البندقية 83 - ”صالون التجميل“: هنا ينتهي الجمال ويبدأ الموت!
مريب، كئيب، مقزز، وضيع؟ لا توجد ترجمة واحدة أمينة لكلمة glauque الفرنسية، التي كانت تعني في الأصل لوناً أخضر مائلاً إلى الأزرق والرمادي. لكن أيّاً كانت الكلمة التي نختارها، فهي تكاد تصف تماماً عالم "صالون التجميل" لنتاليا أسيفيدو، أحد أقوى اقتراحات قسم "أسبوع المؤلّفين" في مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول).
هذا هو الفيلم الأول لممثّلة مكسيكية، "لطالما اهتمّت بالأسئلة الاجتماعية والسياسية واللاهوتية، وهي أسئلة تشكّل رؤيتها"، بحسب ما ورد في الملفّ الصحافي. أسئلة تتسلّل بوضوح إلى فيلمها الصادم والإشكالي، الذي يستحق، بعد عرضه، أن يحظى بالاهتمام الذي يليق بطموحه.
نحن في مدينة لا نعرف أين تقع، ولا نعرف حتى اسمها. المكان صالون تجميل تحوّل على ما يبدو إلى شيء أشبه بنقطة عبور بين الحياة والموت، تتجمّع فيها أرواح لفظها العالم، أو لم يعد لها مكان فيه. في قلب هذا المكان، يقيم رجل وحيد (سام لويك)، يتولّى شؤون هذا "المطهر" ويعرف أسراره.

السؤال الذي يظلّ معلقاً فوق الفيلم هو: كم من الوقت مرّ مذ كان الصالون صالوناً فعلياً، قبل أن يسقط في هذا العالم الغامض، ويصير مقبرة مفتوحة؟ هنا ينشأ أحد مصادر الإحباط في الفيلم. فنحن نرى، عبر مشاهد الفلاش باك، الرجل نفسه في زمن سابق، حين كان صاحب صالون تجميل مزدهر، ثم نراه وقد أصبح هذا الكائن المنبوذ، الخارج عن الأعراف الاجتماعية، الذي يدير المكان في صورته الحالية. لكن ما لا نراه هو عملية التحوّل نفسها، ولو في مراحلها التدريجية، ذلك الانزلاق الذي كان يمكن أن يجعل المسافة بين العالمين أكثر وضوحاً، وربما أكثر إيلاماً.
هذه ليست ثغرة سردية عابرة، لأن المسافة بين الصالون الذي كان والمكان الذي صار، هي في ذاتها موضوع الفيلم: كيف يتحوّل مكان مخصص للجمال إلى بؤرة موت؟ الفيلم يتركنا أمام أسئلة عدّة، لكنه لا يمنحنا دائماً المفاتيح الكافية لفهم الطريق الذي قاد شخصياته الى هذا المصير.
لا تسير الأشياء في الفيلم داخل خط مستقيم، بل تتكرر، وتنجرف، وتعود، عبر الطقوس والتيه واستعادة ما يبدو أنه مضى.
الجمال والموت يتداخلان إلى حد يستحيل معه الفصل بينهما. تقول أسيفيدو إن ما جذبها دائماً هو ذلك الارتباط العميق والمقلق بين الجمال والموت، والطريقة التي يستطيع بها الجمال، مع مرور الزمن، أن يعيد تشكيل الموت، وأن يمنح معنى لما يتبقى منه. لذلك، لم يكن اقتباس رواية "صالون التجميل" للكاتب المكسيكي ماريو بيلاتين محاولة لتصوير الرواية أو إعادة سردها على الشاشة، بقدر ما تحقّق سعياً إلى خلق فضاء خاص، تستخدم فيه الحياة المائية استعارةً متكررة لجمال هائل، ولواقع لا يكفّ عن إنتاج المحن.

لم أستطع منع نفسي من التفكير في ترنس ماليك وأنا أشاهد هذا الفيلم المشبّع بالموسيقى والجنون والجرأة الأدبية، وخصوصاً في بعض مشاهده ذات الطابع الأوبرالي، حيث تستحضر أسيفيدو الموسيقى الكلاسيكية بطريقة تذكّر، من بعيد، بالاستخدام الروحاني الذي طالما منحها إياه ماليك.
لكن الفيلم يذهب بهذه الحساسية إلى منطقة أكثر جسدية ووحشية، متأملاً كلّ ما هو مهمل ومتروك ومهمّش وقذر، كلّ ما قد نتردد في لمسه بأطراف أصابعنا، في فيلم شديد الجسمانية، ذكوري الملمس، طافح بالروائح والعرق والدم والتراب. إلى درجة أن يورغوس لانثيموس نفسه يبدو، للحظة، كأنه كان في طور التمرين، مع العلم أن أسيفيدو مثّلت في أحد أفلام كارلوس ريغاداس، و"صالون التجميل" يحمل إشارات من عالمه.
هذا كله ليس للاستفزاز المجّاني، بل لمزيد من التوغّل في الطبيعة البشرية، من خلال رجل يعيش أقصى تجارب الوجود، محاطاً بأشخاص عالقين بين الحياة والموت. أمام كاميرا أسيفيدو، الأشياء تصبح "ملموسة" تقريباً، نشعر بسطوحها ورطوبتها وخشونتها، ونكاد نشمّها، ونتنقّل باستمرار بين الإعجاب والنفور، بين الانجذاب إلى الصورة والرغبة في الابتعاد عنها.
هذا فيلم أنشودة للمياه، وللثورة البحرية. تقول مخرجته إنها تريد من المُشاهد أن يبتكر سرده الخاص، وأن يكوّن تأويلاته وتأمّلاته حول الموت، وكذلك حول تلك اللحظات المفعمة بالحياة. ففي بعض الأحيان، تكون الأفلام التي تحتفي بالموت أكثر قرباً من الحياة من تلك التي تكتفي بنقل بهجة العيش. للسينما هذا اللغز تحديداً، وربما هذه إحدى وظائفها: أن تمنحنا، عبر مواجهتنا بالموت، طرقاً أخرى لرؤية الحياة.
نبض