الأديب الشاعر فؤاد سليمان
فاروق غانم خداج
في الصورة القديمة التي تجمع الأديب الشاعر فؤاد سليمان بالأستاذ غسان تويني في مبنى جريدة «النهار»، لا تبدو الحكاية مجرد لقاء بين رجلين من زمن بعيد. فالصورة، بعد أكثر من سبعين عامًا، تبدو عتبة ندخل منها إلى عالم سليمان: كاتب يقف في قلب الصحافة، وكلمة ترى في الجريدة أكثر من منبر للنشر؛ تراها مساحة لمواجهة المجتمع بأسئلته.
ويُعدّ «القناديل الحمراء» واحدًا من أبرز الشواهد على التجربة الأدبية والصحافية لفؤاد سليمان، التي امتدت بين الشعر والنثر والمقالة والنقد الاجتماعي والسياسي. وارتبط اسمه بـ«النهار»، وبكتاباته التي خرجت لاحقًا في «تموزيات» و«القناديل الحمراء».
لكن صلة الصورة بالكتاب أن سليمان لم يكن يكتب من خارج الحياة العامة. كان يرى الصحافة مساحة للاحتكاك اليومي بالناس والمؤسسات والسلطة. ولذلك فإن الانتقال من صورته إلى «القناديل الحمراء» يشبه الانتقال من الوجه إلى الصوت: الصورة تحفظ اللحظة، والكتاب يكشف ما وراءها من قلق وأسئلة.
القناديل التي بقي ضوؤها
في واحدة من أكثر العبارات دلالة في الكتاب، يضع سليمان المسؤول أمام أصل وظيفته: «الوزير خادم الشعب... النائب خادم الشعب... الموظف كبر أم صغر خادم الشعب»، قبل أن يصل إلى عبارته الحاسمة: «والشعب وحده هو السيد».
ولا يكتفي بالفكرة المجرّدة، بل يحوّلها إلى صورة ساخرة لاذعة. ففي مقطع آخر يتساءل: «ليتني أعرف أين هو هذا الشعب الذي يشدّه هؤلاء من جهة وأولئك من جهة»، ثم يصف ما يسمعه بأنه «ضجيج وعجيج». هنا تتضح قيمة نثره: السياسة عنده مشهد حيّ، فيه شعب يُستدعى باسمه، وسلطة تتحدث باسمه.
غير أن هذا الجانب يفتح بابًا نقديًا على تجربته. فالإيمان بالأخلاق العامة وبمسؤولية الحاكم ضروري، لكنه لا يكفي وحده لبناء سياسة أو دولة. وقد يبدو بعض خطاب «القناديل الحمراء» اليوم أقرب إلى النزعة الأخلاقية المثالية منه إلى تقديم تصورات عملية لتغيير بنية السلطة. وهذه ليست ثغرة تُسقط قيمة الكتاب، بل سؤال يزيده أهمية: هل كان سليمان يريد تقديم برنامج سياسي، أم أن مهمته الأساسية كانت أن يهزّ الضمير قبل أن يقترح الحل؟
ربما كان اختياره الثاني مقصودًا. فالكاتب الصحافي لا يمتلك دائمًا أدوات التشريع والتنفيذ، لكنه يمتلك القدرة على تسمية الخلل وكسر اعتياده. وتظل تجربته ذات قيمة؛ لأنها تذكّر بأن فساد الحياة العامة يبدأ أحيانًا من تبدّل معنى الكلمات: المسؤولية تصبح امتيازًا، والخدمة تصبح سلطة، والموقع العام يتحول إلى ملكية خاصة.
ولم يكن هذا النقد منفصلًا عن أدبه. فقد جمع سليمان بين الشعر والمقالة والنثر، وكتب بلغة تستفيد من الصورة والسخرية والإيقاع، ما منح نصوصه قدرة على تجاوز المقال السياسي العابر. لذلك لا يمكن فصل الأديب عن الكاتب في الشأن العام؛ فالصورة الشعرية عنده ليست زينة، والنقد السياسي ليس منشورًا جافًّا.
الرسالة الأخيرة
ولعل العلاقة بـ«النهار» وغسان تويني تمنح هذا كله بُعدًا أكثر حميمية. فقد توفي سليمان في مستشفى الجامعة الأميركية في 14 كانون الأول 1951، وكان قد كتب رسالته الأخيرة إلى وليد تويني في «النهار»، وعُدّت المقطوعة الأخيرة في «القناديل الحمراء». وفي اليوم التالي كتب غسان تويني في «النهار» نصه «صراع مع الموت».
لا نحتاج إلى اختراع مضمون لتلك الرسالة كي نشعر بثقلها. يكفي أنها خرجت من الكاتب إلى الجريدة في أيامه الأخيرة، وأن نصًا أخيرًا منه بقي متصلًا بالمكان الذي احتضن جانبًا أساسيًا من تجربته. هكذا يصبح الموت جزءًا من تاريخ الكتاب، لا هامشًا عليه.
