البندقية 83 - ”ديان في الدوامة“: تروما الأم، غضب الابنة
ينجح "ديان في الدوامة" في انتزاع القضية من براثن الفيلم القضائي الجامد، من دون أن يخفّف الموضوع أو يلطّف حدّته.
ثمة أفلام لا تملك إزاءها إلا الإعجاب، ولا سيما تلك التي تعرف كيف تسلّيك، وفي الوقت نفسه تمرّر أفكاراً شديدة الأهمية، غالباً في قضايا بالغة الخطورة. هذا ما يفعله "ديان في الدوامة” لآن سيرو ورافاييل بالبوني، المعروض في مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول) ضمن "أوريزونتي"، إذ يحوّل قضية شديدة الحساسية كالاغتصاب إلى مادة سينمائية لا تتعامل معها باستهانة أو بخفّة، ولكن تجد لها حكاية وشخصيات وإطاراً روائياً قادراً على الوصول إلى جمهور قد لا تكون هذه القضية في صلب انشغالاته، أو لا يرغب، في أقل تقدير، في أن يجد نفسه أمام ما يشبه ملفاً قضائياً.
لعل بعض أحداث الفيلم، في لحظات معينة، غير قابلة للتصديق، لكن يمكن أن يُقرأ هذا في ضوء نزوعه إلى بناء نوع من الـfable . يتقدّم الفيلم أحياناً في اتجاهات تبدو بعيدة عن المركز، قبل أن يعود إلى مساره، محافظاً في عمقه الدرامي على قدر من اللبس الذي يمنحه حيوية خاصة.
ينجح "ديان في الدوامة" في انتزاع القضية من براثن الفيلم القضائي الجامد، من دون أن يخفّف الموضوع أو يلطّف حدّته. على العكس، يبدأ الفيلم من القضية، يتركها تتسلّل ببطء إلى نسيجه، قبل أن تتقدّم إلى الواجهة، فتستولي تدريجياً على الفيلم بأكمله.

في البداية، نتعرّف إلى ديان (نينون بورساي)، شابة متمردة تعيش وفق إيقاعها الخاص، وتخوض علاقات عابرة تبدو جزءاً من عدم انسجامها مع العالم من حولها. ديان عشرينية، ابنة عصرها، ترفض الموروث كما ترفض أن تبقى أسيرة علاقات تضعها في موقع المتلقية والخاضعة. تؤمن بأن عليها أن تقرر وأن تختار، وأن تكون صاحبة المبادرة في حياتها وعلاقاتها. لكن كلّ ذلك سيتزعزع حين تجد نفسها فجأةً أمام أم تعترف لها بأنها تعرضت للاغتصاب عندما كانت في التاسعة عشرة.
وكابنة لهذا العصر، متحمّسة للتغيير ومحمّلة غضباً داخليا، تتولّى ديان مهمة استعادة حقّ أمها. لا يعنيها أن الزمن مضى، وأن الرجل الذي ارتكب الجريمة قد مات، وأن كلّ شيء بات من الماضي. بالنسبة إليها، ثمة شيء لا يزال يتعيّن عليها فعله، وثمة ظلم لا تسقطه السنوات ولا تنهيه وفاة صاحبه. ومن هنا ينشأ صراع بين ابنة تريد أن تتذكّر وأم تريد أن تنسى.
سرّ ظلّ مكتوماً لسنوات، يجد طريقه إلى الحرية، لكنه، في اللحظة نفسها، يتحوّل إلى "أمانة" يحملها شخص آخر، الى جيل آخر. وكأن ما عجزت الأم عن مواجهته طوال حياتها ينتقل إلى ابنتها.
إلى جانب النبرة التي يعتمدها الفيلم في سرد هذه الحكاية، هناك عناصر عدّة تستحق التوقف عندها. في مقدّمها شخصية ديان، التي تحمل الفيلم من بدايته إلى نهايته. إنها شخصية كان يمكن ألا نطيقها لو أدّتها ممثّلة أخرى، لكننا سرعان ما ننصاع لحضورها ونرمي جانباً كلّ آلياتنا الدفاعية، لأنها خفيفة الظلّ، عفوية، وصادقة، والأهم أنها مستعدة للتراجع حين تكتشف أنها أخطأت. "غضبها يأتي من كونها تهتم بالآخرين"، يقول المخرجان عنها.
مسرح الأحداث لافت. فالقصّة لا تجري في فضاء مغلق أو في البقعة المعتادة للأفلام التي تتناول مثل هذه القضايا. اختار المخرجان فضاءً مفتوحاً، يمنح الفيلم، في بعض لحظاته، ملامح قريبة من الـ"وسترن"، فيما تؤدّي شواطئ دي هان البلجيكية دوراً بصرياً على طريقتها.

الفيلم يروي الحكاية من زاوية مختلفة عن تلك التي اعتمدتها أفلام كثيرة تناولت الاغتصاب: لا من وجهة نظر الضحية، بل من وجهة نظر طرف ثالث، أي الشخص الذي ورث الأثر. وهذه إحدى نقاط الجدّة والاختلاف في الفيلم، كونه يعرّفنا إلى مَن ترث التروما، لا إلى مَن عاشها مباشرةً. فحادثة قد لا تستغرق سوى بضع ثوانٍ قادرة على أن تترك ندبة تمتد عبر حيوات كاملة، وأن تنتقل من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى ثان.
لكن التغيير هنا لا يتوقّف عند ديان، التي تتعلّم، في سياق تجربتها العاطفية، كيف تهدّئ اندفاعها النضالي وكيف تهذّب خطابها حين تصطدم بالحبّ والإعجاب. إنه يطال الأم أيضاً. فعلى الرغم من عدم موافقتها في البداية على قرار ابنتها الانتقام لماضيها، يطرأ عليها، هي الأخرى، تحوّل كبير، فتتحرر مهنياً وشخصياً، وتبدأ في استعادة حياة كانت توقّفت في مكان.
إنه فيلم الحلول السريعة والفعّالة، حيث تميل الأمور إلى ما يشبه الـwin-win situation. أما العداء للرجال، فيبدو أن الفيلم يعتبره معركة في الاتجاه الخطأ. بقدر ما يمكن الرجل أن يكون خصماً في لحظة ما، فإنه قد يكون أيضاً حبيباً وأباً ورفيقاً في لحظات أخرى. وربما هذا بالضبط ما ستختبره ديان، لكن في زمن قياسي جداً، وهي دائماً مشكلة هذا النوع من الأفلام: كلّ شيء يحدث خلال بضع ساعات، فتتحوّل القناعات، وتنفتح الجراح، ويُعاد صوغ العلاقات، وتتكشّف القرابة بين أشخاص كان يفترض أن يكونوا على طرفي نقيض. هكذا تكتشف ديان، في وقت قصير للغاية، أن بينها وبين ابن الرجل المغتصب الكثير ممّا يجمعهما.
ومع ذلك، يبقى الفيلم مؤثّراً وبارعاً في قدرته على قول أشياء مهمّة في زمن قياسي. ولعل أهمّها السؤال الذي يتركه وراءه: كيف نتعامل مع عبء هذا الغضب الموروث، وكيف نحوّله إلى طاقة بنّاءة؟ إذا صح التعبير، يحاول الفيلم تحويل المأساة إلى "طاقة إيجابية". فلا شيء أسهل من تحويل النساء إلى ضحايا، ولا شيء أصعب من مواصلة العيش تحت حمولة ذكرى تسحق الإنسان وتعمل على تدميره من الداخل.
نبض