البندقية 83 - "ذاكرة معطّلة“: الحركة كثيرة والوحدة أكثر
شرطي فقد ذاكرته، أب مليونير، عصابة إجرامية، ومتشرد مدمن مخدرات… الأطراف الأربعة، ومَن يدور في فلكهم من شخصيات ثانوية وحبكة تشويقية، يشكّلون محور الفيلم الياباني، "ذاكرة معطّلة"، لسابو، المعروض خارج المسابقة في مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول)، الذي ينطلق مع خطف طفل الرجل الثري والمطالبة بفدية لتحريره.
يصعب أخذ الفيلم على محمل الجد، وهو أصلاً لا يطالب بذلك. يترجّح بين المحاكاة الساخرة وأفلام السيري بي. لكنه، على مستوى الصنعة، يكشف عن براعة تقنية لافتة، وفق تقاليد السينما الآسيوية، في مزج العنف بالإيقاع والفرجة. الأحداث تتلاحق، ونادراً ما تمر دقيقة من دون أن يحدث شيء.
الشخصيات مرسومة بخطوط غليظة، والمواقف تتّجه عمداً نحو المبالغة، لكن هذه هي اللعبة التي يقترحها الفيلم، ونحن نقبل بالعقد الضمني الذي يربطنا بها منذ اللحظة الأولى.

مع ذلك، لا يكتفي الفيلم بأن يكون أكشن سريعاً وفارغاً، يلهث وراء جرعات متتالية من الأدرينالين، وإن كان لا يبخل بها. خلف كلّ هذا الصخب، ثمة اهتمام بشيء أعمق يلوح في الأفق: الوحدة. وهي تيمة تطل من أفلام عدة في هذه الدورة، كأنها إحدى العلامات الخفية لزمننا: الوحدة التي أصابت سكّان المدن الكبرى والأرياف على السواء، الناجحين منهم والفاشلين، أولئك الذين يملكون الكثير وأولئك الذين لم يبقَ لهم ما يخسرونه.
الشرطي هنا لا تطارده تبعات ذنب ارتكبه في بداية الفيلم فحسب، ذنب سيتحوّل إلى صدمة دائمة وإلى درب طويل من التكفير والعذاب، بل تطارده أيضاً وحدته، وعزلته، وإحساسه الدائم بأنه أخطأ في العثور على مكانه وسط هذا الصخب. ومن خلال هذه الشخصية، التي ما عادت ذاكرتها تسعفها، يجد سابو مدخلاً إلى شيء يتجاوز الحبكة البوليسية وإيقاع المطاردات.
ثمة لحظات جميلة بالفعل، من بينها مشهد المطعم الذي يتحوّل إلى حمّام دم، من دون أن نرى الدم، حيث يلعب المخرج هنا على توقّعات أفلام النوع ويقلبها من الداخل. المشهد يشي بوعي واضح بأدوات الـ"جانر"، لكنه في الوقت نفسه لا يفقد شيئاً من حساسية سينما المؤلّف. هذه المزاوجة بين الفرجة واللمسة الشخصية هي ربما أكثر ما يمنح الفيلم نكهته.

لا يبقى الفيلم أسير الدائرة المغلقة للشرطة، ولكنه يوسّع بؤرته تدريجاً لتشمل شخصيات أخرى، لكلّ منها نصيبها من العزلة والارتباك والرغبة في الخلاص. وعلى هذا النحو يكتسب الفيلم بُعده الإنساني الذي تفتقده أفلام كثيرة من هذا النوع. خلف الشرطي ذي الملامح القاسية، والمهنة التي تفرض عليه الصلابة، يقف رجل هشّ في مكان ما، وربما اختار هذه المهنة لا لحماية الآخرين فحسب، وإنما لحماية نفسه أيضاً.
في المحصّلة، "ذاكرة معطّلة" لن يضيف الكثير إلى سينما الأكشن، لكنه بالتأكيد لا يترك وراءه ضرراً. هذا فيلم يعرف قواعد لعبته، يمارسها بخفّة، ثم يترك من خلالها اطلالة صغيرة على شخصيات تبحث، وسط العنف المتفشّي، عن مكان يمكن أن تنتمي إليه.
نبض