سؤال لا يموت
ولا يصح أن نقول إن فؤاد سليمان تنبّأ بلبنان المعاصر؛ فذلك إسقاط للحاضر على نصوص وُلدت في سياق تاريخي مختلف. لكن الأدب لا يحتاج إلى التنبّؤ كي يبقى حيًّا. يكفي أن يطرح سؤالًا لم يجد الزمن جوابًا نهائيًا عنه.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة «القناديل الحمراء». فقد لا يجد القارئ المعاصر في كل أفكار سليمان حلولًا سياسية جاهزة، وقد يرى في بعضها مثالية أخلاقية تنتمي إلى زمنها. لكنه سيجد محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن ومن يتولى الشأن العام، وإصرارًا على ألّا تتحول السلطة إلى حقيقة مقدّسة لا تُسأل.
بعد أكثر من سبعين عامًا على الصورة، تبدو الصلة بين الصورة والكتاب واضحة. الصورة تحفظ لحظة، والكتاب يحفظ سؤالًا؛ الصورة تُرينا الرجل، والكتاب يكشف صوته. وبينهما تتكوّن صورة فؤاد سليمان: أديبًا لم يرضَ أن يعيش الأدب بعيدًا عن الناس، وصحافيًا أدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للكلمة هو أن تفقد قدرتها على إزعاج المألوف.
لهذا تستحق «القناديل الحمراء» أن تُقرأ اليوم، لا باعتبارها وثيقة من زمن مضى، ولا نبوءة بلبنان الآتي، بل باعتبارها محاورة مفتوحة بين الأدب والمجتمع والسلطة. وربما كان أفضل ما بقي من فؤاد سليمان ليس جوابًا جاهزًا، بل ذلك السؤال: ماذا يحدث للدولة عندما تنسى أن السلطة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا؟
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
في الصورة القديمة التي تجمع الأديب الشاعر فؤاد سليمان بالأستاذ غسان تويني في مبنى جريدة «النهار»، لا تبدو الحكاية مجرد لقاء بين رجلين من زمن بعيد. فالصورة، بعد أكثر من سبعين عامًا، تبدو عتبة ندخل منها إلى عالم سليمان: كاتب يقف في قلب الصحافة، وكلمة ترى في الجريدة أكثر من منبر للنشر؛ تراها مساحة لمواجهة المجتمع بأسئلته.
ويُعدّ «القناديل الحمراء» واحدًا من أبرز الشواهد على التجربة الأدبية والصحافية لفؤاد سليمان، التي امتدت بين الشعر والنثر والمقالة والنقد الاجتماعي والسياسي. وارتبط اسمه بـ«النهار»، وبكتاباته التي خرجت لاحقًا في «تموزيات» و«القناديل الحمراء».
لكن صلة الصورة بالكتاب أن سليمان لم يكن يكتب من خارج الحياة العامة. كان يرى الصحافة مساحة للاحتكاك اليومي بالناس والمؤسسات والسلطة. ولذلك فإن الانتقال من صورته إلى «القناديل الحمراء» يشبه الانتقال من الوجه إلى الصوت: الصورة تحفظ اللحظة، والكتاب يكشف ما وراءها من قلق وأسئلة.
القناديل التي بقي ضوؤها
في واحدة من أكثر العبارات دلالة في الكتاب، يضع سليمان المسؤول أمام أصل وظيفته: «الوزير خادم الشعب... النائب خادم الشعب... الموظف كبر أم صغر خادم الشعب»، قبل أن يصل إلى عبارته الحاسمة: «والشعب وحده هو السيد».
ولا يكتفي بالفكرة المجرّدة، بل يحوّلها إلى صورة ساخرة لاذعة. ففي مقطع آخر يتساءل: «ليتني أعرف أين هو هذا الشعب الذي يشدّه هؤلاء من جهة وأولئك من جهة»، ثم يصف ما يسمعه بأنه «ضجيج وعجيج». هنا تتضح قيمة نثره: السياسة عنده مشهد حيّ، فيه شعب يُستدعى باسمه، وسلطة تتحدث باسمه.
غير أن هذا الجانب يفتح بابًا نقديًا على تجربته. فالإيمان بالأخلاق العامة وبمسؤولية الحاكم ضروري، لكنه لا يكفي وحده لبناء سياسة أو دولة. وقد يبدو بعض خطاب «القناديل الحمراء» اليوم أقرب إلى النزعة الأخلاقية المثالية منه إلى تقديم تصورات عملية لتغيير بنية السلطة. وهذه ليست ثغرة تُسقط قيمة الكتاب، بل سؤال يزيده أهمية: هل كان سليمان يريد تقديم برنامج سياسي، أم أن مهمته الأساسية كانت أن يهزّ الضمير قبل أن يقترح الحل؟
ربما كان اختياره الثاني مقصودًا. فالكاتب الصحافي لا يمتلك دائمًا أدوات التشريع والتنفيذ، لكنه يمتلك القدرة على تسمية الخلل وكسر اعتياده. وتظل تجربته ذات قيمة؛ لأنها تذكّر بأن فساد الحياة العامة يبدأ أحيانًا من تبدّل معنى الكلمات: المسؤولية تصبح امتيازًا، والخدمة تصبح سلطة، والموقع العام يتحول إلى ملكية خاصة.
