تكون قد أمسكتَ بخيط الفيلم كله. فكيف إذا جاءت الاعترافات بهذه البرودة، وعلى النقيض التام لما يشعر به المُشاهد؟
نبض