ولم يكن هذا النقد منفصلًا عن أدبه. فقد جمع سليمان بين الشعر والمقالة والنثر، وكتب بلغة تستفيد من الصورة والسخرية والإيقاع، ما منح نصوصه قدرة على تجاوز المقال السياسي العابر. لذلك لا يمكن فصل الأديب عن الكاتب في الشأن العام؛ فالصورة الشعرية عنده ليست زينة، والنقد السياسي ليس منشورًا جافًّا.
الرسالة الأخيرة
ولعل العلاقة بـ«النهار» وغسان تويني تمنح هذا كله بُعدًا أكثر حميمية. فقد توفي سليمان في مستشفى الجامعة الأميركية في 14 كانون الأول 1951، وكان قد كتب رسالته الأخيرة إلى وليد تويني في «النهار»، وعُدّت المقطوعة الأخيرة في «القناديل الحمراء». وفي اليوم التالي كتب غسان تويني في «النهار» نصه «صراع مع الموت».
لا نحتاج إلى اختراع مضمون لتلك الرسالة كي نشعر بثقلها. يكفي أنها خرجت من الكاتب إلى الجريدة في أيامه الأخيرة، وأن نصًا أخيرًا منه بقي متصلًا بالمكان الذي احتضن جانبًا أساسيًا من تجربته. هكذا يصبح الموت جزءًا من تاريخ الكتاب، لا هامشًا عليه.
سؤال لا يموت
ولا يصح أن نقول إن فؤاد سليمان تنبّأ بلبنان المعاصر؛ فذلك إسقاط للحاضر على نصوص وُلدت في سياق تاريخي مختلف. لكن الأدب لا يحتاج إلى التنبّؤ كي يبقى حيًّا. يكفي أن يطرح سؤالًا لم يجد الزمن جوابًا نهائيًا عنه.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة «القناديل الحمراء». فقد لا يجد القارئ المعاصر في كل أفكار سليمان حلولًا سياسية جاهزة، وقد يرى في بعضها مثالية أخلاقية تنتمي إلى زمنها. لكنه سيجد محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن ومن يتولى الشأن العام، وإصرارًا على ألّا تتحول السلطة إلى حقيقة مقدّسة لا تُسأل.
بعد أكثر من سبعين عامًا على الصورة، تبدو الصلة بين الصورة والكتاب واضحة. الصورة تحفظ لحظة، والكتاب يحفظ سؤالًا؛ الصورة تُرينا الرجل، والكتاب يكشف صوته. وبينهما تتكوّن صورة فؤاد سليمان: أديبًا لم يرضَ أن يعيش الأدب بعيدًا عن الناس، وصحافيًا أدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للكلمة هو أن تفقد قدرتها على إزعاج المألوف.
لهذا تستحق «القناديل الحمراء» أن تُقرأ اليوم، لا باعتبارها وثيقة من زمن مضى، ولا نبوءة بلبنان الآتي، بل باعتبارها محاورة مفتوحة بين الأدب والمجتمع والسلطة. وربما كان أفضل ما بقي من فؤاد سليمان ليس جوابًا جاهزًا، بل ذلك السؤال: ماذا يحدث للدولة عندما تنسى أن السلطة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا؟
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
الأكثر قراءة
كتاب النهار
9/8/2026 5:28:00 AM
الواضح أن الإسرائيلي يعتبر انسحاب مقاتلي "حزب الله" الذين كانوا متحصنين في أنفاق علي الطاهر ويدافعون عنها، بمثابة انهيارٍ لأهم الدفاعات التي بذل الحزب جهوداً استثنائية طوال العقدين الماضيين لإنشائها.
اقتصاد وأعمال
9/9/2026 6:03:00 AM
تمكن طاقم الطائرة من الهبوط بنجاح، فيما انعكس إخلاء المدرج على حركة الملاحة الجوية، إذ اضطرت طائرة تابعة للخطوط الجوية المصرية إلى تأجيل هبوطها والتحليق في الجو إلى حين إخلاء المدرج.
الولايات المتحدة
9/7/2026 3:41:00 PM
ظهر دونالد ترامب بشعر بدا أكثر قتامة وميلاً إلى البني خلال وصوله إلى نيوجيرسي، ما أثار موجة من التكهنات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.
لايف ستايل
9/7/2026 1:39:00 PM
تُعد إسفنجة المطبخ بيئة خصبة لنمو البكتيريا وفق دراسات حديثة. الخبراء يوصون ببدائل صحية كفرشاة الأطباق والفوط القطنية لضمان نظافة مطبخك وحماية صحة عائلتك.
نبض